دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر! سجلاتنا تفيد انك لست عضو لدينا في المنتدى,في حال رغبتم بالاِنضمام الى أسرتنا في المنتدى ينبغي عليكم ملء النموذج التالي!

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
سؤال عشوائي


الجنس :
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

-:: مــركــز تحميــل كــرم نـت ::-

تلاوة عطرة من القرآن الكريم

متصفحك لايدعم الفلاش للإستفسار والدعم الفني
عدد الضغطات : 3,328متصفحك لايدعم الفلاش

الإهداءات


   
العودة   منتديات كرم نت > الرسول الكريم والأنبياء والصحابة رضي الله عنهم > قصص الأنبياء عليهم السلام
تلاوة القران الكريم مركز تحميل كرم نت الرئيسية حياة الرسول الكريم الإعجاز العلمي مملكة حواء مملكة الطفل الأقسام التقنية والبرامج فيس بوك

   
قصص الأنبياء عليهم السلام كل ما يخص الأنبياء عليهم السلام من قصص وغيرها

دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر! سجلاتنا تفيد انك لست عضو لدينا في المنتدى,في حال رغبتم بالاِنضمام الى أسرتنا في المنتدى ينبغي عليكم ملء النموذج التالي!

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
سؤال عشوائي


الجنس :
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

آخر 10 مواضيع
مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 70 - الوقت: 09:58 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) - فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 42 - الوقت: 09:57 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 49 - الوقت: 09:55 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : ويوم يعرض الذين كفروا على النار (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 49 - الوقت: 09:54 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 47 - الوقت: 09:53 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 46 - الوقت: 09:51 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          هو وهي ( قصص قصيرة جدا ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 71 - الوقت: 10:48 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          نِيَّات ( قصص قصيرة جدا ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 56 - الوقت: 10:46 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          البيت القوي ( تعريفات قصيرة ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 70 - الوقت: 10:43 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          عشرات القتلى والجرحى في انفجار قرب مصنع للكيماويات بالصين (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 96 - الوقت: 10:00 AM - التاريخ: 28-11-2018)

إضافة رد
   
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
   
قديم 22-11-2011, 12:26 PM   #1


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
 اوسمتي
شعلة المنتدى وسام ملكة التميز وسام حب من الاعضاء 
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
مميز2 دعاة الهداية (الأنبياء).



البحث الأوَّل ـ مهمَّة الأنبياء وموقف الناس من دعوتهم:
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: {كان النَّاسُ أُمَّةً واحدةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ وأنزلَ معهم الكتابَ بالحَقِّ لِيَحكُمَ بين النَّاسِ فيما اختَلَفُوا فيه وما اختَلَفَ فيه إلاَّ الَّذين أُوتُوهُ مِن بعد ما جَاءَتهُمُ البيِّنَاتُ بَغياً بينهم فَهَدَى الله الَّذين آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فيه مِنَ الحَقِّ بإِذنِهِ والله يَهِدي مَن يشاءُ إلى صِراطٍ مُستقيمٍ(213)}
ومضات:
ـ لقد خلق الله تعالى الناس جميعاً كعائلة واحدة، إلا أنهم بمرور الوقت كثروا وتفرَّقوا، وتشعَّبت أفكارهم ومعتقداتهم، فاختلفوا فيما بينهم وابتعدوا عن الفطرة السليمة.
ـ الأنبياء هم حملة مشاعل النور، بعثهم الله للناس عندما قضت حكمته بذلك، كي ينيروا للخلق الطريق، ويدلُّوهم على ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، إنهم يحملون معهم البُشرى بجنَّات النعيم للمؤمنين، والإنذار بعذاب الجحيم للكافرين.
ـ بما أن الأنبياء يقومون بمهمَّة اجتماعيَّة بالغة الأهميَّة، إلى جانب مهمَّتهم الروحيَّة السامية، فقد زوَّدهم الله تعالى بكتب وشرائع يقرُّونها في الأرض، وينظِّمون حياة الناس على أُسُسِها.
ـ إن كتاب الله يحمل الهدى للناس جميعاً، وينتشلهم من نزاعاتهم وخلافاتهم إذا ما فقهوه وأدركوا معانيه، إلا أن بعض الرؤساء والزعماء الدِّينيين استغلُّوا معرفتهم للكتاب وثقة الناس بهم، فأخذوا يفسِّرونه وفقاً لأهوائهم ومصالحهم، فضلُّوا بذلك وأضلُّوا الكثيرين، وبثُّوا الفساد والتفرقة بين الناس.
ـ هؤلاء المُضِلُّون يحملون وزراً عظيماً، لأنهم اختلفوا وتنازعوا بعد أن علموا الحقَّ وتبيَّنوه، وجاءتهم الحُجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتب السماوية؛ فخلافهم جاء عن بيِّنة وعلم، لا عن غفلة وجهل.
ـ الهداية بيد الله سبحانه وتعالى يمنحها لمن يسلك طريقها، وهو يعصم المؤمنين الصادقين من الزلل والوقوع في الضلال.
في رحاب الآيات:
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لذلك خلق الله تعالى حوَّاء من ضلع آدم ليأنس بها ويسكن إليها في الجنَّة، ثمَّ ليكوِّنا على الأرض أسرة، يقومان برعايتها معاً. فالناس جميعاً ينتمون في الأصل إلى عائلة واحدة ذات فطرة واحدة، قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شُعوباً وقبائِلَ لِتَعَارَفوا إنَّ أكرَمَكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (49 الحجرات آية 13) ومع توالي الأجيال جيلاً بعد جيل، كثرت العائلات وتوالدت وتشعَّبت العلاقات بين أفرادها، ودفعت الظروف الحياتيَّة بهم لأن يضربوا في الأرض بحثاً عن الرزق. وهكذا فقد تعددت مفاهيمهم، واختلفت مصالحهم وانقسموا إلى تكتُّلات وجماعات شتَّى. ولكنَّ طبيعة الأمور تفرض نفسها على العلاقات بينهم، فليست هناك فئة من الناس تستطيع أن تعيش بمعزل عن غيرها. بل إن الجماعات تتلاقى وتتعاون بسبب تداخل مصالحها، على الرغم من الخلافات القائمة في مفاهيمها، والتضادِّ في أهوائها وميولها، ممَّا يولِّد الصراع والشقاق والخلافات بين أفرادها للاستئثار بالمصالح والمكاسب. وأوَّل خلاف وقع على الأرض هو الخلاف بين ولدي آدم، قابيل وهابيل، فقد أوغر الشيطان صدر قابيل بدافع الحسد والتهالك على الدنيا، وأغراه بقتل أخيه هابيل، قال تعالى: {واتلُ عليهم نَبَأ ابْنَي آدمَ بالحقِّ إذ قرَّبا قُرْبَاناً فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخرِ قال لأقتلنَّك قال إنَّما يَتَقبَّلُ الله من المتَّقين} (5 المائدة آية 27) إلى أن يقول سبحانه: {فَطوَّعَت له نفسُهُ قتلَ أخيه فقتلهُ فأصبح من الخاسرين} (5 المائدة آية 30). ومنذ ذلك الحين والصراعات قائمة بين بني البشر، تُفرِّق شملهم وتمزِّقهم شرَّ مُمزَّق، لذلك أرسل الله إليهم الأنبياء تباعاً، فكانوا من المجتمع بمنزلة الرأس من الجسد، يبلِّغون الناس وحي السماء، ويسيرون بهم على سكَّة الهدى، فيقيمون بذلك الموازين العادلة الَّتي يفيء إليها المختلفون، ويطلقون الكلمة الفصل الَّتي تحسم الجدال والخصام.
وإذا فَهِمَ بعضهم من ظاهر الآية (موضوع البحث) أن اختلاف الناس كان بسبب تعدُّد الشرائع السماوية، فإن الحقيقة هي خلاف ذلك. لأن الدِّين واحد بما يعنيه، وبما يدعو إليه من العلم والعقل والروح والتزكية، فهو يؤلِّف ولا يُفرِّق، ويوحِّد ولا يمزِّق، ولاسيَّما حين يكون متمكِّناً في الصدور، نظيفاً في السطور، لم يطرأ عليه تحريف أو تشويه. ولكنَّ النفوس حين تنحرف وتنزلق في مهاوي الضلال والغواية، فإنها لا تتورَّع أبداً عن استخدام كلِّ الوسائل الممكنة لخدمة أهوائها، بما في ذلك إساءة فهم الدِّين، ولو أنها لم تجد في الدِّين مَرْكَباً لركبت غيره من الوسائل والسُّبُل.
والدليل على أنَّ الاختلاف لم يكن يوماً بسبب تعدُّد الرسالات السماوية، هو أنَّ التاريخ قد سجَّل لنا خلافات دامية قد وقعت بين أتباع الديانة الواحدة، فتمزَّقوا شيعاً وأحزاباً، كلُّ فريق يعادي الفِرَقَ الأخرى، ويتحيَّن الفرص للإيقاع بها، وهو يعتقد ـ بدافع من التعصُّب والجهل ـ بأنه وحده على بيِّنة وصواب؛ فلا يدرك الأبعاد الحقيقية لآراء العلماء المخلصين واجتهاداتهم، ويذهب إلى تفضيل بعضهم على بعض، مدفوعاً بأحد أمرين: إمَّا بِنِيَّةٍ حسنة وتحت تأثير اختلاف تفسيرهم وتأويلهم لمفاهيم الدِّين، وإمَّا بنيَّة سيئة، انقياداً لأهوائه وميوله.
أمَّا المؤمنون الحقيقيُّون فهم الَّذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحقِّ، ويصلون بتوفيق الله إلى ما يرضيه، فالله تعالى لا يترك عباده المؤمنين تائهين في شعاب الأرض يتخبَّطون في متاهات الجهل، بل يهديهم إلى صراطه المستقيم؛ عن طريق تعاليمه وتوجيهاته، الَّتي لم يحصرها في فئة دون أخرى، ولم يجعلها حكراً لأتباع شريعة معيَّنة دون غيرها، ولم تكن وقفاً على منفعة قوم دون سواهم، بل هي دواء وشفاء للبشريَّة كلِّها، لأن واضعها ربُّ الناس أجمعين. فهم في أمنه لا يضِلُّون ولا يزلُّون، وكيف لا ينعمون بأمنه وهدايته وعندهم نور الله يستضيئون به ويجعلونه أمامهم، فإذا ما حاول الشيطان أن يُضِلَّهم عن الطريق المستقيم؛ هداهم ذلك النور الإلهي في مسيرتهم فتمكَّنوا من النجاة.

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك





 
 توقيع : ريحانة المنتدى


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:45 PM   #2


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



البحث الثاني : سلسلة الأنبياء.



