دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر! سجلاتنا تفيد انك لست عضو لدينا في المنتدى,في حال رغبتم بالاِنضمام الى أسرتنا في المنتدى ينبغي عليكم ملء النموذج التالي!

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
سؤال عشوائي


الجنس :
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

-:: مــركــز تحميــل كــرم نـت ::-

تلاوة عطرة من القرآن الكريم

متصفحك لايدعم الفلاش للإستفسار والدعم الفني
عدد الضغطات : 3,326متصفحك لايدعم الفلاش

الإهداءات


   
العودة   منتديات كرم نت > الرسول الكريم والأنبياء والصحابة رضي الله عنهم > رجال حول الرسول الكريم
تلاوة القران الكريم مركز تحميل كرم نت الرئيسية حياة الرسول الكريم الإعجاز العلمي مملكة حواء مملكة الطفل الأقسام التقنية والبرامج فيس بوك

   
رجال حول الرسول الكريم المواضيع التي تتحدث عن الخلفاء والصحابه رضي الله عنهم

دعوة للإنضمام لأسرتنا
عزيزي الزائر! سجلاتنا تفيد انك لست عضو لدينا في المنتدى,في حال رغبتم بالاِنضمام الى أسرتنا في المنتدى ينبغي عليكم ملء النموذج التالي!

اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر
البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
سؤال عشوائي


الجنس :
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

آخر 10 مواضيع
مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 59 - الوقت: 09:58 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) - فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 37 - الوقت: 09:57 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 43 - الوقت: 09:55 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : ويوم يعرض الذين كفروا على النار (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 43 - الوقت: 09:54 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 42 - الوقت: 09:53 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) : وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 39 - الوقت: 09:51 AM - التاريخ: 06-12-2018)           »          هو وهي ( قصص قصيرة جدا ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 59 - الوقت: 10:48 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          نِيَّات ( قصص قصيرة جدا ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 49 - الوقت: 10:46 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          البيت القوي ( تعريفات قصيرة ) (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 60 - الوقت: 10:43 AM - التاريخ: 04-12-2018)           »          عشرات القتلى والجرحى في انفجار قرب مصنع للكيماويات بالصين (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 87 - الوقت: 10:00 AM - التاريخ: 28-11-2018)

إضافة رد
   
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
   
قديم 20-06-2011, 11:15 AM   #1
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
 اوسمتي
نجوم المنتدى وسام النكريم وسام النشاط 
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي أبو بكر الصديق وحب الرسول



إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ثم أما بعد:

فإنا قد ذكرنا من قبل ذلك الكثير عن أهمية دراسة التاريخ، وأشرنا في مؤلفات متعددة إلى أنه لا جديد على الأرض، التاريخ يكرر نفسه بصورة عجيبة.

نفس الأحداث نراها رأي العين، باختلاف في الأسماء والأمكنة، فدارس التاريخ بعمق كأنه يرى المستقبل، ويقرأ ما يَجِدّ على وجه الأرض من أمور، ولا يُخدع بسهولة، مهما تفاقمت المؤامرات، ومهما تعددت وسائل المكر والمكيدة.

دارس التاريخ بعمق يعرف أين يضع قدمه؟ وكيف يقود نفسه ومجتمعه وأمته؟

دارس التاريخ بعمق كالشمس الساطعة تنير الطريق لأجيال تتلوها أجيال، وقد يمتد أثره إلى يوم تقوم الساعة، كيف لا؟ وقد ذكرنا من قبل أنه لا جديد على الأرض يكفينا الأمر الإلهي الحكيم: {فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:176].

فقص القصة، أو رواية الرواية لا يغني شيئًا إن لم يتبع بتفكر.

دراسة التاريخ ليست دراسة تكميلية أو جانبية أو تطوعية.

دراسة التاريخ ركن أساسي من أركان بناء الأمة القوية الصحيحة.