شجرة النبوة واحدة
،ترجع في أصل نشاتها الى بداية بزوغ فجر البشرية ،ثم أخذت تتفرع أغصانها جيلا بعد جيل،وتؤتي اكلها كل عصر وحين ،وقد تأصلت جذورها في
عهد نوح وإبراهيم عليهما السَّلام، ثمَّ انبثق من ذريَّتهما الأنبياء الَّذين نعرفهم منذ ذلك التاريخ. أمَّا بقية أبنائهما الَّذين عاصروا عهد النُبُوَّات فلم يكونوا على شاكلة إخوتهم الأنبياء، فمنهم من هو مهتد إلى الحقِّ بصير، وكثيرٌ منهم خارجون عن طاعة الله، لم ينفعهم نسبهم للأنبياء، قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيمَ وجعلنا في ذرِّيَّتِهِما النُّبوَّةَ والكتابَ فمنهم مُهْتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون} (57 الحديد آية 26) وهكذا توالى الأنبياء، كلُّ نبي يُتمِّم رسالة النبي الَّذي سبقه، ويزيل رواسب الجمود والتحجُّر من تلك الرسالة الَّتي نسبها الجاهلون والجاحدون لتعاليمها، فيجدِّد للأمة روحانيَّتها، ويرقى بعلومها، فيضيف بذلك إلى بناء التعاليم السماوية لَبِنَةً جديدة.
وهكذا، بقي باب الهداية مفتوحاً على مرِّ الأيام والعصور، يرعاه الرسل والأنبياء والصالحون. فرسل الله هم القدوة ومصدر الهدى والنور الَّذي يستضيء به جميع الناس، وقد امتاز بعضهم على بعض، بخصائص تَفَضَّلَ الله بها عليهم، وعلى شرائعهم، وأممهم، قال تعالى: {تِلك الرُّسُلُ فَضَّلنا بَعضَهُم على بَعضٍ منهم مَن كَلَّمَ الله ورَفَعَ بَعضَهُم درجاتٍ وآتَينَا عيسى ابنَ مريمَ البَيِّنَاتِ وأيَّدنَاهُ بروحِ القُدُسِ ولو شاءَ الله ما اقتَتَلَ الَّذين مِن بَعدِهِمِ من بَعدِ ما جاءتهُمُ البيِّنَاتُ ولكنِ اختَلَفُوا فمنهم من آمَنَ ومنهم مَن كَفَرَ ولو شاءَ الله ما اقتَتَلُوا ولكنَّ الله يَفعَلُ ما يُرِيدُ} (2 البقرة آية 253).
فالمفاضلة بين الرسل لا تقوم على الأفضليَّة وإنما تتعلَّق بظرفي الزمان والمكان، وبالمحيط المقدَّر للرسول أن يتحرَّك فيه، والَّذي يشمل دعوته ونشاطه؛ كأن يكون رسول قبيلة، أو رسول أمَّة، أو عصر، أو رسول الأمم كافَّة ولجميع الأجيال، وكذلك يتعلَّق التفضيل بالمزايا والمعجزات الَّتي يهبها الله لشخص هذا النبي أو لأُمَّته، كما يتعلَّق بطبيعة الرسالة ذاتها ومدى شموليَّتها لجوانب الحياة الإنسانية والكونية.
فمن الرسل من كلَّمه الله تعالى كموسى عليه السَّلام، ومنهم من اختصَّه تعالى بمعجزات عظيمة، كدلائل على صدق نبوَّته حين أنكر الناس ذلك، كعيسى عليه السَّلام، وآخرهم محمَّد عليه الصلاة والسَّلام حيث أيَّده الله بجبريل الأمين، أسوة بغيره من الأنبياء والرسل، فكان ينقل له الأمر الإلهي ويثبِّته على المضيِّ في الطريق الشَّاق، وقد ورد تأكيد ذلك في مواضع كثيرة في القرآن الكريم.
وبذلك تتابع الرسل يحملون الرسالات السماوية لتأخذ بِيَدِ البشرية، وتمضي بها صُعُداً في طريق العلم والعمل البنَّاء. وقد أراد الله سبحانه أن تكون الرسالة الأخيرة، وما ينبثق عنها من منهج شامل للحياة، هي خير ما يكفل النُمُوَّ والتجدُّد والانطلاق للحياة على الأرض، لاسيَّما وأن العقل البشري وصل لمرحلة من النُّضج الفكري تؤهِّلُه لاستيعاب قيم الحياة الحضارية وتطويرها؛ فكان الإسلام دين الله الخالد الأبدي وللناس كافَّة، الَّذي يحمل في طيَّاته جوهر جميع الشرائع السماوية الَّتي سبقته صافية نقية بعيدة عن التشويه والتحريف.
ولو شاء الله لجعل عباده طائعين له قسراً، ومستجيبين للرسل الَّذين جاؤوا بالحقِّ من عنده قهراً، إلا أن في هذا إلغاءً لإرادتهم، فترك لهم الخيار فاختلفوا تبعاً لاختيارهم، فمنهم من آمن إيماناً صحيحاً، وأخذ الدِّين على وجهه السليم، وفهمه حقَّ فهمه، ومنهم من حكَّم هواه في تأويله، مفسِّراً تعاليمه حسب مصالحه، فنشأ التَّخاصم وقام النزاع بينه وبين أنداده من المتديِّنين.
فلا يكـفي أن يدَّعي قوم أنهم أتباع أحد الأنبياء، ليكونوا قدوة صالحة للناس، بأفكارهم ومعتقداتهم، نظراً لأن بعض الاختلاف في التطبيق العملي للدِّين، يباعدُ بينهم وبين أقرانهم مباعدةً عظيمة، تصل إلى حدِّ تكفير بعضهم بعضا، أو تشويه الدِّين الَّذي ينتمون إليه، وهذه هي الحالة الَّتي كانت سائدة في شبه جزيرة العرب، إذ كان الحنفاء في مكَّة يرون أنهم على مِلَّة إبراهيم، واليهود في المدينة يرون أنهم على دين موسى عليه السَّلام، والنصارى يرون أنهم على دين عيسى عليه السَّلام، ولكنَّ كلَّ فريق من هؤلاء كان قد ابتعد ابتعاداً كبيراً عن الآخر، ولو اقترب منه لوجد أن أصل الرسالات السماوية واحد، وأن جميع الرسل إخوة، ولكان هذا أدعى للتَّقارب والائتلاف بينهم بدلاً من التَّباغض والتَّناحر. فليست العبرة بانتساب الأفراد إلى أنبيائهم، وإنما العبرة في حقيقة ما يعتقدون، وحقيقة ما يعملون. ولو شاء الله لألَّف بينهم، ولكنَّه أراد أن يدفع الكفر بالإيمان، ليقرَّ في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة، الَّتي جاء بها الرسل جميعاً، وليجزي كُلاً بعمله. لذلك قدَّر الله أن يكون الناس مختلفين في ميولهم، مُوكَلين إلى أنفسهم في اختيار طريقهم، كما قدَّر الصراع بين الهدى والضلال، وأن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار الحقيقة الواضحة المستقيمة، وهي شريعة الله الَّتي انحرف عنها المنحرفون، وكان أمره مفعولاً.
وإذا أراد إنسان هذا العصر أن يتمتَّع ويسعد بما حقَّقه من العلم والتطوُّر، وأن يطمَئِنَّ إلى سلام متين عميق الجذور، فلابُدَّ له من عودة إلى الإيمان السليم بالله تعالى، المكتسب من الشرائع السماوية بعد أن يتوصَّل إلى معرفة جوهرها النقي، الخالي من الشوائب الَّتي تراكمت فوقه نتيجة لما أدخله عليه الفكر الإنساني القاصر، والمصالح الآنيَّة المحدودة عبر التاريخ، ممَّا شوَّه لتلك الشرائع جمالها وأودى بثمارها أدراج الرياح، فحُرمت الأسرة الإنسانية العالمية من الانتفاع بها. فإذا ما أعيدت إلى ما كانت عليه من نقاء وصفاء حصل الانتفاع، وتمكَّنت البشرية من جَنْيِ ثمار الإيمان، الَّتي لا تنحصر في منحها السَّلام فحسب، بل تتعدَّاه إلى الإخاء والحب والتَّراحم العالمي، وهذا أسمى ما يمكن أن يصبو إليه إنسان اليوم. وما نبذله من جهد متواضع في هذا المجال، إنما هو لإعطاء القارئ الكريم فكرة موجزة عن الجوانب الَّتي أشار إليها القرآن الكريم في هذا الموضوع، حيث نورد مقتطفات عن سِيَرِ هؤلاء الرسل والأنبياء ودعواتهم، علَّنا نبيِّن نقاط الالتقاء الكثيرة بينهم جميعاً، بما لا يدع مجالاً للشكِّ في أنهم قاموا تباعاً بإشادة بناء الإيمان الواحد، والَّذي ينبغي على البشرية أن تتعهَّده بالحفظ والرعاية.
وممَّا يُستحسن الآن قبل التعرُّف بحلقات سلسلة الأنبياء، التفريق بين النبي والرسول والنبوَّة والرسالة.
فالرسول: هو كلُّ من بعثه الله بشريعة مجدِّدة يدعو الناس إليها كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد عليهم الصلاة والسَّلام. أمَّا النبي: فهو من بعثه الله لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الَّذين كانوا بين موسى وعيسىكزكريَّا ويحيى عليهم السَّلام.
والنبوَّة مأخوذة من النبأ بمعنى الخبر ذي الشأن العظيم، ومعناها: وصول خبر من الله بطريق الوحي إلى من اختاره من عباده لتلقِّي ذلك. أمَّا الرسالة فهي خبر من الله ولكنَّه موثَّق بموجب كتب سماوية، كالتَّوراة والإنجيل والقرآن.
وعلى هذا يكون الرسول من الأنبياء من جَمَعَ إلى النبوَّة الكتاب المُنزل عليه. أمَّا النبي الَّذي ليس برسول، فهو من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أُمر أن يدعو الناس إلى شريعةِ مَنْ قَبْلَهُ.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه أسماء خمسة وعشرين نبياً يجب على المسلم الإيمان بنبوَّتهم؛ وهم: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيُّوب، ذو الكفل، موسى، هارون، سليمان، داود، الياس، اليسع، يونس، زكريَّا، يحيى، عيسى، ومحمَّد عليهم الصلاة والسَّلام أجمعين. وهناك أنبياء آخرون لم يتعرَّض القرآن لذكرهم تفصيلاً، ولم يقصَّ علينا شيئاً من أخبارهم، فعلى المسلم أن يؤمن بهم أيضاً؛ أي أن يوقن بأن الله عزَّ وجل أرسل رسلاً وأنبياء كثيرين إلى كلِّ أمَّة وجماعة، وفي مختلف الأمكنة والعصور، قال تعالى: {ورُسُلاً قد قصصناهُم عليك من قَبْلُ ورُسُلاً لم نقصصُهُم عليك وكَلَّمَ الله موسى تَكلِيما} (4 النساء آية 164) ومن هذا يتَّضح أن النبوَّة الَّتي كرَّم الله بها الأنبياء، حقيقة واحدة لا تتفاوت ولا تختلف ما بين نبي وآخر، فلا يجوز التفريق بين نبوَّة نبي وآخر من هذه الناحية.
وسنورد فيما يلي بعضاً ممَّا جاء في القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل الكرام، علَّنا بذلك نتوصَّل مع القارئ الكريم، إلى النظرة القرآنية الشاملة الجامعة، لسائر الرسالات السماوية، ونبدأ أوَّلاً بنوح عليه السَّلام.


 

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:48 PM   #3


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



ـ نوح عليه السَّلام



قال الله تعالى: {ولقد أرسَـــلنا نُوحاً إلى قومه فقال ياقومِ اعبدوا الله ما لَكم مِن إلهٍ غيرُهُ أفلا تتَّقون(23) فقال المَلَؤ الَّذين كفروا من قومه ما هذا إلاَّ بشرٌ مِثلُكُم يريدُ أن يتفضَّلَ عليكم ولو شاءَ الله لأنزلَ ملائِكةً ما سمعنا بهذا في آبائِنَا الأوَّلين(24) إنْ هوَ إلاَّ رجلٌ به جِنَّةٌ فتربَّصوا به حتَّى حين(25) قال ربِّ انصرني بما كذَّبون(26) فأوحينا إليه أنِ اصنعِ الفُلْكَ بأعيُنِنَا ووحْينَا فإذا جاء أمرنا وفَارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فيها من كلٍّ زوجين اثنين وأهلَكَ إلاَّ من سبقَ عليه القولُ منهم ولا تخاطبني في الَّذين ظَلَموا إنَّهم مُغرَقُون(27) فإذا استَوَيْتَ أنتَ ومنْ مَعَك على الفُلْكِ فقل الحمدُ لله الَّذي نجَّانا من القومِ الظَّالمين(28) وقل ربِّ أنزلني مُنْزَلاً مُبارَكاً وأنتَ خيرُ المُنزِلين(29)}
سورة القمر(54)
وقال أيضاً: {كَذَّبت قَبلَهُم قومُ نوحٍ فكذَّبوا عبدَنَا وقالوا مجنونٌ وازْدُجِر(9) فَدَعَا ربَّهُ أنِّي مَغلوبٌ فانتَصِر(10) ففتحنا أبواب السَّماء بماء مُنهمِر(11) وفجَّرنا الأَرضَ عُيُوناً فالتقى الماءُ على أمرٍ قد قُدِر(12) وحملناهُ على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ(13) تجري بأعيننا جزاءً لِمَنْ كان كُفِر(14) ولقد تَركناها آيةً فهل من مُدَّكر(15)}
ومضات:
ـ دأْبُ الأنبياء (عليهم الصلاة والسَّلام) الدعوة إلى الله، والصبر في طريق الحقِّ. وشأن الظالمين الإعراض والتكذيب، وسنَّة الله في الفريقين لا تتبدَّل، فلا يذلُّ من والاه، ولا يعزُّ من عاداه.
ـ معـاداة نـوح عليه السَّلام، وإلصاق الصفات المغلوطـة فيه، من قبل زعماء قومه وأصحاب المصالح والنفوذ، أمر يتكرر مع جميع الأنبياء والمصلحين، وإلى قيام الساعة.
ـ إرادة الله باقية في نصر المؤمنين، وإن اختلفت أساليب النصر بين نبي وآخر.
في رحاب الآيات:
ما أرسل الله تعالى من نبي أو رسول إلا ليصلح من أمر قومه، فيزيل الخرافات من العقول، وينشر العلم والفضيلة، ويربط قلوب الخلائق بخالقها، فيعمُّ التَّآلف والتَّراحم والتَّعاون فيما بينها؛ على الرغم من الصراع المستمر بين الخير والشرِّ، والقائمِ بين المصلحين وأهل الفساد والإفساد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهكذا تتكرَّر الصورة مع كلِّ نبي، ويختلف العقاب الإلهي من قوم لآخرين. والقرآن الكريم، غني بِسِيَرِ الأنبياء والرسل، الَّذين قاموا بمهمَّة الدعوة إلى الله، وقد تكرَّرت فيه الآيات الَّتي تنقل لنا صوراً من حياتهم، وتحمل في طيَّاتها دروساً عظيمةً وعبراً بالغة في التربية والتوجيه.
وإن رسول الله نوحاً عليه السَّلام هو أحد الأنبياء الَّذين جاء ذكرهم في القرآن، وقد وردت قصَّته مع قومه في أكثر من موضع، لتهزَّ المشاعر روعة ورهبة، وتعطي المؤمنين أملاً في إغاثة الله لعباده الصالحين، بقلع جذور الكفر والشرك، لتكون السِّيادة للإيمان وحده، فيوفِّر للناس الحياة الفاضلة، ويكون سبباً في رقيِّهم الروحي وتفوُّقهم المادِّي.
فإذا ما تتبَّعنا الآيات الكريمة المتعلِّقة بحياة نوح عليه السَّلام، وطالعنا أحداثها بعقل واعٍ وقلب متفتِّح؛ فإننا نجد فيها الكثير من الإرشادات والتوجيهات، ونستطيع أن نستخلص العديد من الدُّروس والعِبَر والحِكم. ففيها عزاء وتثبيت للمؤمنين عامَّة، ودعوة للتأسِّي به في ميدان الصبر والتحمُّل، وليُعْلَمَ أن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه. فالقصَّة تبدأ بحوار عقلاني بين نوح وقومه، فهو يدعوهم إلى عبادة الإله الواحد الَّذي لا شريك له، ويلقي على مسامعهم كلمة الحقِّ الَّتي لا تتبدَّل، والَّتي يقوم عليها الوجود، ويشهد لها كلُّ موجود؛ فيخاطبهم بلهجة التحبُّب والنصح قائلاً: ياقوم اعبدوا الله وحده وأطيعوه، ولا تشركوا معه إلهاً آخر، فلا ربَّ لكم غيره، ولا معبود يستحقُّ العبادة سواه. ثمَّ ينتقل في أسلوب وَعْظِهِ، من لغة النصح والترغيب، إلى لغة التنبيه والتحذير، فيقول لهم: {أفلا تتَّقون}، أي ألا تخافون عاقبة الإنكار للحقيقة البيِّنة الَّتي تقوم عليها كلُّ الحقائق؟.
فيأتي الردُّ من هؤلاء القوم الجفاة، بعد أن أقيمت عليهم حجَّة نبيِّهم: {ما هذا إلاَّ بَشرٌ مِثلكم يريدُ أن يَتفضَّلَ عليكم}، ومن هذه الزاوية الضيقة نظروا إلى تلك الدعوة الكبرى، فما كانوا ليدركوا طبيعتها، ولا لِيَرَوْا حقيقتها، وحُجبوا بذواتهم الصغيرة الضئيلة عن جوهرها، فإذا القضيَّة في نظرهم قضية رجل منهم، لا يختلف عنهم في شيء، يريد أن يتَّخذ لنفسه موقع الريادة، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم ويترأسهم! فقادهم ذلك الموقف إلى مغالطة كبيرة مع أنفسهم، فقد سوَّغوا لها أن تثبت الألوهيَّة لحجر، وأنكروا عليها الإيمان بنبوَّة بشر! ولم يقفوا عند هذا الحدِّ في عدائهم للحقيقة، واستنادهم إلى المغالطة والأوهام الباطلة، بل تمادَوْا في ذلك بإغلاقهم السَّمْع والبصر والفؤاد، دون دعوة الحقِّ الَّتي جاءتهم من عند الله، وحملها لهم رسول من أشرف خلق الله. وقد ذكر تعالى شكاية نوح حيث قال: {وإنِّي كُلَّما دعوتُهُم لِتَغفرَ لهم جعلوا أصابعَهُم في آذانِهِم واستَغشَوا ثيابَهَم وأصرُّوا واستكبروا استكبارا} (71 نوح آية 7)، لقد أوغلوا بهذا الموقف المتعنِّت والقصور المفرط؛ في البعد عن إدراك النفحة العلويَّة الَّتي تصل البشر بالملأ الأعلى، وتجعل الأخيار منهم يتلقَّوْن ذلك الفيض الإلهي، ويحملونه إلى إخوانهم فيهدونهم إلى مصدره الوضيء. إنهم بدل الأَوبَةِ إلى الحقِّ، انغمسوا في الباطل فقالوا: {وَلَو شَاءَ الله لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الأوَّلين} ومثل هذا التفكير والحكم في كلِّ زمان ومكان إنما يصدر عندما يهيمن التقليد الأعمى فيطمس نور العقل، ويُكبِّل حريَّة المعتقَد؛ فلم يتدبَّر أتباع التقليد ما بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها، بل راحوا يبحثون في ركام الماضي عن سابقة يستندون إليها، فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها جانباً؛ واستمرُّوا في تكذيبهم وسخريتهم. وهكذا كان شأن نوح مع قومه الَّذين بلغ بهم الطغيان ذروته عندما قالوا: ما نوح إلا رجل أصابه مسٌّ في عقله، فمزاعمه لا تصدر إلا ممَّن لا يفقه ما يقول، فيُسَفِّه دين آبائه، فحريٌّ أن لا يُلتَفَتَ إليه ولا إلى ما يدَّعيه، ولا طائل من مجادلته. فانتظِروا، علَّه يضيق ذرعاً بما هو فيه، فيتراجع عن دعوته، ويدعكم وما تعبدون من الآلهة الَّتي تؤمنون بها، وما هذا إلا مكابرة وفرط عناد منهم، لأنهم يعلمون أن نوحاً أرجحهم عقلاً، وأوزنهم قولاً.
ونتيجة لإصرارهم لم يجد نوح عليه السَّلام منفذاً إلى قلوبهم الجامدة المتحجِّرة، ولا موئلاً من السُّخرية والأذى إلا أن يتوجَّه إلى ربِّه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب، ويطلب منه النصر والتَّأييد. فالبشريَّة في عهده قد بدأت تهمُّ بالتحرُّك نحو الأمام في طريق الكمال المرسوم، فإذا كان الجمود يحيط بالأحياء من حوله على هذا النحو المتخلِّف، فإنهم سيشكِّلون عقبة في ذلك الطريق... وعندها لابد من أحد أمرين: إمَّا أن تتحطَّم هذه المتحجِّرات، وإمَّا أن تتجاوزها مسيرة الحياة، وتدعها في مكانها وتمضي. والأمر الأوَّل هو الَّذي حدث لقوم نوح، فشاءت إرادة الله أن تُنزل بهم الجزاء العادل وهو الطوفان؛ فأوحى الله لنوح عليه السَّلام أن يصنع الفُلْكَ (السفينة) بيده، لأنه لابُدَّ للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل ليصل إلى النتائج، وبَذْلِ أقصى ما في وسعه ليستحقَّ المدد من ربِّه، فالمدد لا يأتي للقاعدين المستريحين المتقاعسين، الَّذين ينتظرون ولا يزيدون شيئاً على الانتظار.
أمَّا كلمة (بأعيننا) فتعني بحفظنا ورعايتنا، فنحفظك من أن تخطئ في صنعتك، أو أن يفسد عليك مُفْسِد؛ فإذا جاء أمرنا بإنزال العذاب، ورأيت علامته وهي فوران الماء في التنُّور (المكان الَّذي يُخبز فيه الخبز)، فأدْخِل في السفينة من كلِّ صنف من الحيوان زوجين (ذكر وأنثى) حفظاً للنوع. واحمل عليها أهلك إلا من سبق عليه القول بالهلاك (وهم الَّذين لم يؤمنوا به كابنه وزوجته)، ولا تسألني الشفاعة بالظالمين عند تحقُّق هلاكهم، فقد قضيت أنهم مغرقون وهالكون لا محالة، وإن كانوا من أقرب الأقربين، فسنَّة الله لا تحابي أحداً، ولا تحيد عن طريقها المستقيم المرسوم، من أجل مكانة وَلِيٍّ أو مقرَّب، فكلُّ نفسٍ تنال جزاء ما قدَّمت، قال تعالى: {وإن كَادُوا لَيَستفِزُّونَك منَ الأَرضِ ليُخرجوكَ منها وإذاً لا يَلْبَثُون خِلافَكَ إلاَّ قليلاً * سُنَّةَ من قد أرسلنا قبْلَك من رُسُلنا ولا تجدُ لسُنَتِنا تحويلاً} (17 الإسراء آية 76ـ77).
ثمَّ يعلِّم الله نبيَّه دوام ذكره، وشكر نعمه فيقول له: إذا صَعِدْتَ السفينة أنت ومن معك من المؤمنين، فاحمدوا الله الَّذي نجَّاكم من الظَّالمين، وباعد بينكم وبينهم، وجعل لكم الخلافة في الأرض من بعدهم. فامتثل نوح عليه السَّلام لأمر ربِّه حُبّاً وعرفاناً، وردَّد ما أوحى إليه من ثناء فقال: {الحمدُ لله الَّذي نجَّانا من القومِ الظَّالمين}. فلما أوشكت السفينة أن تستوي قريباً من الجبل، دعا ربَّه قائلاً: ربِّ أنزلني مُنْزَلاً مباركاً، يحفظني ومن معي، من كلِّ سوء وشرٍّ، فأنت خير المنزلين لأوليائك، وخير الحافظين لعبادك. فعلى هذه الصورة يكون الحمد والشكر، وهكذا يوصف سبحانه بصفاته، ويُعْتَرَفُ له بآياته، وهكذا يتأدَّب العباد مع حضرته وفي طليعتهم النبيُّون، ليكونوا أسوة للآخرين في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم. وفي تفسير هذه الآيات قال قتادة: علَّمكم الله أن تقولوا حين ركوب السفينة: {..باسْمِ الله مَجراها ومُرسَاها..} (11 هود آية 41) وحين ركوب الدابَّة: {..سبحانَ الَّذي سخَّرَ لنا هذا وما كُنَّا له مُقْرِنِيْن} (43 الزخرف آية 13) وحيـن النزول: {وقلْ ربِّ أَنْزِلني مُنْزَلاً مُباركاً وأنتَ خيرُ المُنزِلين} (23 المؤمنون آية 29).
فهذه مقتطفات من قصة حياة نبي الله نوح... وهي قصة حُفظت في ذاكرة التاريخ، ونُقلت لسائر البشريَّة وعلى مرِّ العصور، وحظيت باهتمام الكثيرين من الأدباء وعلماء الآثار ووسائل الإعلام. كما تركت انطباعاتها في الأجيال قديماً وحديثاً، إلا أن خير انطباع لها، وأعظم أثر ينبغي أن تخلِّفه وتطبعه فينا، إنَّما هو الإيمان بقدرة الله تعالى على كلِّ شيء، وأنه بالمرصاد لكلِّ ظالم معاند، فإذا ما أمهل قوماً فلا يعني أنه أهملهم، بل لكلِّ أمَّة أجل ولكلِّ أجل كتاب، والوعد منه بنصرة المؤمنين قائم ومتحقِّق ولا يُخلِف الله الميعاد.