في دراستنا للتاريخ نعرض لأمور لا تستقيم حياة المسلمين بغيرها، وسنجد أننا في دراستنا للتاريخ نعرض لأمور من العقيدة، وأمور من الفقه، وأمور من الأخلاق، وأمور من المعاملات، وأمور من الأحكام.

نعرض لفقه الموازنات، وفقه الأولويات، نعرض لفقه الواقع، أو إن شئت فقل: نعرض لكل أمور الدين.

هكذا كان الله في كتابه الحكيم يقص القصة، فيعرض فيها الحجة التي تقنع العقل، ويعرض فيها الرقيقة التي تلمس القلب، وقد يعرض فيها أمرًا عقائديًّا، وقد يعرض فيها حكما فقهيًّا، ثم هو يربط القديم بالحديث، والتاريخ بالواقع، والماضي بالحاضر، فتشعر أن التاريخ حيٌّ ينبض، ولسانٌ ينطق.

أبدًا هو لا يحدثنا عن رجال ماتوا، ولا عن بلاد طواها التاريخ بين صفحاته العديدة.

وإنما هو يحدثنا عن أحداثنا، وينبئنا بأنبائنا، ويخبرنا بأخبارنا.

التاريخ ثروة مدفونة تحتاج إلى بذل مجهود، وتفريغ وقت، وحشد طاقات، تحتاج إلى عقول، وقلوب، وجوارح، تحتاج إليكم جميعًا يا من ترجون للإسلام قيامًا.

والتاريخ الإسلامي هو -ولا شك في ذلك- أنقى وأزهى وأعظم وأدق تاريخ عرفته البشرية، وسعدت الدنيا بتدوينه.

التاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة، أمة خاتمة, أمة صالحة، أمة تقية نقية، هو تاريخ أمة آمرةٍ بالمعروف ناهيةٍ عن المنكر، داعية إلى كل خير، محاربة لكل شر.

التاريخ الإسلامي هو تاريخ رجال ما عرف التاريخ أمثالهم، رجال فقهوا دينهم، ودنياهم، فأداروا الدنيا بحكمة وعيونهم على الآخرة، فتحققت المعادلة الصعبة العجيبة: عزٌ في الدنيا، وعز في الآخرة، مجد في الدنيا، ومجد في الآخرة، ملك في الدنيا، وملك في الآخرة.

التاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارة جمعت كل مجالات الحياة في منظومة رائعة راقية, جمعت الأخلاق، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والمعمار، والقضاء، والترفيه، والقوة، والإعداد، والذكاء، والتدبير.

جمعت كل ذلك جنبًا إلى جنب مع سلامة العقيدة، وصحة العبادة، وصدق التوجه، ونبل الغاية.

وصدق الله تعالى إذ يقول: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

هذا هو التاريخ في أصله وجوهره.

ولا يمنع ذلك أنه يحوي أخطاءً بعضها عظيم، ويشمل عيوبًا بعضها خطير، وإنه لمن العبث أن ندعي أنه بياض بلا سواد، ونقاء بلا شوائب، لكن من الظلم البين أن نلصق أخطاء المسلمين بدين الإسلام.

فالإسلام دينٌ لا ثغرة فيه، ولا خطأ فيه، ولا عيب فيه، دين محكم تام كامل، أنزله الذي يعلم السر وأخفى، سبحانه الحكيم الخبير، ومن خالف دين الإسلام من المسلمين، فوباله على نفسه، وليس على الإسلام.

وكثيرًا ما يخالف الناس، فتحدث هزات وسقطات، لكنها ما تلبث أن تتبع بقيام إذا ثابوا إلى رشدهم، وعادوا إلى دينهم، وإلا استبدلهم القوي العزيز بغيرهم من المجاهدين الصابرين الطاهرين.

ثم وقفة وسؤال:
هذه الثروة وهذا الكنز العظيم، ثروة التاريخ الإسلامي الطويل، مَن مِن البشر في زماننا أمَّنّاه عليها؟

مَن مِن البشر أعطيناه مفاتيح الكنوز التاريخية؛ لينقب فيها ويستخرج جواهرها؟

مَن مِن البشر أسلمناه أذننا، وعقولنا، وأفئدتنا؛ ليلقي عليها ما استنبط من أحكام وما عقله من أحداث؟

عجبًا لأمتنا!!