 

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:51 PM   #4


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



ـ إبراهيم عليه السَّلام



قال الله تعالى: {وكذلك نُري إبراهيمَ مَلكُوتَ السَّمواتِ والأَرضِ وَلِيكونَ من المُوقنين(75) فلمَّا جَنَّ عليه اللَّيلُ رأى كوكباً قال هذا ربِّي فلمَّا أَفَلَ قال لا أُحبُّ الآفِلِين(76) فلمَّا رأى القمرَ بازِغاً قال هذا ربِّي فلمَّا أَفَلَ قال لَئِن لَمْ يَهدِنِي ربِّي لأَكوننَّ من القومِ الضَّالِّين(77) فلمَّا رأى الشَّمس بازِغةً قال هذا ربِّي هذا أكبرُ فلمَّا أَفَلَت قال ياقومِ إنِّي بريءٌ مِمَّا تُشركون(78) إنِّي وجَّهت وجهيَ للَّذي فطَرَ السَّمواتِ والأَرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين(79)}
ومضات:
ـ في أعماق الإنسان نوازع فطريَّة تجعله يحنُّ إلى خالقه، ويبحث عن موجده، ولا يهدأ روعه ولا يسكن فؤاده حتَّى تتلقَّح روحه بطائف نوراني إلهي يركن إليه، ويعطيه المعرفة والثقة والأمان بالله الفرد الصمد.
ـ كان كثير من الناس ـ وخاصَّة في عهد إبراهيم عليه السَّلام ـ يتوهَّمون أن مطلق السيطرة والغلبة، لمخلوقات عظيمة لها فاعليَّتها في الكون، كالشمس والقمر والكواكب، تكفي ليتَّخذوا منها آلهة، بينما اتَّخذ الآخرون من الأصنام آلهة لهم لتقرِّبهم إلى ربِّهم، مغلقين بذلك عقولهم، ومُصِمِّين أسماعهم عن دعوات الرسل، الَّتي جاءت لتعرِّفهم بالإله الحقيقي المتصرِّف في هذا الكون.
ـ حلَّق إبراهيم عليه السَّلام جهد تفكيره في الكون المادي {ملكوت السموات والأرض}، وأوصله إخلاصه وتحرَّقه القلبي إلى الَّذي {فطر السموات والأرض}.
ـ خاف إبراهيم عليه السَّلام على نفسه أن يعيش بين القوم الضَّالِّين المشركين العابدين للأوثان {وما أنا من الـمُشركين}.
ـ أفول الكواكب أمر عادي يشاهده إبراهيم عليه السَّلام كلَّ يوم.. ولكن حين نظر إليها كقوَّة مدهشة يمكن تعبُّدها..، شعر بنقصانها وعدم اكتمالها؛ وهذا هو المعنى الحقيقي للأُفول.

في رحاب الآيات:
تستقر في أعماق كلٍّ منَّا فطرة التوحيد الَّتي فطرنا الله عليها منذ اللحظة الأولى الَّتي أَوْجَدَنا فيها. ومع بداية تفتُّح المدارك لدى الإنسان، تشرع كلٌّ من الروح والنفس بالدوران حول نواة الإيمان، وكلَّما اقتربتا من جوهره حصل الاستقرار والسَّكِينة والطُّمأنينة، وكلَّما ابتعدتا عنه حصل الاضطراب والحَيْرة والشَّتات. ولقد أكَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجود هذه الفطرة في الناس عامَّة فقال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة» (رواه الستة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ).
وهذه الفطرة، هي الَّتي تجذب الإنسان نحو خالقه الَّذي خلقه وخلق الأكوان وما فيها، وهي الَّتي تدفعه إلى الإيمان به، وإلى اليقين بأن حياته في هذا الكون، ما هي إلا مقدِّمة لحياة أبديَّة خالدة في عالم آخر، تُردُّ فيه المخلوقات إلى ربِّها؛ فتجد عنده ما ضاع منها في حياتها الأولى. ومثل هذه الحقيقة يتمكَّن من إدراكها والإيمان بها كلُّ من أوتي فكراً سليماً، ونظراً صائباً. فهي كامنة في أصل الفطرة الَّتي فطر الله الإنسان عليها، ليعرفه ويجتهد في البحث عنه والوصول إليه، ولينعم بالسَّعادة الَّتي لا يجدها إلا في التَّعاليم الإلهيَّة الملائمة للفطرة، وعلى رأس هذه التعاليم توحيد الله وإفراده بالعبوديَّة والتمجيد. فالتوحيد أسمى غايات المعرفة؛ على أساسه تقوم التكاليف، وحول محوره تدور رحى الرسالات السماوية، ومنه انطلق الأنبياء في دعوتهم للبشرية، وفي مقدِّمتهم إبراهيم عليه السَّلام الَّذي وردت قصته في القرآن الكريم بإسهاب وتفصيل، شمل جوانب عديدة من حياته، فكان نموذجاً مثاليّاً للبشريَّة؛ في إيمانه بالله وتوحيده له، ذلك الإيمان الَّذي ارتقى به إلى أعلى المقامات والرُّتب، حتَّى صار (خليل الله) فكُشف له عن ملكوت السموات والأرض، فرآهما عياناً، فازداد بالله يقيناً، ولقدرته وعظمته إكباراً {..وكذلك نُري إبراهيمَ مَلكوتَ السَّمواتِ والأَرضِ وَلِيكون من المُوقِنين}.
والآيات الكريمة الَّتي نتناولها في بحثنا هذا، تعطينا صورة من بدايات حياة إبراهيم عليه السَّلام الَّتي كانت تأمُّلاً عميقاً للحياة والأحياء من حوله، ورؤية ثاقبة لما كان القوم عليه من حال تستدعي الدَّهشة والعجب؛ إنهم يعبدون آلهة شتَّى؛ اعتقدوا فيها القوَّة والسيطرة، وزعموا بأنها قادرة على جلب النفع لهم، ودفع الضرِّ عنهم، والأعجب من هذا، أن بعضاً منها صُنع بأيديهم، فكيف ارتضوها آلهة وعبدوها؟!.
وكثيراً ما كان هذا الواقع يدفع إبراهيم للخلوة بنفسه مراراً، فتمرُّ عليه لحظات هي من أثمن اللحظات وأصدقها؛ لما في الخلوة من رؤية حقيقيَّة للذَّات، بعيداً عن رقابة الآخرين، الَّتي قد تدفع بعض الناس إلى المراءاة والمخادعة أو المداراة، وقد تمرُّ هذه اللحظات في عمر الإنسان مرَّة فتُقَدَّرُ قيمتها بالعمر كلِّه، وقد لا تحدث أبداً فتكون الخسارة الكبرى. ونتيجة لخلوة إبراهيم عليه السَّلام، فقد كانت فطرته تثور عليه، وتدفعه إلى البحث والتأمُّل في ملكوت السموات والأرض، ليهتدي إلى الإيمان بالإله الحقِّ، الجدير بالألوهيَّة، والمستحقِّ للعبوديَّة. فعندما تفكَّر فيما يعبد قومه من آلهة حجريَّة صنعوها بأيديهم، أنكرها ورفضها، ولما تأمَّل آلهتهم الأخرى، وهي الكواكب تريَّث عندها قليلاً، وقلَّب ناظريه في السماء، وأجال الطَّرْف في أرجائها، فإذا الليل قد أقبل ليكتسح النهار، وإذا بالظلام يلفُّ الضِّياء ويطرده، إنه ليل من نوع فريد، ليل يخُصُّ إبراهيم وحده، ويستره عن عيون الخلائق. وفي جوف الليل يحلو التأمُّل، وتحلو الخلوة مع النفس، ويشعر الإنسان بعذوبة النَّجوى، حيث لا تَسمع نَأْمَةً ولا حركة سوى دقَّات قلبٍ تبحث عمَّن نفخ فيه الحياة. فلما رأى إبراهيم في تلك الليلة كوكباً منيراً يُطِلُّ من عليائه، قال هذا ربِّي، ثمَّ أخذ يتابع الكوكب حتَّى غـاب وزالت معالمه، عندها تساءل كيف أعبد كوكباً يطلع ويغيب، ويظهر ثمَّ يختفي؟ ومن سيرعى أمرنا، ويدبِّر شؤوننا إن هو غاب؟! ولما بدا له القمر مشرقاً متلألئاً، وكأنَّه يرمق الكون بنظراته الصَّافية، فيُضفي عليه جمالاً أخَّاذاً فقال: هذا ربِّي، فلما سحب القمر خيوطه الفضيَّة ومضى وغاب، كما غاب الكوكب قبله، قال: ما هذا بإله! ولئن لم يهدني ربِّي، ويوفِّقني إلى إصابة الحقِّ في توحيده، لأكوننَّ من الضالِّين الضَّائعين في عبادتي لغيره.
ومع بُزوغ فجر اليوم التالي، حيث أخذت الشمس تتوقَّد وترسل أشِعَّتها الذهبيَّة على الكائنات، وقع بصر إبراهيم عليها ونظر متأمِّلاً؛ إنها من أعظم النجوم المرئيَّة، وأكثرها نفعاً للمخلوقات، وأشدِّها نوراً وإشراقاً فقال: هذا ربِّي، ولكن الشمس سُرعان ما توارت وراء الأفق، وغابت كما غاب غيرها... عندها شعر ببراءته من عبوديَّة هذه الأجرام، فالطبيعة بكلِّ أجزائها مخلوقة مسلوبة الإرادة، عاجزة عن التعبير، لا يمكنها التفلُّت من الوظائف الَّتي أناطها خالقها بها، أو تغيير وظائف مَنْ حولها، ولا تملك القدرة على الخلق والإيجاد..، لذا أعلن إبراهيم عليه السَّلام هذه البراءة من عبادة القوى والظواهر الَّتي تحيط به، واتجه إلى عبادة الله البارئ المصوِّر لكلِّ هذا الوجود وما فيه من موجودات، وذهب يعرِّف قومه بالإله الحقيقي الَّذي لا يغيب ولا يغفَل ولا ينام، وأخذ لسانه يعبِّر عن مكنونات أحاسيسه الفطريَّة، فقال لهم: إني بريء ممَّا تعبدون، ثمَّ توجَّه إلى الله بكلِّ كيانه ومشاعره مخلصاً له الحبَّ، ومعترفاً له بالربوبيَّة، ومتبرِّئاً من الشرك والوثنية فقال: {إنِّي وَجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطَرَ السَّمواتِ والأَرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين} إنه النَّهْج الَّذي سار عليه جميع الأنبياء، والعهد الَّذي وثَّقوه، والوعد الَّذي وفـَّوا به، لتكتمل بذلك قصَّة الإيمان.
فينبغي على المؤمن في كلِّ زمان ومكان أن يقرأ قصَّة الإيمان هذه مستخلصاً عِبَرَها ليدحض بها مزاعم الملحدين وافتراءات المكذِّبين، لأنه يتبيَّن من خلالها أن العقل السليم لا ينافي الفطرة السليمة بل يوافقها ويؤازرها؛ لأن مؤدَّاها الإذعان الفطري، بالألوهيَّة، لخالق الكون، وهذا الإذعان مستقرٌّ في دخيلة كلِّ نفس بريئة من شوائب العقائد الضالَّة، الَّتي قد يتأثَّر بها مَن يعيش في مجتمع ضال.
سورة البقرة(2)
قال الله تعالى: {وإذ قال إبراهيمُ ربِّ أَرِنِي كيف تُحْيي الموتى قال أَوَ لَم تُؤمِن قال بلى ولكن لِيَطمَئِنَّ قلبي قال فَخُذ أربَعَةً منَ الطَّيرِ فَصُرهُنَّ إليكَ ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهُنَّ جُزءاً ثمَّ ادعُهُنَّ يَأتِينَكَ سَعياً واعلَم أنَّ الله عَزيزٌ حَكِيمٌ(260)}.
ومضات:
ـ تكوَّن لدى إبراهيم الخليل عليه السَّلام شعورٌ مُلِحٌّ غزا قلبه وفكره في بداية معرفته لله وإيمانه به، فكان يتطلَّع بشغف إلى أن يرى بعينه صورةً من صور القدرة الإلهية.
ـ لم يكن سؤال إبراهيم عليه السَّلام ناشئاً عن شكٍّ أو ريب في قدرة الله على الإحياء، بل كان الدَّافع الَّذي حمله على ذلك، هو رغبته في مشاهدة صورة من صور الإعجاز الإلهي ليصل إلى كمال اليقين. فأجابه الله لطلبه، وأراه عياناً ما سأل، فسكن فؤاده بعد هذه الرؤية وازداد بالله يقيناً واطمئناناً.
في رحاب الآيات:
تتحدَّث هذه الآيات عن إبراهيم، الإنسان المفكِّر، ذي العقل الناضج، الَّذي تأمَّل ظواهر الكون، بُغْيَةَ الوصول إلى معرفة خالقه، وأدرك بقوَّة بصيرته، استحالة نسبة الألوهيَّة لكوكب ما أو شمس أو قمر، فما هذه المخلوقات إلا دلائل على وجود الخالق وعظمته.
ولمَّا أُكْرِمَ هذا الإنسان بالنبوَّة، بقي عقله في حالة توقُّد فكري، فكان يسعى لشهود واقعة إعجازيَّة تروي ظمأه، وتجيب عن تساؤلات كثيرة كانت تدور في خَلَدِه، فكان بينه وبين الله عزَّ وجل ذلك الحوار العذب، الَّذي بدأه إبراهيم عليه السَّلام أوَّلاً بالتقرُّب والتحبُّب إلى مولاه بقوله: {ربِّ} فاختار هذه الكلمة وناجى بها ربَّه، لأنها تعبِّر عن صدق الشعور بالولاء المطلق لله وإنعامه التَّام على مخلوقاته. ثمَّ رفع إليه حاجته بقوله: {أَرِنِي كيف تُحيي الموتى}، فهو يتوق إلى مشاهدة كيفيَّة الإحياء، ليتوِّج بها إيمانه الجازم بالقدرة الربانيَّة، ويريد أن يدرك بالعيان ما أدركه بالجَنان. ولذلك سأله المولى ـ عزَّ وجل ـ وهو أعلم بحاله:{أَوَ لم تؤمن؟} أي ألست تصدِّق بقدرتي على الإحياء؟ فيجيب إبراهيم بكلِّ ما أوتي من اليقين، أَنْ بلى قد صدَّقت، ولكن قلبي الَّذي تتنازعه نيران الشوق إلى معرفة المزيد والمزيد عن قدرتك، يتوق لشهود صنعتك، لِتَنْصَبَّ فيه برودة اليقين والتسليم، فيهدأ ويستكين حيث يبلغ الإيمان ذروته.
وفي جواب الله تعالى لإبراهيم عليه السَّلام {أَوَ لم تؤمن؟} تنبيهٌ إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، ولا يتعدَّاه إلى ما ليس من شأنه، بالإضافة إلى أن الإيمان الحقيقي هو الإيمان بالغيبيات الَّتي لا سبيل للعقل إلى إدراكها بوسائله الحسيَّة، ولهذا فإن الإيمان بقدرة الله على إحياء الموتى، شأنه شأن الإيمان بسائر الغيبيات،?وهو غاية ما يُطلب من البشر، كلٌ في حدود زمانه، إلا أن هذا لا يعني إغلاق باب العقل والتفكير. وبما أن إبراهيم عليه السَّلام هو خليل الله وصفيُّه، فها هو سبحانه يجيبه إلى طلبه، ويأمره بأن يأخذ أربعة طيور يضمُّهنَّ إليه ثمَّ يقطِّعهُنَّ ويخلط بعضهنَّ ببعض ليصبحن مجموعة واحدة، ثمَّ يفرِّق أجزاءهن على رؤوس الجبال، فينفِّذ الخليل أمر الله، ثمَّ يناديهن فيأتين إليه فوراً. وهكذا رأى إبراهيم عليه السَّلام السرَّ الإلهي يتحقَّق بين يديه، وتحت سمعه وبصره؛ فكان درساً بليغاً مؤثِّراً في إبراهيم وفي كلِّ مَنْ بَلَّغَ بعْدَه، أثمر اليقين بتفرُّدِ الله المطلق في إحياء الموتى، وأنه سبحانه على كلِّ شيء قدير.
وفي حلقة أخرى من حلقات حياة إبراهيم عليه السَّلام، يقصُّ الله علينا صورة من صور الصراع الَّذي فرضه عليه قومه، ممَّا أدَّى إلى هجرته في سبيل الله، تاركاً موطنه بعد أن يئس من إيمانهم، كما أنه يعرض قصَّة الأمر بذبح ولده إسماعيل، الَّتي نستشفُّ منها مدى صدقه وتصديقه؛ فيقول تعالى: {وقال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي سَيَهدين * ربِّ هَبْ لي من الصَّالحين * فبشَّرناه بغلامٍ حليم * فلمَّا بَلَغَ معهُ السَّعيَ قال يابُنَيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبحُكَ فانْظرْ ماذا ترى قال ياأبتِ افْعل ما تُؤْمر ستجدني إن شاءَ الله من الصَّابرين * فلمَّا أَسْلَما وتَلَّه للجبين * وناديناه أَنْ ياإبراهيمُ * قد صدَّقتَ الرؤيا إنَّا كذلك نَجزي المحسنين * إنَّ هذا لَهُوَ البلاءُ المبين * وفديناه بذِبحٍ عظيم * وتركنا عليه في الآخِرِين * سلامٌ على إبراهيم * كذلك نَجزي المحسنين * إنَّه من عبادنا المؤمنين} (37‍ الصافات آية 99ـ111).
ومضات:
ـ بعد صراع إبراهيم عليه السَّلام المرير مع قومه من أجل هدايتهم إلى عقيدة التوحيد، وبعد أن يئس من إيمانهم، قرَّر الهجرة من ديار الجهل والظلم إلى ديار الحريَّة والأمن.
ـ رغب إبراهيم عليه السَّلام في أن تظلَّ بركة النبوَّة سارية في ذريَّته، فدعا الله عزَّ وجل أن يرزقه غلاماً صالحاً يتابع مسيرة الإيمان والدعوة من بعده، فاستجاب تعالى له، وحقَّق له مراده؛ ووهبه على الكِبَرِ إسماعيل.
ـ لمَّا كبر الغلام وقوي ساعده ليشُدَّ أزر والده في عمل البناء والدعوة، والسعي إلى ترسيخ عقيدة التوحيد، تراءى له أن يذبح ولده إسماعيل ويقدِّمه قرباناً لربِّ العالمين؛ وامتثل كلاهما للأمر، بتسليم كامل، ورغبة صادقة؛ عندها نالا عليهما السَّلام الشهادة الإلهيَّة بالصدق، والمسارعة إلى التنفيذ، وعندها فدى الله تعالى إسماعيل بذِبح عظيم ليُذبح بدلاً عنه.
ـ بهذا الإخلاص الرائع استحقَّ إبراهيم عليه السَّلام، الذكرى الخالدة العطرة، في سائر الرسالات السماويَّة، وعلى مرِّ الأجيال والعصور، تقديراً وتكريماً له من ربِّ العالمين، لأن إيمانه كان يعدل إيمان أمَّة مؤمنة قولاً وعملاً، قال تعالى: {إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قَانِتاً لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين * شاكراً لأَنْعُمِهِ اجتباهُ وهداهُ إلى صراطٍ مُستقيم * وآتيناهُ في الدُّنيا حسنةً وإنَّه في الآخرةِ لَمِن الصَّالحين} (16 النحل آية 120ـ122).
في رحاب الآيات:
لقد تعرَّض إبراهيم عليه السَّلام لألوان من الاضطهاد أنزلها به قومه، وبلغ ذلك الاضطهاد ذروته عندما عزموا على إحراقه بالنار: {قالوا ابْنُوا له بُنْيَاناً فَأَلقوهُ في الجحيم} (37 الصافات آية 97) فلما مكروا به، مكر الله بهم وأنقذه من النار الَّتي أضرموها، ففقدت خاصيَّتها في الإحراق بمجرَّد خطاب الله لها: {قُلنا يانارُ كُوني بَرْداً وسلاماً على إبراهيم} (21 الأنبياء آية 69) وبذلك تجلَّت قدرة الله على خرق العوائد، وعظيم رحمته وتأييده لخليله ولكلِّ من والاه، فلم يتخلَّ عنه ولم يجعل للنار عليه أدنى تأثير أو أذى.
ثمَّ قرَّر إبراهيم عليه السَّلام ـ بعد أن لاقى ما لاقى ـ الابتعاد عن قومه الظَّالمين له ولأنفسهم، فهاجر إلى ديار السَّلام والأمن، وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك فيها كلَّ شيء: أباه، قومه، أهله، بيته، ووطنه، ويدع كلَّ عائق وكلَّ شاغل، فيهاجر إلى ربِّه متجرِّداً من كلِّ شيء، مُسلِّماً أمره إليه، وهو موقن أنه سيهديه، ويسدِّد خطاه، ويثبِّتها على الطريق المستقيم. إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن أواصر شتَّى إلى آصرة واحدة، لايزحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن التجرُّد عمَّا سوى الله، والاستسلام لأمره، واليقين بتأييده ونصره.
وكان إبراهيم عليه السَّلام حتَّى هذه اللحظة وحيداً لا عقب له، وهو يترك وراءه الأهل والأصحاب، فاتَّجه إلى ربِّه وسأله أن يهبه غلاماً صالحاً، يستعين به من أجل تبليغ الدعوة، وحمل لواء الرسالة من بعده، فاستجاب الله دعاء عبده الصالح، المهاجر إليه بقلب سليم، وأكرمه بغلام عاقل حليم، فربَّاه أحسن ما يُرَبِّي به نبيٌّ ولده، من حسن الطاعة والأخلاق الفاضلة.
ولنا أن نتصوَّر فرحة إبراهيم عليه السَّلام، الوحيد المهاجر المقطوع عن أهله وقرابته، عندمـا رُزق ـ على الرُّغْم من كِبَرِ سنِّه وشيخوخته ـ بغلام طالما تطلَّع إليه وتمنَّاه، وكان غلاماً متميِّزاً، ويشهد له ربُّه بأنه حليم. ولَكِنْ ما كاد يأنس به ويرى صباه يتفتَّح، ويرافقه في الحياة، ويشاركه في السعي، حتَّى رأى في منامه أنه يذبحه. ويدرك إبراهيم عليه السَّلام أنها إشارة من ربِّه للتضحية، لأنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ وصدق، فماذا كان من أمر هذا الأب؟ إنه لم يتردَّد، ولم يخالجه إلا شعور الطاعة، ولم يخطر له إلا خاطر التسليم لإرادة الله بمجرَّد الإشارة، لا الوحي أو الأمر المباشر، فهذا يكفيه كي يقدِّم لله أنفس ما عنده، ويجد بذلك أنه لم يقدِّم شيئاً، لأن ما قدَّمه إنْ هو إلا مُلْكٌ لله تعالى. ثمَّ يعرض الرؤيا على ولده إسماعيل في كلمات العاقل الحكيم، المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الَّذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدِّي واجبه، فيقول: {يا بنيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبَحُكَ فانظر ماذا ترى} فهو يعرض عليه الرؤيا، ولم يقلْ له بأنه أُمِرَ بذلك ليعلم مدى تقبُّله لمضمون الرؤيا، وليعلم مدى صبره على التنفيذ، وليأخذ الطلب طاعة واستسلاماً، لا قهراً واضطراراً، لينال هو الآخر أجر الطاعة ولذَّتها، ويتذوَّق حلاوة التسليم. إنه يحبُّ لابنه أن يفوز بالخير الَّذي يراه أبقى من الحياة؛ فماذا كان من أمر الغلام الَّذي يُعرض عليه الذبح تصديقاً لرؤيا والده؟؟ إنه امتحان إلهي ليمحِّص إيمان الوالد وولده، الوالد يرى الرؤيا فيسرع لإخبار ابنه بها دون تردُّد، والولد يلبِّي طائعاً آخذاً الرؤيا كأمر إلهي، ويسلِّم للذَّبح ويقول: يا أبتِ امضِ لما أمرك الله به، فستجدني إن شاء الله صابراً. إنه جواب من أوتي الإيمان اليقيني والحلم والصبر والرضا بقضاء الله وقدره، والقدرة على امتثال الأمر، فلمَّا صدق فيما وعد، أثنى الله عليه قائلاً: {واذكر في الكتابِ إسماعيلَ إنَّه كان صادقَ الوعد..} (19 مريم آية 54) وفي قوله: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} نلاحظ أدبه مع الله والاستعانة به على ضعفه، والتبرُّء من حوله وقوَّته والاستمداد من حول الله وقوَّته، وإرجاع الفضل كلِّه لله إن هو أعانه على ما يطلب منه، وصبَّره على ما يُرَاد به.
ويخطو المشهد بنا خطوة أخرى تلي الحوار والكلام، ليصل إلى الفعل والتنفيذ... ومرة أخرى يرتفع نُبْلُ الطاعة، وتعلو قوَّة الإيمان، وطمأنينة الرِّضا فوق كلِّ ما تعارف عليه بنو الإنسان. إن الأب العطوف الرحيم يمضي فيكبُّ ابنه على جبينه استعداداً، وإنَّ الغلام يستسلم فلا يتحرَّك امتناعاً، وقد كاد الأمر أن يصبح حقيقةً وعياناً؛ لقد أسلما، أي استسلما، وانقادا لأمر الله، وفوَّضا إليه الأمر سبحانه، وهذا هو الإسلام والاستسلام في حقيقته، ثقة وطاعة، ورضا وتسليم، وتنفيذ واطمئنان، وكلٌّ منهما ــ الأب والابن ـ لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر، الَّتي لا يمكن أن يصنعها غير الإيمان العظيم. والحكمة من ذلك كلِّه، أن الله اتَّخذ إبراهيم خليلاً، فلما سأل ربَّه الولد ووهبه له، تعلَّقَتْ شُعبة من قلبه بمحبَّة ولده، فأُرِيَ ذبح هذا المحبوب ليظهر صفاء الخُلَّة، فامتثل أمر ربِّه وبذلك قدَّم محبَّة الله على محبَّة ولده. وفي أدقِّ لحظات الامتحان يأتي النداء من قِبَلِ الله تعالى لإبراهيم، أن قد صدَّقتَ الرُّؤيا، وحصل المقصود منها بإضجاعك ولدك للذبح، فقد تحقَّق امتثالك للأمر وطاعتك، و(أن) هنا تحمل العتاب وتوقيف الفعل. ثمَّ قال تعالى: {إنَّا كذلك نَجزي المحسنين} نجزيهم على مسارعتهم إلى الإذعان لمثل هذا الابتلاء، وتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء، وتصبيرهم على الأداء، ونجزيهم كذلك باستحقاق الثواب والعطاء.
ولا يخفى أن الله تعالى لا يريد الذَّبح حقيقة، لأنه سبحانه حرَّم القتل، وتوعَّد عليه بأشدِّ العذاب، فالله لا يأمُرُ بالفحشاء ولا بالمنكر، وإنما أراد سبحانه تطهير قلب إبراهيم خليله، من محبَّة ما سواه، فلما باشر إبراهيم عليه السَّلام ما يُنتج ذلك، وتحقَّقت الغاية من الرؤيا، تدخَّلت العناية الإلهية في اللحظة المناسبة، لتنهي هذا الامتحان الرَّهيب، معلنة نجاح التلميذين النجيبين (الأب والابن) بامتياز منقطع النَّظير؛ فيفتدي الله تعالى إسماعيل بذِبْحٍ عظيم القدر، وإنما عَظُم قدره لأنه فداء لإسماعيل من الذبح. ومضت بذلك سُنَّة النَّحر في عيد الأضحى، إحياءً لذكرى هذا الحادث العظيم، الَّذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطَّاعة، وعظمة التسليم، والَّذي ترجع إليه الأمَّة المسلمة لتعرف منزلة أبيها إبراهيم عليه السَّلام، ولتعرف أن ربَّها لا يريد أن يعذِّبها بالابتلاء، إنما يريدها أن تأتيه طائعة، ملبِّية، فإذا أكَّدت صدق القول بمباشرة أسباب الفعل ومقدِّماته أعفاها من التَّضحيات والآلام، وأكرمها كما أكرم أباها من قبل. وهذا هو الابتلاء والاختبار الشَّاق الَّذي يتميَّز فيه المخلص عن المنافق.
وقد شكر الله لإبراهيم صدقه، فرفع ذكره بين الناس على اختلاف مللهم ومذاهبهم؛ فاليهود يُجِلُّونه، والنصارى يعظِّمونه، والمسلمون يبجِّلونه، وذلك مكافأة على صدقه، واستجابة لدعوته حين قال: {واجعل لي لسانَ صِدْقٍ في الآخِرِين} (26 الشعراء آية 84). ثمَّ ذكر تعالى أنه مَنَّ عليه مِنَّة ثانية فقال: {سلامٌ على إبراهيم} سلامٌ من ربِّه يُسَّجل في كتابه الباقي، ويُرْقَم في حنايا الوجود، لأنه كان من الراسخين في الإيمان مع اليقين والاطمئنان. وقد أتمَّ الله عليه فضله ومنَّته، عندما أكرمه بأعلى المقامات وأشرفها، فمنحه رتبة (خليل الله) الَّتي ورد وصفه بها بقوله تعالى: {ومَنْ أحسنُ ديناً مِمَّن أسلمَ وجههُ لله وهو محسنٌ واتَّبع مِلَّةَ إبراهيم حنيفاً واتَّخذ الله إبراهيمَ خليلاً} (4 النساء آية 125) أي لا أحد أحسن ديناً ممَّن أسلم قلبه لله مخلصاً له الدِّين وحده، فلا يتَّجه بدعاء أو رجاء إلا إليه. وقد عبَّر القرآن عن توجُّه القلب بإسلام الوجه، لأنَّ الوجه مرآة القلب، على صفحته تنعكس طهارة الروح، ونقاوة الضمير، وصفاء السريرة. وهو مع هذا التوجُّه والإخلاص القلبي، عامل للحسنات، تارك للسيِّئات، متَّصف بفضائل الأخلاق، ومتَّبع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام في حنيفيته، بالبعد عن الشِّرك، وعبادة الله وحده. فالآية تربط الشرائع كلَّها بسلسلة محكمة الحلقات، فليس هناك تناقض أو تنافر أو حتَّى تفاضل بين واحدة وأخرى، بدءاً ممَّا جاء على لسان إبراهيم الخليل، وانتهاءً بما نزل على محمَّد عليهما أفضل الصلاة والتسليم، وهذا دليل على وحدة مصدرها وأصولها وجذورها. كما أنها تقرن الإيمان والإحسان باتِّباع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام، لتربط الأنبياء ممَّن جاء بعد إبراهيم؛ بأب روحي واحد هو إبراهيم الخليل، وتزرع أواصر القربى بينهم، ليتعايش أتباعهم على الأرض في جوٍّ من الإخاء والمودَّة، ولهذا دُعي إبراهيم عليه السَّلام ـ أبو الأنبياء ـ فما أُنْزِلَ كتاب من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم، إلا وكان من ذرِّيته وشيعته، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأبوَّة فقال تعالى في حقِّه: {وتلك حُجَّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومهِ نرفعُ درجاتٍ من نشاءُ إنَّ ربَّك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاقَ ويعقوبَ كُلاًّ هَديْنَا ونوحاً هَديْنَا من قَبلُ ومن ذُرِّيَّتِهِ داود وسليمان وأيُّوبَ ويوسف وموسى وهارون وكذلك نَجزي المحسنين * وزكريَّا ويَحيى وعيسى وإلياسَ كلٌّ من الصَّالحين * وإسماعيل واليَسَعَ ويونُس ولوطاً وكُلاًّ فَضَّلنا على العالمين} (6 الأنعام آية 83ـ86). وقد رزق الله تعالى إبراهيم عليه السَّلام بولدين اصطفاهما بالنبوَّة وهما إسماعيل وإسحاق عليهما السَّلام.
أمَّا إسماعيل فهو جدُّ النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم وقد خاطب الله المؤمنين مشيراً إلى النَّسب الإبراهيمي بقوله: {..وما جعلَ عليكم في الدِّين من حرجٍ مِلَّةَ أبيكُم إبراهيمَ هو سَمَّاكم المسلمين من قبل..} (22 الحج آية 78).
وأمَّا إسحاق فرزق بولد اسمه يعقوب، ويلقَّب بإسرائيل، وإليه ينتسب سائر أسباط بني إسرائيل، الَّذين كان من نسلهم كثير من الأنبياء الَّذين خُتِموا بعيسى بن مريم عليه السَّلام الَّذي قال لأتباعه كما جاء في إنجيل يوحنَّا [857] : (أبوكم إبراهيم تهلَّل بأن يرى يومي فرأى وفرح). فمن هذه النصوص جميعاً يتبيَّن أن إبراهيم هو جدُّ اليهود والنصارى والمسلمين، وأن أتباع هذه الشرائع الثلاثة يلتقون في النسب عنده، فهم من أرومة واحدة، ويسعون إلى غاية واحدة، وهي العمل بوصايا الله الَّتي أنزلها عليهم، والَّتي تدعو إلى عبادة الله وحده؛ ليكونوا سعداء في هذه الدنيا وغداً في الدار الآخرة. وكلُّ ما يبدو بينها من اختلاف أو تنافر فليس من أصلها، إنما هو من إساءة الفهم لحقائقها، وكلُّ ما في الأمر أن كلَّ شريعة لاحقة جاءت متوافقة مع الشريعة السابقة ومعيدة لها شبابها وحيويتها، ومضيفة إليها ما يناسب أهل زمانها، مختومة بشريعة الإسلام الَّتي أتت لتتوافق مع كلِّ زمان ومكان، ومحقِّقة للتوازن بين جميع الشرائع في رحاب القرآن الكريم.
وقد سُمِّي إبراهيم خليلاً لأن محبَّة الله تعالى تخلَّلت في كيانه، ولأنه يتمتَّع بصفات عظيمة، ورد ذكرها في القرآن الكريم، ونوجز أهمَّها بما يلي:
أوَّلاً ـ كثرة القنوت، والإيمان المطلق بوحدانيَّة الله عزَّ وجل، فهو يملك قلباً صافياً معافى من محبَّة الأغيار، قال تعالى: {إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قانِتَاً لله حنيفاً ولم يَكُ من المشركين} (16 النحل آية 120) وقال أيضاً: {وإنَّ من شيعَتِه لإبراهيم * إذ جاءَ ربَّه بقلبٍ سليم} (37 الصافات آية 83 ـ84). وقد رأينا فيما مضى أنه لما غزت قلبه محبَّة ولده الَّتي كادت تسيطر على قلبه أدركته العناية الإلهية بالدَّواء، الَّذي عقَّم قلبه من حبِّ ما سوى الله، حيث أُمِرَ بذبح إسماعيل، وقد فعل ما كانت ثمرته الصَّفاء التامَّ والإخلاص المطلق لله عزَّ وجل.
ثانياً ـ كان شكوراً كثير الحمد والدعاء لله عزَّ وجل، قال تعالى: {شاكراً لأَنْعُمِهِ اجتباه وهداهُ إلى صراطٍ مستقيم} (16النحل آية 121)، وقد أخبرنا الله عزَّ وجل بما كان يدعو به حيث كان يقول عليه السَّلام: {الحمدُ لله الَّذي وهَبَ لي على الكِبَرِ إسماعيل وإسحاق إنَّ ربِّي لَسَمِيعُ الدُّعاء * ربِّ اجعلني مُقيمَ الصَّلاة ومن ذُرِّيَّتي ربَّنا وتَقَبَّل دُعاءِ} (14 إبراهيم آية 39ـ40).
ثالثاً ـ كان صدِّيقاً ونبياً ظهر صدقه وتفانيه في كلِّ مراحل حياته ودعوته لله عزَّ وجل، قال تعالى: {واذْكر في الكتابِ إبراهيمَ إنَّه كان صدِّيقاً نَّبيّاً} (19 مريم آية 41).
رابعاً ـ يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والرِّفق واللين، ومثال ذلك دعوته لأبيه: {إذ قال لأبيه ياأبتِ لِمَ تَعبدُ ما لا يَسمعُ ولا يُبصرُ ولا يُغني عنك شيئاً * ياأبتِ إنِّي قد جاءَنِي من العلمِ ما لم يَأْتِكَ فاتَّبعني أَهدِكَ صِراطاً سَويّاً * ياأبتِ لا تعبدِ الشَّيطان إنَّ الشَّيطان كان للرَّحمن عَصِيّاً * ياأبتِ إنِّي أَخافُ أن يَمسَّك عذابٌ مِن الرَّحمنِ فتكون للشَّيطان ولِيّاً} (19 مريم 42ـ45) ويأتي جواب الأب بأشدَّ ما يكون من القسوة والصلابة: {قال أراغبٌ أنت عن آلهتي ياإبراهيم لَئِن لَمْ تَنتَهِ لأرجُمنَّك واهجرني مليّاً} (آية 46).
خامساً ـ كان رحيماً بأهله وقومه، فهو يخاطب أباه بعد أن جادله في كفره: {قال سلامٌ عليكَ سأستغفرُ لك ربِّي إنَّه كان بي حَفِيّاً} (19 مريم آية 47) ويجادل الملائكة في قوم لوط، لعلَّه يصرف عنهم العذاب، ويتضرَّع إلى الله تعالى أن يتفضَّل عليهم بالتوبة، {فلمَّا ذَهبَ عن إبراهيمَ الرَّوعُ وجاءتهُ البُشرَى يُجادلُنا في قومِ لوطٍ} (11 هود آية 74).
سادساً ـ كان رشيداً، قال تعالى: {ولقد آتينا إبراهيمَ رُشدَهُ من قَبْلُ وكنَّا به عالمين} (21 الأنبياء آية 51).
سابعاً ـ كان متوجِّهاً توجُّهاً كاملاً لله تعالى، ومسلِّماً له بكلِّ جوارحه، وفيّاً بعهده، قال تعالى: {وتَركْنا عليه في الآخِرِين * سلامٌ على إبراهيم * كذلك نَجزي المحسنين * إنَّه من عِبَادِنا المؤمنين} (37 الصافات آية 108ـ111)، وقال أيضاً: {إذ قال له ربُّه أَسْلم قال أسلمتُ لِربِّ العالمين} (2 البقرة آية 131)، وقال أيضاً: {وإبراهيمَ الَّذي وفَّى} (53 النجم آية 37).
ثامناً ـ كان ذا حُجَّة قويَّة ومنطق سليم، يعكسان إيمانه العقلاني بالله عزَّ وجل: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذي حَاجَّ إبراهيمَ في ربِّه أن آتاهُ الله المُلْكَ إذ قال إبراهيمُ ربِّي الَّذي يُحيي ويُميتُ قال أنا أُحيي وأُميت قال إبراهيمُ فإنَّ الله يأتي بالشَّمسِ من المشرِقِ فأْتِ بها من المغربِ فبُهتَ الَّذي كَفَر والله لا يهدي القوم الظَّالمين} (2 البقرة آية 258).
تاسـعاً ـ إنه من أولي العزم والبصيرة ومن صفوة الرسل الَّذين تحمّلوا المشاقَّ، وواجهوا الصِّعاب في سبيل الدعوة إلى دين الله، قال تعالى: {واذْكر عِبادَنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ أُولِي الأيدي والأبصار} (38 ص آية 45).
عاشراً ـ كان أوَّاهاً من كثرة الإنابة الصادقة إلى الله عزَّ وجل، حليماً، قال تعالى: {..إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليمٌ} (9 التوبة آية 114)، وقال أيضاً: {إنَّ إبراهيم لحليمٌ أوَّاهٌ منيبٌ} (11 هود آية 75).
وقد حاز إبراهيم الخليل عليه السَّلام، هذه المكانة العالية والمنصب الرفيع، بتوفيق الله أوَّلاً وبما حمل من صفات كريمة فاضلة، وبما عمل من عمل التزم فيه المنهج الإلهي، بصدق وإخلاص منقطع النظير، وفي هذا تنبيه إلى أن من يعمل بمثل هذا الصدق، لابُدَّ أن يفوز بأعلى المنازل بدليل قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنِّي جاعِلُكَ للنَّاس إماماً..} (2 البقرة آية 124) ومن أراد أن يَتَّبِعَ ملة إبراهيم حنيفاً فلابُدَّ من أن يكون جوهر روحه مضيئاً مشرقاً علْويّاً، قليل التعلُّق باللذات الجسمانية، ثمَّ يضيف إلى هذا الجوهر المقدَّس أعمالاً صالحة تزيده صقلاً، وأفكاراً بنَّاءة تزيده استنارة بالمعارف القدسية، كي يتوغَّل في عالم القدس والطهارة، ثمَّ لا يزال يزداد من هذه الأحوال الشريفة، إلى أن يصير مؤمناً لا يرى إلا بالله، ولا يسمع إلا بالله، فهو مع الله في كلِّ حركاته وسكناته. أي أن هذه التصرفات تكون محكومة بشرع الله، وتغذي جوارحها طاقة نورانيَّة مستمدَّة من فضل الله، وبذا تظهر فضيلة التديُّن الحقِّ، وامتياز الإيمان عن الجهل والجاهلية.
وقد قدَّس الله ـ الحنيفيَّة ـ ملَّة إبراهيم عليه السَّلام ودعا إليها، لأنها اللبنة الأولى للشرائع السماوية وشجرتها الأم، ولأنها تعني الوصول إلى الله عبر العقل والحواس، ولأنها تجمع قلوب الخلائق على وحدانيَّة الله تعالى، وتزرع في ضمائرهم الصدق والإخلاص، وعلى هذه الحنيفية بُنيت رسالة الإسلام، لذلك قال تعالى: {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيمَ لَلَّذين اتَّبعُوه وهذا النَّبيُّ والَّذين آمنوا والله وليُّ المؤمنين} (3 آل عمران آية 68)؛ صلَّى الله عليك يا إبراهيم ـ خليل الله ـ وجزاك عن البشرية كلَّ خير.
وبالإضافة إلى المآثر الكبرى الَّتي كانت لإبراهيم عليه السَّلام، فإن الله سبحانه اختاره وولده إسماعيل لبناء أوَّل بيت وضع لعبادة الله في هذه الأرض، ألا وهو الكعبة المشرَّفة، حيث قال الله تعالى: {إنَّ أوَّلَ بيتٍ وضِعَ للنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مباركاً
وهدىً للعالمين * فيه آيات بيِّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دَخَلهُ كان آمناً..} (3 آل عمران آية 96ـ97).