لقد أعطت ذلك لحفنة من الأشرار، طائفة من المستشرقين، وطائفة من المفتونين بهم من أبناء المسلمين تسلموا كنز التاريخ؛ لينهبوا أجمل ما فيه وليغيروا ويبدلوا ويزوروا، فيخرج التاريخ إلينا مسخًا مشوهًا عجيبًا، فتقطع حلقة المجد، وينفصل المسلمين في حاضرهم عن ماضيهم، كما تنفصل الروح عن الجسد تمامًا بتمام.

انتبه الشباب فوجدوا بين أيديهم سجلاً حافلاً من الصراعات والمؤامرات والخيانات والسرقات، صفحات سوداء تتلوها صفحات أسود، واحتار الشباب في تاريخهم أيمسكونه على هونٍ أم يدسونه في التراب؟!

فويلٌ، ثم ويل لمن افترى على الله كذبًا؛ ليضل الناس بغير علم.

وويل، ثم ويل لأبناء المسلمين الذي فتنوا بمناهج العلمانية، فصاغوا التاريخ صياغة مشوهة مزورة محرفة، فحرموا المسلمين من أمثلة عملية تطبيقية رائعة لكل أمر من أمور الدين.

وويل، ثم ويل لمن يقدر على التصحيح فلم يفعل، ولمن يقدر على التوضيح والتبيين فلم يفعل، ولمن يقدر على النصح والإرشاد فلم يفعل.

يقول جابر بن عبد الله: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أُنزل على محمد r.

يا الله! لهذه الدرجة؟

من سمع طعنًا في الصحابة، أو في الصالحين من الأمة، ثم لم يَرُد، كان كمن كتم ما أُنْزل على رسول الله r؟

نعم؛ لأنه: كيف وصل إلينا ما نزل على رسول الله r؟

ألم يصل إلينا عن طريق الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين؟

فإذا طُعن في هؤلاء دون توضيح لحقيقتهم الطاهرة، لم يُقبل ما يأتي عن طريقهم.

و هذا هَدم للدين بالكلية.

إذن تزوير التاريخ أمر خطير مروع، يحتاج إلى وقفات ووقفات.

و لهذا كانت هذه السطور.

ولقد اخترت لكم حدثًا جليلاً عظيمًا من أحداث التاريخ الإسلامي آثرت أن أفرد له هذا البحث، حتى ندرسه ونفقهه ونحلله؛ فنتحرك به خطوة، بل خطوات إن شاء الله إلى الأمام.

هذا الحدث الجليل هو استخلاف الرجل الجبل أبو بكر الصديق t وأرضاه على المسلمين بعد وفاة رسول r.

ولاحظوا أنني أقول استخلاف أبي بكر الصديق، ولا أقول أني سأحدثكم عن خلافة أبي بكر الصديق، فهذا يطول ويتشعب، لكني فقط في هذا البحث أتحدث عن قصة الاستخلاف:

كيف اختير أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين؟

وكيف تم؟

وما هي خطواته وما هي تبعاته؟

ماذا حدث في سقيفة بني ساعدة؟

وماذا أثير حولها من شبهات من المستشرقين وأحبابهم؟

والحق أن كثيرًا من القراء قد يتعجبون لإفراد هذا الحدث، الذي يعدونه حدثًا قصيرًا بسيطًا في التاريخ ببحث خاص.