ويشير كتاب الله إلى هذه المأثرة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام فيقول: {وإذ يَرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسـماعيلُ ربَّنا تَقبَّلْ منَّا إنَّكَ أنت السَّميعُ العليم * ربَّنا واجعلنا مُسلمَيْن لك ومن ذُرِّيَّتنا أُمَّةً مسلمةً لك..} (2 البقرة آية 127ـ128) ومن أجل الإعداد لذلك أمر الله إبراهيم بأن يضع زوجته هاجر وولده (منها) إسماعيل الرضيع، بوادٍ غير ذي زرع، عند المكان الَّذي ستشاد عليه الكعبة المقدَّسة، ليكونا نواة المجتمع المكِّي المقبل. ويرقُّ قلب إبراهيم الرحيم لزوجته وولده، وما أن توارى عن أنظارهما راجعاً إلى فلسطين، حتَّى أشرف على وادي مكَّة ودعا ربَّه قائلاً: {..ربِّ اجعل هذا البلدَ آمناً واجنُبني وبنيَّ أن نعبُدَ الأصنام} (14 إبراهيم آية 35) ويتابع متضرِّعاً إلى الله عزَّ وجل ويقول: {ربَّنا إنِّي أسكَنتُ من ذُرِّيَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتِكَ المحرَّم ربَّنا ليُقيموا الصَّلاة فاجعل أفئدةً من النَّاسِ تهوي إليهم وارزقهم من الثَّمراتِ لعلَّهم يشكرون} (14 إبراهيم آية 37). وهكذا جُلِبَتِ الحياة إلى وادي مكَّة، وأنعم الله على هاجر الصابرة المحتسبة وعلى ولدها، بالماء حيث لا ماء ولا أثر للحياة فكان بئر زمزم، وحامت الطُّيور فوق الماء ممَّا لفت انتباه إحدى القوافل المارَّة من هناك، وكان ذلك أمراً عجباً، حيث لم يعهدوا وجود الماء في هذا المكان من قبل، وشاهدوا الرضيع وأمَّه، فأقاموا هناك وكانت نقطة البداية.
فلما عاد إبراهيم عليه السَّلام بعد مدة للاطمئنان عليهما، سُرَّ لما رأى من عناية الله ورعايته لأهله، وبدأ بتنفيذ الأمر الإلهي ببناء الكعبة بمساعدة ابنه وقد غدا يافعاً قويّاً.
وبعد أن أتمَّ البناء أمره الله سبحانه أن يدعو عباده للحجِّ إلى بيت الله العتيق، فقال تعالى: {وأذِّن في النَّاسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً وعلى كُلِّ ضامرٍ يأتينَ من كُلِّ فجٍّ عميق} (22 الحج آية 27). وبذلك كان أوَّل من جاء بالحجِّ، وإكراماً له ولصدقه في تنفيذ أمر الله، وطاعة ولده واستسلامه لمشيئة الله، شُرِعَتِ الأضحية، فقد مثَّل الأب وابنه أعظم مشهد في التضحية، والامتثال المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى، فاستحقَّ أن يكون خليل الله سبحانه وتعالى.



 

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:53 PM   #5


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



ـ يوسف عليه السَّلام



قال الله تعالى: {وقال المَلِكُ ائْتُونِي به أستَخلِصْهُ لِنفسي فلمَّا كلَّمه قال إنَّك اليومَ لَدَينا مَكِين أمين(54) قال اجْعَلني على خَزائنِ الأَرضِ إنِّي حفيظٌ عليم(55) وكذلك مكَّنَّا لِيوسفَ في الأَرضِ يتبوَّأُ منها حيث يشاءُ نُصِيبُ بِرحمَتنا من نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجرَ المحسنين(56) وَلأَجْرُ الآخرةِ خيرٌ للَّذين آمنوا وكانوا يتَّقون(57)}
ومضات:
ـ اقتطفنا هذه الآيات من قصَّة يوسف عليه السَّلام المليئة بالتشويق والإثارة، لنبيِّن الثمار الَّتي جناها بعد المعاناة الرهيبة والطويلة الَّتي مرَّ بها، وهو صابر وَرِع تقي، لم يمتدَّ طرفه إلى حرام ولا يده إلى إثم، فصار أميناً على خزائن مصر، واستطاع بعد وصوله إلى هذا المنصب الرفيع، أن ينقذ قومه من غائلة الجوع، بسبب القحط الشديد الَّذي ألمَّ بهم.
ـ تُبيِّن لنا قصَّة يوسف عليه السَّلام أن حسد إخوته له لم يغنِ عنهم شيئاً، بل ارتدَّ كيدهم إلى نحرهم، وقد أَتَوْا إليه أذِلاَّء صاغرين، وهو في عزٍّ ومقام مكين؛ فظهر بشكل جليٍّ أن عاقبة المعصية ذلٌّ وخسارة، وأن العاقبة الطيِّبة للتَّقوى.
ـ يجدر التنويه إلى أنَّ يوسف عليه السَّلام كان سبباً لدخول بني إسرائيل (أولاد يعقوب وذريَّاتهم) إلى مصر، وموسى عليه السَّلام هو مَن أخرجهم منها، وأن يوسف عليه السَّلام أُلْقيَ في الجُبِّ من قِبَل إخوته وهو صغير بغية قتله، وموسى وُضع في التابوت وأُلقيَ في اليمِّ لإنقاذه من القتل. وأن يوسف وموسى عليهما السَّلام قد عاشا وترعرعا في كنف أكبر زعيمين غير مؤمنين من زعماء مصر، كلٌّ في حينه، حيث أن عزيز مصر ضمَّ يوسف إليه آملاً أن يتَّخذه ولداً، وكذلك فعل فرعون مع موسى، وهكذا ترعى الأشواك الأزهار لتبقى مزهرة يانعة، فوَّاحة عطرة. ونتبيَّن من خلال هذه النقاط المشتركة بين سيرة يوسف وموسى عليهما السَّلام، ملامح الارتباط الوثيق في عمل الأنبياء، والَّذي يكمِّل بعضه بعضاً.
ـ لقد أتى القرآن الكريم على ذكر جوانب كثيرة من قصَّتي يوسف وموسى عليهما السَّلام. فمن شاء الاستزادة من تلك القصص، أو الاطلاع الوافي عليها فليرجع إلى هذا المنهل الغزير العذب الَّذي يجد فيه الباحث بغيته، وينال عن طريقه غايته، حيث يجد فيها جميعاً، دعوة الأنبياء، وجهاد الأنبياء، وصبر الأنبياء، وهداية الأنبياء، فيكون له فيهم الأسوة الحسنة.
في رحاب الآيات:
الحرب سجال بين الحقِّ والباطل، ولئن ربح الباطل جولة، فإن الحقَّ هو المنتصر في النهاية. وهذا هو قانون الله في الأرض، {..فأمَّا الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمَّا ما ينفعُ النَّاسَ فيمكُثُ في الأَرضِ..} (13 الرعد آية 17). ومن منطق نصرة الحقِّ وقوَّته وديمومته، تبلورت الأمور وظهرت للعيان براءة يوسف عليه السَّلام من التهمة الَّتي أُلصقت به كيداً وظلماً، كما ثبتت حصافة رأيه، ورجاحة عقله؛ بعد أن فسَّر رؤيا الملك الَّتي كانت تحمل في طيَّاتها إشارات إلى مجيء قحط يكتسح البلاد، فلم يكتف عليه السَّلام بتأويل هذه الرؤيا، بل وصف للملك الحلول الناجعة للخروج من تلك الأزمات الَّتي ستعانيها مصر. فطلب الملك إحضاره من السجن، ولما جاءه وسمع كلامه، أدرك من فحوى حديثه عظيم حكمته وحسن تصرُّفه، ورأى في سيرته الحسنة في السجن، وعلمه وفهمه في تأويله للرؤيا، خير دليلٍ على أنه أهلٌ لأن يُرفع إلى أعلى المراتب، ولم يصرفه عن ذلـك كونه غريباً أو فقيراً أو مملوكاً. لقد دار حوار بين الملك ويوسـف عليه السَّـلام ـ والحوار بين المتخـاطبين يظهـر معارف الإنسـان وأخلاقـه وآدابه ـ ومنه تبيَّن للملك أهليَّة يوسف عليه السَّلام وكونه جديراً بأن يصبح موضع ثقته، وصاحب مشورته، فجعله من خاصَّته واستخلصه لنفسه بعد أن قال له: إنك لدينا ذو مكانة سامية ومنزلة عالية.
لكنَّ النفوس النبيلة لا تنحصر أحلامها في ذواتها وتحقيق رغباتها فحسب، بل إنها تنظر إلى بعيد، نظرة شموليَّة تسع الكون والأحياء جميعاً، وهذا ما حدا بيوسف عليه السَّلام إلى أن يطلب من الملك إدارة الأمور المالية؛ لأن سياسة المُلك بالحكمة، وتنمية العمران، وإقامة العدل، تتوقَّف على مثل هذه النفوس، وقد زكَّى نفسـه وامتدحها أمام الملك تعريفاً لا ثناءً ليثق به، ويركن إليه في تَوَلِّيه هذه المهام؛ فقال: إني حفيظ عليم، خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه. فطلب يوسف عليه السَّلام ما يعتقد أنه قادر على النهوض به من الأعباء في الأزمة القادمة الَّتي تبيَّنها من تأويله رؤيا الملك، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت، وبلاداً من الخراب، ومجتمعاً من هجمة الجوع، فكان بذلك حكيماً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفاءته وأمانته، مع الاحتفاظ بكرامته وإبائه، فهو لم يكن يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه، إنما كان حصيفاً في اختيار اللحظة الَّتي يستجاب له فيها، لينهض بالواجب الثقيل، في أشدِّ أوقات الأزمة، متحمِّلاً للمسؤولية الضخمة في إطعام شعب كامل، وشعوب تجاوره طوال سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضرع.
لقد بدَّل الله تعالى حال يوسف عليه السَّلام، فوسَّع عليه بعد ضيق، ويسَّر عليه بعد عسر، وجعل الأرض مُلْكاً له، مفتوحةً أبوابها، ميسَّرةً سُبُلها، يتبوَّأ منها المنزل الَّذي يريد، والمكان الَّذي يهوى، والمكانة الَّتي يختار بعد أن مرَّ بتجربة الجُبِّ وما فيه من خطر وضيق، والسجن وما فيه من قيود. والله يصيب برحمته من يشاء فيجعل من العسر يسراً، ومن الضيق فرجاً، ومن الخوف أمناً، ومن القيد حريَّة، ومن الهوان عزّاً ومقاماً عالياً. وكانت ليوسف عليه السَّلام تلك المكانة الرفيعة في الأرض، وله أيضاً البشارة في الآخرة جزاءً وفاقاً على الإيمان والصبر والإحسان.
والتَّقوى لابُدَّ منها لكلٍّ من أهل النعمة والمحنة، أمَّا أهل النعمة فتقواهم بالشكر لأنه وقاية من الكفر، وأمَّا أهل المحنة فتقواهم بالصبر لأنه جُنَّة من الجزع والاضطراب. وقد كان يوسف عليه السَّلام تقياً في الحالتين؛ فعندما امتحنه الله بكيد إخوته الَّذين رَمَوْه في الجُبِّ، وكذلك بكيد امرأة العزيز الَّتي ألقته في السجن، كان صابراً وراضياً، مترقِّباً رحمة الله، ومؤمناً بعدله ونصرته، وداعياً إلى عبادته فلم تزحزحه هذه المِحَن عن إيمانه وثقته بالله. وعندما أنعم الله عليه بالقرب من الملك والسلطان والغنى، لم تفسد هذه النعم عليه فطرته السليمة، بل بقيت نقيَّة طاهرة لم تعكِّرها الشِّدة ولم تفسدها النعمة، وعندما قيل له: ما بالك لا تشبع وبيدك خزائن الأرض؟ قال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائعين.
وفي الختام لابدَّ أن نشير إلى أن ملوك الرعاة كانوا يحكمون مصر حين وصول يوسف عليه السَّلام إليها وليس الفراعنة، وهذا من الإعجاز القرآني المدهش، حيث لم يكن أحد يدري عن هذه الحقبة التاريخية شـيئاً زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم : {وقال المَلِكُ ائْتونِي به..}.


 