فالحدث تم في أقل من يوم واحد، وتاريخ المسلمين أربعة عشر قرنًا من الزمان، فهل نفرد له بحثًا خاصا؟

ولماذا هذا الحدث بالذات؟

وأجيب عن هذا السؤال بنقاط خمس:

أولاً: دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي y أجمعين، تعتبر من أهم الأمور التي يجب أن يحرص عليها المسلمين، ويجب أن يحرصوا على دراستها دراسة وافية، مستفيضة شاملة لكل نقاط حياتهم، فهي فترة من أهم فترات التاريخ الإسلامي، بل هي أهمها على الإطلاق بعد فترة الرسول r، لماذا؟

لأن هذه الفترة تعتبر جزءًا من التشريع الخاص بالمسلمين، وقد يستغرب البعض أن هناك تشريعًا بعد رسول الله r، ولكن الواقع أن كثيرًا من الأمور جدت على حياة المسلمين بعد وفاة الرسول r، وكانت هذه الأمور تحتاج إلى فقهٍ واجتهاد، فاجتهد فيها هؤلاء الأخيار واختاروا آراءً سديدة ساروا عليها، وسارت الأمة معهم، فكانت تشريعًا للمسلمين.

حدثت أمورٌ ما كان لها شبيه في حياة الرسول r منها هذا الحدث الذي نحن بصدده وهو: اختيار خليفة للمسلمين.

ومنها فتوحات عظام في أراض شاسعة، وما تبع ذلك من أمور.

ومنها أمور فقهية، ومنها شبهات أثيرت فدافعوا عنها.

فترة جليلة حكم فيها خير المسلمين على الإطلاق، وكان المحكومون هم خير أهل الأرض بعد الأنبياء.

من هنا نستطيع أن نفهم حديث رسول الله r الذي رواه الترمذي رحمه الله، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أيضا أبو داود رحمه الله عن العرباض بن سارية t قال:

وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ r مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا".

وصدقت يا رسول الله، ونحن الآن نعيش في هذا الزمن الذي فيه اختلاف كثير، تشعبت بنا الطرق، وكثرت عندنا المناهج، وتعددت أمامنا الأساليب، فماذا نفعل؟

في أي طريق نسير؟

وأي المناهج نتبع؟

وأي الأساليب نختار؟

انظر إلى نصيحة رسول الله r: "وَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (بالأضراس) وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ".

عندما تتشعب الطرق عليك بسنة رسول الله r.

هذا بالطبع مفهوم، لكن لماذا يضيف r:

وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ؟

إذا كان الخلفاء الراشدون سيعيشون حياة ليس فيها اختلاف عن حياة الرسول r، فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يقلدوا الرسول r في كل شيء، ولا يبقى مجال لاجتهادهم، ومن ثم لا يقول رسول الله r: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.

لكن الواقع أن الأمور التي جدت على الأمة في عهدهم وضعت أشياء كثيرة كانت تحتاج إلى عقول ذكية، وقلوب طاهرة كعقول وقلوب الخلفاء الراشدين، فأصبح ما يفعلون ليس مقبولاً فقط، بل شَرْع للأمة إلى يوم الدين.

خلاصة هذه النقطة أن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين جزء من الدين والشرع، لا بد أن يعطي له المسلمون اهتمامًا خاصًا, وقصة الاستخلاف هي أول الأحداث في عهد الخلفاء؛ ولذلك سنتحدث عنها، ثم يليها إن شاء الله الحديث عن الأحداث الأخرى.

ثانيًا: الذي يهمنا في قصة استخلاف أبي بكر الصديق t، أننا سنستخلص أحكامًا وأمورًا هامة من هذه الحادثة تفيد جدًّا في بناء الأمة الإسلامية بناءً صحيحا:

ما هو معنى الشورى؟

وكيف التصرف عند الاختلاف؟

وما هي طرق عرض وجهات النظر؟

ولماذا يختار رجلٌ دون آخرٍ لإمارة ما؟

وأمورٌ أخرى كثيرة سيتم مناقشتها في مكانها إن شاء الله.

ثالثًا: إن هذا الحدث الهام هو بداية حياة المسلمين بدون رسول الله r.

ولا شك أن هذا أمر يدعو إلى الاهتمام، فغياب رسول الله r أمرُ صعب، والأصعب من ذلك غياب الوحي وانقطاعه عن الأرض إلى يوم القيامة، يظهر هذا واضحًا من قصة أم أيمن:

روى مسلم عن أنس t قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة الرسول r: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ r؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لا أَبْكِي أَنِّي لا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ r، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيِ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ مَعَهَا.

الصحابة كانوا يعيشون الوحي، وتخيل معي الأمر الغريب، كل يوم أو يومين يحدثهم رسول الله r بما يريده الله U منهم.

الله يقول لكم كذا.

الله ينهاكم عن كذا.

الله غفر لفلان.

الله يحب فلان.

الله يبشر فلان بالجنة.

الله يوضح لكم سبب النصر في هذه الغزوة، والله يوضح لكم سبب الهزيمة في غزوة أخرى.

إذا اختلفوا نزل الوحي يؤيد رأيًا على رأي، ويعدل المسار ويصحح الوجهة.

وفجأة انقطع الوحي بموت الرسول r، وانقطعت العلاقة التفاعلية بين الصحابة وبين الله U، وأصبح عليهم أن يجتهدوا في أن يعرفوا:

أين غضب الله؟

وأين رضاه؟

إذا اختلفوا عليهم أن يختاروا رأيا دون انتظار التعديل الإلهي، نعم وضع الله ورسوله لهم قواعد محددة للسير عليها، ولكن شتان بين الموقف قبل انقطاع الوحي، والموقف بعد انقطاع الوحي.

وحادثة استخلاف أبي بكر الصديق هي أولى الحوادث التي تمت في هذا الجو، ولا بد أن في دراستها عبرًا لا تحصى، وفوائد لا تقدر بثمن.

رابعًا: وتأتي أهمية حادث الاستخلاف أيضًا في أنه تبعه أحداث جسام في حياة المسلمين ما كانت لتتم لولا أن اختار المسلمون أبا بكر الصديق t ليكون خليفة للمسلمين، فالرجل له طابع يختلف عن كثير من الصحابة، سنتعرف عليه إن شاء الله في هذه السطور، وستشعر كم كان الله رحيمًا بالمؤمنين، ومسدِدًا لخطاهم لَمّا يسر لهم اختيار هذا الصحابي الجليل لهذه المهمة الثقيلة، مهمة خلافة المسلمين بعد رسول الله r.

على سبيل المثال:
حرب الردة، فلولا أبو بكر الصديق لما كانت تلك الحروب الضارية الدامية الواسعة النطاق.

أيضا الفتوحات الإسلامية العجيبة لدولة فارس والروم، أحداث من العجب أن تتكرر على هذه الصورة، إلا بقيادة مثل قيادة أبي بكر الصديق، قد يكون من السهل على من تبعه من خلفاء أن يقوموا بالفتوحات من بعده؛ لأنه فتح لهم الطريق، لكن يبقى الأثر أعمق، والأجر أعظم لمن بدأ بسَنّ سُنّة حسنة تبعه فيها الآخرون.

حادث الاستخلاف هو النقطة التي انطلقت منها الأمة إلى هذه الأحداث الجسام، فلابد أن دراسة هذه الفترة ستلقي بظلال هامة على هذه الأحداث العجيبة.

خامسًا: ومن أهمية دراسة هذا الحدث الخطير أيضًا أنه كثر طعن المستشرقين وأتباعهم في كل من شارك في هذه العملية الهامة.

لم يتركوا أحدًا، ضربوا كل الرموز الإسلامية العظيمة، وأظهروا الأمر على أسوأ ما يكون، طعنوا في أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح، وعائشة، وسعد بن عبادة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، والسيدة فاطمة، بل طعنوا في علي بن أبي طالب في صورة الثناء عليه، وذموه في صورة المدح، طعنوا في العباس بن المطلب عم رسول الله r.

خلاصة الأمر أنهم أخرجوا لنا صورة مهلهلة قبيحة لخير الأجيال، وخير القرون.

فإن كان هم كذلك، فأي خير يرتجي مَن جاء مِن بعدهم؟

وأخطر من ذلك: إن كانوا هم كذلك فكيف نأخذ ديننا عن طريقهم؟

وكيف نقبل باجتهادهم؟

فالمستشرقون بذلك يضربون الدين في عمقه ويدمرون الإسلام في أصوله.

هذا الكلام، ليس تاريخًا قديمًا فعله بعض المستشرقين في السابق، والحال الآن غير ذلك، بل هذا الكلام ما زال يتردد في أفواه بعض من يدرسون التاريخ في الجامعات المتخصصة سواء في الجامعات المحلية، أو الجامعات الغربية التي تفتح فروعًا في البلاد الإسلامية، وبالطبع يردد أيضًا بكثرة في الجامعات الغربية في خارج الأقطار الإسلامية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين.

هنا وجب علينا أن ندفع هذه الشبهات، وأن نوضح للناس الصورة الحقيقية للأحداث التي تمت بخصوص هذه القصة، قصة استخلاف أبي بكر الصديق t، وعن صحابة الرسول r أجمعين.

لهذه الأسباب مجتمعة فإننا نستعين بالله في شرح هذا الحدث، وسنتبعه بغيره إن شاء الله، فتاريخ المسلمين بحق بحرٌ لا ساحل له.

ولكي نفهم هذا الحدث الكبير، ولكي نستوعب اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين، لا بد أن ندرس في البداية شخصية هذا الرجل النادر.

لا بد أن نعرض لطرف بسيط من حياته.

نحن لا نستطيع أن نفتح الباب على مصراعيه لرؤية شخصية هذا الرجل الفذ العملاق، نحن فقط نلقي نظرةً على استحياء لنعرف: ما هذا؟

ما هي مفاتيح الشخصية عنده؟

ما سر هذه الرؤية الواضحة عنده في كل الأمور؟

ما سر هذه الدرجة الرفيعة التي نالها في دنياه وآخرته؟

أبو بكر الصديق t شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة، والرحمة والقوة، والأناة والسرعة، والتواضع والعظمة، والبساطة والفطنة.

شخصية عجيبة، جمعت كل ذلك، وأضعافه من فضائل الأخلاق والطباع، وهبه الله حلاوة المنطق، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة، وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، وسعة الأفق، وبعد النظرة، وصلابة العزيمة، كل هذا وغيره، وليس بنبي، إن هذا لشيء عجيب.

فشخصية أبي بكر الصديق t شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ.

انظر تقييم علي بن أبي طالب لهذه الشخصية، أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ r؟ قال: أَبُو بَكْر. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قال: مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وهذا تواضع من علي بن أبي طالب.

تُرى كيف كانت شخصية هذا الرجل الذي هو خير الناس بعد رسول الله r؟

قال رسول الله r في جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري t: "إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةَ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتَه"ُ.

فهذه مقامات عالية جدًّا، فأبو بكر الصديق كما في الحديث من أَمَنّ الناس على رسول الله r؛ أي أكثرهم مِنّة وفضلاً.

وهذا رسول الله r يتخذ الله خليلاً ولولا ذلك لاتخذ أبا بكر؛ أي أنه لو اصطفى من البشر خليلاً لكان أبو بكر t، ولكن أخوة الإسلام.

كيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

وكيف وصل إليها؟

لا نريد دراسة أكاديمية لحياة أبي بكر الصديق، ولكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم، كيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

وكيف حافظ عليه؟

ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل، فنصل إلى ما إليه وصل؟

- بتحليل شخصية أبي بكر الصديق t وأرضاه، وجدت أنه يتميز عن غيره في جوانب كثيرة من أهمها خمسة أمور، من هذه الأمور الخمسة تنبثق معظم صفات الصديق t وأرضاه:

- حب رسول الله r.

- رقة القلب، ولين الجانب.

- السبق والحسم.

- إنكار الذات.

- الثبات.

وهذه الصفات الخمسة هي التي سنتناولها في الجزء الأول من البحث، بإذن الله.

أما في الجزء الثاني، فسنتوقف عند أحداث السقيفة، لكي نتناول بشيء من التفصيل:

- أحداث يوم السقيفة.

- شروط الاستخلاف.

- استخلاف الصديق بين التلميح والتصريح.

- شبهات حول استخلاف الصديق.

ثم ننتهي بعد ذلك إلى دروس من حياة الصديق .t

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا..

حبه الصادق لرسول الله r:
أحبه حبًّا خالصًا خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوينه، والصحابة جميعًا أحبوا رسول الله r حبًّا عظيمًا فريدًا، ولكن ليس كحب أبي بكر الصديق t.

هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد، بل فاق حب الدنيا جميعها.

وحب رسول الله r من مكملات الإيمان، فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس t قال: قال رسول الله r: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

وأبو بكر الصديق t أشد الناس إيمانًا، فهو إذن أشد الناس حبًّا للرسول r، ففي حديث رسول الله r في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r ذَاتَ غَدَاةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ".

هذا الحب المتناهي، له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبًا، ولو تتبعت رحلة الصديق t مع رسول الله r لرأيت حبًّا قلما تكرر في التاريخ.

وتعالوا نقلب الصفحات في حادث واحد فقط هو حادث الهجرة إلى المدينة المنورة:

- لما جاء رسول الله r إلى بيت أبي بكر في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، أول ما قاله أبو بكر قال: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

- ولما أخبره رسول الله r بأمر الهجرة قال أبو بكر الصديق بلهفة: الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال رسول الله r: "الصُّحْبَةُ".

فماذا كان رد فعل أبي بكر لما علم أنه سيصاحب رسول الله r؟

أترك لكم السيدة عائشة تصور هذا الحدث: قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

يا الله، يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله r، مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس، فمكة كلها تطارده r، ويكون فيها ضياع المال، ويكون فيها ضياع الأهل، ويكون فيها ترك البلد، لكن ما دامت في صحبة رسول الله r، فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة:

عند الوصول إلى غار ثور وهي لقطة (بدون تعليق):

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شر أصابني دونك. فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا، فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله r: ادخل. فدخل رسول الله r، ووضع رأسه في حجره ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله من الجُحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله r، فسقطت دمعة على وجه رسول الله r فقال: "مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟" قال: لدغت فداك أبي وأمي. فتفل رسول الله r فذهب ما يجده.

- لقطة أخرى من لقطات الهجرة: لقطة يحكيها أبو بكر الصديق كما أوردها البخاري في صحيحه، يقول: ارتحلنا من مكة فأحيينا، أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل، فسويته بيدي، ثم فرشت للنبي r فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله.

فاضطجع النبي r، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا فسألته: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لبنًا؟ قال: نعم.

فأمرته فاعتقل شاه من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن، ومعي دواة حملتها للنبي r يرتوي منها يشرب ويتوضأ. فأتيت النبي r، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قال: "أَلَمْ يِأْنِ الرَّحِيلُ؟" قلت: بلى. فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. فقال: "لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".

- لقطة أخيرة من لقطات الهجرة وليست الأخيرة من لقطات أبي بكر الصديق t، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب t قال: خرج رسول الله r إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله r، فسأله، فقال له: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟". قال: نعم، والذي بعثك بالحق.

هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

كلا والله، يقول رسول الله r في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة t: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِِنْهَا اخْتَلَفَ".

فلأن أبو بكر الصديق أحب رسول الله r هذا الحب الذي فاق كل حب، فإن رسول الله r قد رفع مكانته في قلبه فوق مكانة غيره.

روى الشيخان عن عمرو بن العاص t أن رسول الله r بعثه على جيش ذات السلاسل، يقول: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عَائِشَةُ". قلت: من الرجال؟ قال: "أَبُوهَا". قلت: ثم من؟ قال: "عُمَرُ". فعد رجالاً.

سؤال: هل كان يُرْغِمُ أبو بكر الصديق t نفسه