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:55 PM   #6


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



ـ موسى عليه السَّلام



قال الله تعالى: {وهل أتاكَ حديثُ موسى(9) إذ رأى ناراً فقال لأهلهِ امكُثوا إنِّي آنستُ ناراً لعلِّي آتيكم منها بِقَبَسٍ أو أجدُ على النَّار هُدىً(10) فلمَّا أتاها نُوديَ ياموسى(11) إنِّي أنا ربُّك فاخلعْ نَعليك إنِّك بالوادِ المقدَّسِ طُوىً(12) وأنا اخترتُكَ فاستمع لما يُوحى(13) إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبُدْني وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكري(14) إنَّ السَّاعة آتيةٌ أكادُ أُخْفيها لِتُجزى كُلُّ نفسٍ بما تسعى(15) فلا يَصُدَّنَّك عنها من لا يُؤمنُ بها واتَّبعَ هواهُ فَتَرْدَى(16) وما تِلكَ بيمينك ياموسى(17) قال هيَ عصايَ أَتَوكَّؤ عليها وأَهُشُّ بها على غنمي وَلِيَ فيها مآربُ أُخرى(18) قال ألقِها ياموسى(19) فألقاها فإذا هيَ حيَّةٌ تسعى(20) قال خُذها ولا تخف سَنُعِيدُها سِيرتَها الأولى(21) واضْمُمْ يَدَك إلى جنَاحِكَ تَخرجْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ آيةً أُخرى(22) لُنرِيَك من آياتنا الكبرى(23) اذهب إلى فرعون إنَّه طَغى(24) قال ربِّ اشرحْ لي صدري(25) ويسِّر لي أمري(26) واحلل عُقدةً من لساني(27) يَفقهوا‍ قولي(28) واجعل لي وزيراً من أهلي(29) هَارونَ أخي(30) اشْدُدْ به أزري(31) وأَشْرِكْهُ في أمري(32) كي نُسبِّحَكَ كثيراً(33) ونَذْكُرَكَ كثيراً(34) إنَّك كُنت بنا بصيراً(35) قال قد أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى(36) ولقد مَننَّا عليكَ مرَّةً أُخرى(37) إذ أوحينا إلى أمِّك ما يُوحى(38) أن اقذفيه في التَّابوتِ فاقذفيه في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بالسَّاحِلِ يَأخُذْهُ عدوٌّ لِي وعدوٌّ له وأَلقيتُ عليك محبَّةً منِّي ولِتُصنعَ على عيني(39) إذ تمشي أُخْتُكَ فتقولُ هل أدُلُّكُم على من يَكْفُلُهُ فَرَجَعناك إلى أُمِّك كي تقرَّ عَينُها ولا تحزن وقَتلتَ نفساً فنجَّيناك من الغمِّ وفتنَّاك فُتُوناً فلبِثت سنين في أهل مَدْيَن ثمَّ جئتَ على قَدَرٍ ياموسى(40) واصطنعتُكَ لنفسي(41) اذهب أنتَ وأخوكَ بآياتي ولا تَنِيَا في ذكري(42) اذهبا إلى فرعون إنَّه طغى(43) فقولا له قولاً ليِّناً لعلَّهُ يَتَذكَّر أو يخشى(44)}
ومضات:
ـ من كان يدري أن لقيطاً من الماء (في نظر الناس) تحتضنه زوجة فرعون، ملك الملوك في مصر، لتُرَبِّيه هي وزوجها ويتعهَّدانه، ليكبر ويشتدَّ ساعده وهو في كنفهما. ثمَّ يغادرهما خائفاً طريداً، ليعود إليهما نبيَّاً رسولاً وكليماً لله تعالى، محاوراً ومنذراً لفرعون من طغيانه وادِّعائه الألوهيَّة لنفسه؟.
ـ كان لابدَّ من تزويد موسى عليه السَّلام، بمعجزاتٍ بيِّناتٍ باهرة، نظراً لتسلُّط فرعون وتجبُّره، وادِّعائه الألوهيَّة، معتمداً بذلك على أمهر السحرة في زمانه، ليخدع الناس بسحرهم، ويؤثِّر على عقولهم ليؤمنوا به، فجاءت معجزة موسى عليه السَّلام عندما تَحوَّلت عصاه ـ بإذن الله ـ إلى حيَّة تسـعى، لتبطل سحر السحرة، فكانت آية في القوَّة، وبإذنٍ من الله الَّذي بيده مقاليد كلِّ شيء، فلا يمكن لأمر ما‍؛ أن تقوم له قائمة، ما لم يأذن به الله سبحانه ويشاء.
ـ عندما جاء الأمر لموسى عليه السَّلام بدعوة فرعون وملئه إلى عبادة الله، أدرك صعوبة هذه المهمَّة، وشعر بالحاجة إلى مساعد له لأداء ما أُمر به، فطلب من ربِّه أن يشدَّ أزره بأخيه هارون؛ وفي هذا إشارة إلى أنه لابُدَّ لكلِّ داعية من أخ في الله يعينه ويؤيِّده ويسانده.
ـ ذكر الله وتسبيحه هما الطاقة الفاعلة، والقوَّة المحرِّكة لعمل الدعوة إلى دين الله، ومهما أوتي الداعي من علم وفصاحة وحُجَّة؛ فلا غنى له عنهما؛ لأن العلم المجرَّد من نور الله وذكره، يجعل من صاحبه قالباً جامداً، لا روح فيه ولا حياة، وبالتالي يكون علمه ميتاً لا روح فيه ولا حياة، فلا نفع له؛ لأن العلم النافع هو العلم الَّذي يثمر العمل في صاحبه، ويحرِّك دوافع التطبيق والامتثال في سامعه.
في رحاب الآيات:
لابُدَّ لكلِّ نبي أثناء مسيرته وجهاده في الدعوة إلى الله، من صعوبات ومشاقّ تعترض طريقه. وقد يعتريه في بعض الأحيان شيءٌ من الضعف والتعب، فهو في حاجة مستمرَّة إلى التثبيت وتقوية العزيمة، ولم يكن الله ليخذل أنبياءه أو يُخْلِفَهم موعده. فهو الَّذي أمرهم بالتبليغ ووعدهم بالنُّصرة؛ ولهذا كانت معونته تؤازرهم، وكان نصره وتأييده يحالفهم. وقد قصَّ الله تعالى على نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات قصَّة نبي كريم ورسول عظيم لتكون تثبيتاً له وتأييداً، وليجد فيها بعض العزاء والسلوى، قال تعالى: {وكُلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرُّسل ما نثبِّت به فؤادكَ وجاءك في هذه الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين} (11 هود آية 120).
وتبدأ الآيات الكريمة بالاستفهام التقريري، ومن سنن اللغة العربية أنه إذا أُريد تثبيت الخبر، وتقرير الجواب في نفس المخاطب أن يُلقى إليه بطريق الاستفهام، فالاستفهام غرضه التشويق لما سيأتي بعده، والمعنى: هل بلغك يامحمَّد خبر موسى وقصَّته العجيبة؟ إنه بعد خروجه من مَدْيَنَ صحب أهله وتوجَّه إلى سيناء، فلما بلغها لاحت له نار من بعيد، فترك أهله وتوجَّه نحوها كأيِّ عابر للصحراء، لعلَّه يأخذ من النَّار قَبَساً يشعل به ناره، أو يجد عند النار من يهديه إلى الطريق الصحيح حتَّى لا يضِلَّ في متاهات الصحراء. فلما اقترب منها، رأى شجرة خضراء تشتعل فيها نار بيضاء، فوقف متعجِّباً من شدَّة ضيائها وخضرتها، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيماً بين السماء والأرض له شعاع تكلُّ عنه الأبصار. وإذا بالنِّداء يأتيه من قِبَل هذا النور مهدِّئاً ومطمئناً: {إنِّي أنا ربُّك فاخلعْ نَعليك} والمقصود بخلع النعلين هو تعظيم ذلك الموضع في الوادي المقدَّس، ولأن خلعهما أبلغ في التواضع، وحسن التأدُّب.
ثمَّ يخبر الله موسى عليه السَّلام في ذلك المقام عن قربه منه، وعن الأمانة الَّتي سيوكل إليه حملها، فقد اختاره ليكون رسولاً يبلِّغ رسالته، وأمر سبحانه موسى عليه السَّلام بالإصغاء التامِّ لما سيُلقى إليه؛ فكان أوَّل بند من بنود الرسالة هو تقرير وحدانيَّة الله تعالى، ذلك لأنها الدِّعامة الأولى الَّتي لا يمكن لأي بناء إيماني أن يبنى إلا عليها. ونلاحظ في هذه الجملة القصيرة: {إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا} استعمال ضمير المتكلم بشكل متتالٍ للتوكيد على ألوهيَّة الله، وأنه الفرد الصمد الَّذي ليس كمثله شيء. ثمَّ يأتي الأمر الحازم بالعبادة (فاعبدني)، أي أفردني وحدي بالعبوديَّة منزِّهاً إيايَّ عن الأغيار، وعن جميع علائق الدنيا، وأدِّ الصلاة على وجهها الحقيقي لتكون صلةً بيني وبينك، وسنداً وعوناً لك على أداء رسالتي. واعلم أن يوم الحساب آتٍ لتعود الخلائق كلُّها إليَّ فأجزي كلَّ إنسان بما يستحقُّ، فلا تتَّبِع أهواء المنحرفين وأصحاب الدنيا وتنسى الآخرة، لأن ذلك يودي بك إلى الخسران المبين.
وبعد وضع حجر الأساس في بناء صرح الإيمان، يتصل الحوار بين الله ورسوله، فيسأله تعالى سؤال العالم الخبير عن تلك العصا الَّتي يحملها، وعن فائدتها؟. والغرض من السؤال هو أن يبيِّن له أنه سيجعل لتلك الخشـبة ـ الَّتي ليس لها خطر كبير ولا منفعة عظيمة ـ جليل المزايا والفوائد الَّتي لا تخطر على بال، كانقلابها إلى حيَّة تسعى، وضرب البحر بها حتَّى ينفلق، وضرب الحجر لتتفجَّر منه اثنتا عشرة عيناً من الماء العذب كما حدث في مشاهد أخرى، ولينبِّهه إلى أن من كمال قدرته وبالغ عظمته، أنه يجعل من مثل هذه العصا، معجزات وأعاجيب فوق كلِّ تصوُّر وعلم بشري. فأجابه موسى عليه السَّلام الجواب المستفيض معدِّداً ما لها من فوائد ومزايا: {قال هي عصايَ أتوكَّؤ عليها} أي أعتمد عليها إذا مشيت أو تعبت، أو وقفت على رأس القطيع من الغنم، {وأَهُشُّ بها على غَنمي} أي أضرب ورق الشجر بها ليسقط على غنمي فتأكله، ولي فيها مصالح ومنافع أخرى غير ذلك كحمل الزاد، وطرد السباع عن الغنم، وإذا شئت ألقيتها على عاتقي، فعلَّقت بها قوسي وكنانتي وثوبي، وإذا أردت ماءً قصَّر عنه رشائي وصلته بها. فلما انتهى موسى عليه السَّلام من إجابته، جاءه الأمر الإلهيُّ، الَّذي سيكشف الله به لنبيِّه عن آية الإعجاز في تلك العصا، فقال له: {ألقِها ياموسى} فألقاها فدبَّت فيها قوَّة الحياة، وإذا هي حيَّة تسعى، وكم من ملايين الذرَّات الميتة تتحول في كلِّ لحظة إلى خليَّة حيَّة، لكنَّها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحوَّل عصا موسى عليه السَّلام حيَّة تسعى! ذلك لأن الإنسان أسير حواسِّه، وأسير تجاربه، فلا يخرج في تصوُّراته بعيداً عمَّا تدركه حواسُّه. وانقلاب العصا حيَّة تسعى، ظاهرة حسيَّة، تصدم حسَّه فينتبه لها بشدَّة، أمَّا الظواهر الأولى لمعجزة الحياة، الَّتي تدبُّ في كلِّ لحظة، فهي خفيَّة قلَّما يُلْتَفت إليها، وخاصَّة أن الألفة تُفقدها جدَّتها، فيمرُّ عليها غافلاً أو ناسياً. لذلك فقد أوجس موسى عليه السَّلام خيفة من العصا الَّتي انقلبت حيَّة تسعى، فقال له تعالى: {خُذها ولا تَخف} فإنها ستعود كما كانت، وتتسرَّب منها الحياة كما سرت فيها من قبل. ولا يخفى أن السرَّ في ذلك ليس مختصّاً في عصا معينة، بل لو أن موسى عليه السَّلام أو غيره، حمل أيَّة عصا أخرى غيرها، وجاء الإذن الإلهي بإظهار الإعجاز فيها، لما تخلَّف لحظة واحدة، فالقدرة الحقيقيَّة لله تعالى وليست لموسى عليه السَّلام ولا لغيره.
ويؤيِّد الله موسى عليه السَّلام بمعجزة ثانية؛ وهي خروج يده بيضاء لامعة، والآية الَّتي تتحدث عن ذلك قوله تعالى لرسوله: {واضْمُمْ يَدك إلى جَناحِك...} أي أَدخل يدك تحت إبطك ثمَّ أخرجها، تخرج نيِّرة مضيئة كضوء الشمس، من غير عيب ولا بَرَصٍ. وهاتان آيتان من آياتي الكبرى، فاذهب بهما دليلين على نبوَّتك إلى فرعون وملئه، فقد تجاوز حدوده في الكفر والطغيان، حتَّى ادَّعى أنه الإله. فتهيَّب موسـى عليه السَّلام الأمر؛ كيف يذهب إلى فرعون الطاغية، ورأس الكفر في زمانه؟ يضاف إلى ذلك أنه فرَّ من مصر بسبب قتله للمصري خطأً، وهل سيصَدِّقه فرعون؟ وهل سينجو من عقابه إذا كذَّبه؟ أسئلة متلاحقة تزاحمت في ذهن موسى عليه السَّلام، وتجسَّدت في هذا النداء (ربِّ) لقد ضاق صدري، فالمهمَّة عظيمة، والأمر جَلَلٌ فاشرح لي صدري، ونوِّره بنور الإيمان، واكشف همِّي، ويسِّر أمري، وفكَّ عقدة من لساني؛ وكان في لسان موسى عليه السَّلام حَبْسة (أو لثغة) تمنعه من كثير من الكلام، وكان حادَّ الطبع، سريع الانفعال، لذا طلب من الله أن يؤيده بأخيه هارون، ليكون عوناً له يحمل معه أعباء الرسالة، ويكون ظهيراً له عند الشدائد، ولِما له من فصاحة اللسان، وثبات الجنان وهدوء الأعصاب. وفي هذا إشارة إلى أن صحبة الأخيار للأنبياء ومؤازرتهم مرغوب فيها، فضلاً عن غيرهم، وأنه لا ينبغي أن يكون المرء مستبِّداً برأيه، حتَّى وإن كان نبياً. ثمَّ بيَّن موسى عليه السَّلام أن مؤازرة أخيه هارون له ستجعل أمامهما متَّسعاً من الوقت ليعبدا الله حقَّ عبادته، فلا تشغلهما مهامُّ الرسالة عن العبادة؛ بل يتفرغان بعض الوقت للتسبيح والتقديس ويستغرقان في ذكر الله، الذكر المتَّصل؛ الَّذي يقوِّيهما ويمدُّهما بالعون والثقة بالنفس على مواجهة عدو الله، مستمدِّين العون من الله المراقب لهما، والعالم بأمورهما، والمطَّلع على أحوالهما الَّتي لا يخفى عليه شيءٌ منها. وفي هذا إشارة إلى أهمية الأخوَّة في الله، وضرورة توثيق الصلة الروحية بين المتآخين، للتعاون والعمل الجادِّ على نشر الدعوة إلى الله، بقلوب ذاكرة وعاشقة له تعالى.
لقد أطال موسى عليه السَّلام سؤاله فسأل الله حاجته، وأعرب له عن ضعفه، وطلب منه العون والتيسير والاتصال الدائم، وربُّه يسمع له، وهو ضعيف في حضرته، يناديه ويناجيه، فإذا بالكريم المنَّان لا يُسفِّه راجيه ولا يردُّ سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة ويبشِّره بها فيقول له: {قد أوتيت سؤلك ياموسى} هكذا مرة واحدة، وبكلمة واحدة، فيها إجمال يغني عن التفصيل، وفيها تنجيز مطلق عن قيود التعليق أو التأجيل، وفيها تكريم وإيناس له بندائه باسمه: ياموسى! وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من عباده؟ لقد أُجيب السؤال، وقُضيت الحاجة، ولكنَّ فضل الله لا رادَّ له، ورحمته لا ممسك لها، فهو يغمر عبده بمزيد من فضله، وفيض من رضاه.
وبعد الاستجابة والبشارة، يأتي التكليف ضمن شروط محدَّدة، تبيِّن مهمَّة الداعي إلى الله، وكيف يكون استعداده قبل مواجهة أعداء الله، وكيف تكون دعوته بلين ورفق، فربما تحرَّك شيء من الإيمان في قلب العصاة وحصل المراد. فذكرت الآيات المعاني التالية: اذهب أنت وأخوك بالمعجزات الَّتي أيَّدْتُك بها إلى فرعون، فأكثرا من ذكري، ولا تفترا ولا تقصِّرا في عبادتي، فأنتما وما تملكان من فصل الخطاب، وذكاء العقل، وتفتُّح الجنان، لن تستطيعا تحريك أيَّ قلب إن لم ترتبطا بي، وتستمدَّا القوَّة مني، فإيَّاكما والانشغال عن ذكري. وبعد الذكر وتطهير القلب وشحذ العزيمة، اذهبا إلى فرعون الَّذي تمادى وتجاوز كلَّ حدٍّ، حين جعل نفسه إلهاً، وصرف الناس عن عبادتي {فقولا له قولا ليِّناً}. وعلى الرغم من بشاعة الذنب الَّذي ارتكبه فرعون، فقد علَّم الله نبيَّه الأسلوب الأمثل في دعوته وهدايته؛ إنه حوار عقلاني يدفع الحُجَّة بالحُجَّة، ليِّن هيِّن من شأنه أن يستجيش عاطفة الإيمان برفق، وينبِّه مكامن الحسِّ بيُسر، لأن الطغاة إذا دُعوا بعنف وشدَّة، استيقظت نوازع البطش والبغي في نفوسهم، وأخذتهم العزَّة بالإثم، لذلك ينبغي التعامل معهم بحذر، فلعلَّ قلوبهم المتصلِّبة أن تلين، ويشرق فيها قبس وضَّاء من الهداية يومض فجأة فيغمرها بالنور. ولفظ (لعلَّ) الَّذي ورد في الآية يحمل معنى الرجاء والأمل بإيمان هذا الطاغية، وعلى الرَّغم من علم الله الأزلي بأن فرعون لن يؤمن، فإنه لم يطلع نبيَّه على هذا العلم، وتركه يحاول ويتخذ الأسباب، تعليماً للدعاة من بعده أن يتَّبعوا هذا الأسلوب في الدعوة، ولا يعلم ما في الغيوب إلا علاَّمُها سبحانه وتعالى، فإذا لم تتحقَّق النتيجة، كان فرعون هو المسؤول عن عناده بعد الإنذار والتحذير، ويستحقُّ عليه غضب الله تعالى.
ثمَّ يذكِّرنا الله تعالى بماضي موسى عليه السَّلام وطفولته، تنويهاً بالمنزلة الكريمة الَّتي له عند ربِّه، وتذكيراً لنا بالنعم الكثيرة الَّتي أنعم بها عليه، وأن الله يسعف أنبياءه وأولياءه عند الشدائد، فقد أنجاه من الهلاك الأكيد مرَّات عديدة، إذ ولدته أمُّه في العام الَّذي كان فرعون يقتل فيه المواليد الذكور من بني إسرائيل، فأوحى لأمِّه أن تضعه في صندوق ثمَّ تطرحه في نهر النيل ففعلت، وكان للنيل فرعٌ يمرُّ في قصر فرعون، فبينما هو جالس مع امرأته آسية إذا بتابوت يحمله الماء، فلما رآه فرعون أمر بإخراجه، فأخرجوه وفتحوه، وإذا بصبيٍّ من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبَّه وسمَّاه موسى و(مو) هو الماء بالهيروغليفية، و(سا) هو الشجر.
لقد ألقى الله على موسى عليه السَّلام محبَّة خالصة منه، زرعها في قلوب من رأوه، ومنهم فرعون وزوجته الَّتي قالت له: {..قرَّةُ عَينٍ لِي ولكَ لا تقتلوهُ عسى أن يَنفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولداً..} (28 القصص آية 9) وبهذا القَدَرِ الَّذي قُدِّر لموسى عليه السَّلام، نجد أن العناية الإلهيَّة الَّتي أحاطت به قد بلغت ذروتها، فقد أنجاه الله من الذبح الَّذي فرضه فرعون بحقِّ المواليد الجُدد من بني إسرائيل، ثمَّ أدخله بعد النجاة من الهلاك، قصر صاحب هذه الجريمة النكراء، ليتربَّى عنده معزَّزاً مكرَّماً تصديقاً لقوله تعالى: {ولِتُصنَعَ على عيني} أي لكي تُربَّى محفوفاً برعايتي، ومحاطاً بعنايتي الَّتي يتمتع كلُّ من يحظى بها بمنتهى الأمان، وإن كانت الظروف المحيطة موحشة ومخيفة.
ثمَّ تعظُم المنَّة الربَّانية على موسى عليه السَّلام، حيث ألهمه تعالى أن يمتنع من الرضاع من أي امرأة غريبة، تهيئة لأسباب إعادته إلى حجر أمِّه وحنانها. فتأتي أخته تستطلع خبره وهي تمشي على ساحل النيل قريباً من الصندوق، وحين سمعتهم يطلبون مرضعة له، أشارت عليهم بمرضعة هي أمُّه، وبذلك أنجز الله وعده لأمِّ موسى عليه السَّلام بردِّه إليها بعد إلقائه في اليمِّ، كي تسعد بقربه وتنسى حزنها وخوفها عليه. وهكذا امتنَّ الله على موسى عليه السَّلام بنجاته من الذبح عند ولادته، ومن الغرق بعدها، فتجاوز مرحلة الطفولة بسلام وأمان. فلما بلغ مرحلة الشباب إذا به يقع في مأزق، كان من شأنه أن يورده موارد الهلاك، لولا أن تداركته العناية الإلهيَّة، وللمرَّة الثالثة، حين قَتل بطريق الخطأ، رجلاً مصرياً، دفاعاً عن رجل من بني إسرائيل استنجد به، فنجَّاه الله من عقاب فرعون، ونجَّاه من الهمِّ الَّذي ألمَّ به بعد ارتكابه هذا الذنب عن غير قصد حين قال: {..ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفِر لي..} (28 القصص آية 16) ووفَّقه للهجرة إلى مدْيَن.
لقد ابتلى الله تعالى موسى عليه السَّلام بأنواع المحن، لكنَّه خلَّصه منها جميعها، وقد جاء في الحديث الشريف: «إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه فإذا صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه» (رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والترمذي وقال حسن صحيح). فالعبد الَّذي يريد الله اصطفاءه يجعله في بوتقة البلاء أوَّلاً، ثمَّ يخلِّص جوهره من كلِّ الشوائب. وهذا ما جرى مع موسى عليه السَّلام؛ فبعد أن اجتاز مرحلة الابتلاء والامتحان جيء به من أرض مدْيَن، لإقامة حُجَّة الله وتبليغ رسالته، وهداية الناس إلى التوحيد والشرع القويم.


 

رد مع اقتباس
قديم 22-11-2011, 12:58 PM   #7


الصورة الرمزية ريحانة المنتدى
ريحانة المنتدى غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 273
 تاريخ التسجيل :  Mar 2011
 أخر زيارة : 06-12-2018 (09:58 AM)
 المشاركات : 157,358 [ + ]
 التقييم :  95478
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
عشقت صمتي
و صمتي عشقني
لوني المفضل : Darkmagenta
شكراً: 2,077
تم شكره 1,135 مرة في 1,075 مشاركة
افتراضي رد: دعاة الهداية (الأنبياء).



ـ داود عليه السَّلام

قال الله تعالى: {ولقد آتينا داوودَ مِنَّا فضلاً ياجبالُ أَوِّبِي معهُ والطَّيرَ وَأَلَـنَّا له الحديدَ(10) أنِ اعملْ سابغاتٍ وقَدِّرْ في السَّردِ واعملوا صالحاً إنِّي بما تعملون بصير(11)}
ومضات:
ـ إن لله تعالى أعطيات خاصَّة يمنحها لعباده المصطَفَيْن، وداود عليه السَّلام كان واحداً من هؤلاء العباد؛ فقد وهبه الله تعالى من عذوبة الصوت، ودموع العاشق المتفجِّرة، وأنين المحبِّ الملوَّع، ما أثَّر في الجبال والطير فجعلها ترجِّع وتردِّد تسبيحه لله وتمجيده.
ـ لقـد أُعْطِيَ داود عليه السَّـلام ـ إلى جانب ما سبق ـ علماً متقدِّماً في الصناعة الحربية المتطوِّرة.
في رحاب الآيات:
تُجْمِع الروايات على أن داود عليه السَّلام قد أوتي صوتاً جميلاً عذباً، كان يرتِّل به مزاميره؛ وهي تسابيح دينية، ورد منها في كتاب العهد القديم ما الله أعلم بنسبته. وفي الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ في الليل فوقف واستمع لقراءته ثمَّ قال: لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير داود».
والآية تصوِّر فضل الله تعالى على داود عليه السَّلام، إذ أنه بلغ من الشفافية والتجرُّد في تسابيحه درجة انزاحت معها الحجب بينه وبين كثير من الكائنات، فاتَّصل دعاؤه وتضرُّعه مع دعائها وتضرُّعها، ورجَّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، فاتصلت جميعها بالله صلة واحدة، وعادت عن طريق ذكره إلى حقيقتها اللدُنِّية فإذا بها تتجاوب في تسبيحها للخالق، وتتلاقى في نغمة واحدة، وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرُّد لا يبلغها أحد إلا بفضل الله تعالى. وحين انطلق صوت داود عليه السَّلام يرتِّل مزاميره ويمجِّد خالقه، تجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد، المتجه إلى بارئه الواحد... وإنها للحظات عجيبة لا يعرف قدرها إلا من عايشها، وذاق حلاوتها ولو لحظة في حياته.
وممَّا أفاض الله تعالى على نبيِّه داود من النعم؛ أَنْ أَلانَ له الحديد وعرَّفه كيفيَّة استعماله. وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لتشير إلى مادة الصناعة الأوليَّة وهي الحديد لدراستها والاستفادة من تطبيقاتها في الحياة العملية، وليس كما فعل كثير من المسلمين حيث اكتفَوْا بالتبرُّك بهذه الآيات وحُسْنِ تجويدها والطرب لقارئها. إنها تعطينا درساً في حسن استخدام ما أودعه الله لنا في الطبيعة من الطاقات والقوى والمعادن لنكون في مقدِّمة الأمم حضارةً ومدنيَّة، لأن الدِّين لا ينافي علوم الحياة بل يأمر بها ويسيران معاً خطوة بخطوة ويداً بيد ليحقِّقا سعادة البشرية جمعاء. وهذا ما فعله سلفنا الصالح حيث أخذوا ما عند الأمم المتحضِّرة من مدنية وعلوم وزادوا عليها، انطلاقاً من الفهم السديد لآيات القرآن الكريم الكثيرة، الَّتي تلفت الأنظار للسير في هذا المضمار، ومنها ما نحن بصدد بيانه من آيات بيِّنات.
وفي ظلِّ هذا السياق يبدو أن داود عليه السَّلام هو أوَّل من اكتشف خواصَّ جديدة للحديد بفضل الله وإلهامه له، وأنه يمكن تليينه وتسخيره للصناعات المدنية والحربية. فصنَّع منه الـدروع وآلات الحرب على أتمِّ النظم وأحكم الأوضاع. وروي أن الدروع قبله كانت تُصنَّع مصفَّحة، فكانت تُصلِّب الجسم وتثقِّله، فألهم الله داود أن يصنِّعها رقائق، أو حلقات متداخلة متموِّجة ليِّنة، يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم، وأمره بتضييق هذه الرقائق والحلقات لتكون محكمة لا تنفذ منها الرماح والسهام، وكان الأمر كلُّه إلهاماً وتعليماً من الله عزَّ وجل.
ولا يخفى على كلِّ ذي بصيرة، الروح المسالمة القويَّة الَّتي يوجِّه إليها‍ القرآن الكريم، فقد ذكر صناعة الدروع وهي سلاح دفاعي ولم يذكر صناعة الرماح وما شاكل من الأسلحة الهجومية، إشارة إلى أن المؤمن لا ينبغي له أن يبدأ غيره من عباد الله بالاعتداء والهجوم، بل عليه أن يسالم من يسالمه، فإذا اختار الطرف الآخر العداء والحرب، فلا يواجه ضعفاً، بل يجد قوَّة تردعه وتردُّه إلى الصواب.
سورة ص(38)
قال الله تعالى: {ياداوودُ إنَّا جعلناكَ خليفةً في الأَرضِ فاحكم بين النَّاسِ بالحقِّ ولا تتَّبع الهوى فيُضِلَّك عن سبيل الله إنَّ الَّذين يَضِلُّون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحساب(26)}
ومضات:
ـ تتضمَّـن هـذه الآية تـوجيهاً إلهيّاً للنبي داود عليه السَّلام ـ حين كان يمثِّل رأس السلطة الروحية والسياسية في دولته ـ بأن يحسن تمثيل خلافته لله تعالى في أرضه وفي تصريف قضايا الرعية بالحقِّ والعدل، كما تحمل هذه الآية تحذيراً له من أن يجرفه الهوى فيميل إلى خصم دون آخر، ويُصدر أحكاماً غير موضوعية أو مجحفة بين الناس.
ـ إن من يجور في حكمه بين الناس، بعيد عن طريق الله عزَّ وجل، وله العذاب الشديد لتناسيه يوم المحاكمة الإلهية.
في رحاب الآيات:
إن وجود الإنسان في موقع المسؤولية تجاه الآخرين أمر بالغ الخطورة والأهميَّة، لاسيَّما إذا كانت مصائر الناس مرتبطة بسلوكه وطريقة إدارته للأمور. وقد أَوْلى الإسلام موضوع الحكم والحاكم الكثير من الاهتمام، لما له من دور في تحريك شؤون الناس، سواء في أمنهم وحسن استقرارهم، أو في أرزاقهم ومعاملاتهم.
فالحاكم خليفة الله في الأرض، وعليه أن يراقبه في شؤونه الخاصَّة والعامة؛ لأن مراقبة الله تعالى تبقيه في دائرة الحقِّ، فلا يحكم إلا بالعدل، سواء على نفسه أو على الآخرين، كما أنها تثبِّته على الصراط المستقيم، فلا هوى يبعده عن الله، ولا حاشية سوء تخرجه عن منهجه، فتتلاشى المؤثِّرات الخارجية وتبقى التوجيهات الإلهية لتكون المنارة لكلِّ من تولَّى مسؤولية أو تحمَّل أمانة. وداود عليه السَّلام واحد من الَّذين استخلفهم الله في الأرض، وأناط بهم هذه المهمَّة الشاقَّة، لذلك نراه يرسم له خطَّة العمل الَّتي إن سار عليها هو ومن بعده من الحكَّام فلن يضلُّوا، وتتلخص باتِّباع الحقِّ في الحكم بين الناس، وعدم الميل مع هوى النفس، لأن اتِّباع الهوى يصرف الحاكم عن تصريف أمور الرعية بالحقِّ، فيتفشى الظلم والاستغلال والرشوة، والفساد والإفساد بين أفراد المجتمع.
والله تعالى يكشف الحجاب عن الخاتمة التعيسة لمثل هذا الحاكم، والعذاب الإلهي المتربِّص به، ليراها الناس جميعاً، كلٌّ في موقعه، فيلتزموا جانب الحذر والحيطة، ويرتفعوا بأنفسهم عن مواطن الشُّبُهات، ويلتزموا طريق الله الَّذي يوصل إلى السعادة والأمن، ويبتعدوا عن الطريق المتعرِّج، المليء بالحُفَر والمزالق، الَّتي تهوي بمن سار عليها قبل أن يصل إلى نهاية الدرب.
حقاً لقد منَّ الله على الإنسان في هذه الأرض بشرعه الحنيف من أجل أن يسعده السعادة الحقيقية في الدارين، وقد أَمَرَنا أن ندعوه، قولاً وعملاً، ليحقِّق لنا هذه الغاية بقوله: {..ربَّنا آتِنَا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النَّار} (2 البقرة آية 201).



 

رد مع اقتباس
إضافة رد
كاتب الموضوع ريحانة المنتدى مشاركات 19 المشاهدات 6038  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع

   
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كلنا دعاة فهيا ننطلق ابو كرم دين ودنيا 7 29-01-2013 01:11 AM
خاب ونداء لمن يريد الهداية ام الشهيد منتدى المواضيع العامه 7 02-10-2011 08:14 AM
انواع الهداية في القران احب الله القرآن الكريم 3 16-08-2011 02:23 PM
   

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
   

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D8%B1%D9%85-%D9%86%D8%AA Add to My Yahoo! منتديات كرم نت Add to Google! منتديات كرم نت Add to AOL! منتديات كرم نت Add to MSN منتديات كرم نت Subscribe in NewsGator Online منتديات كرم نت
Add to Netvibes منتديات كرم نت Subscribe in Pakeflakes منتديات كرم نت Subscribe in Bloglines منتديات كرم نت Add to Alesti RSS Reader منتديات كرم نت Add to Feedage.com Groups منتديات كرم نت Add to Windows Live منتديات كرم نت
iPing-it منتديات كرم نت Add to Feedage RSS Alerts منتديات كرم نت Add To Fwicki منتديات كرم نت Add to Spoken to You منتديات كرم نت
تصميم الستايل علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb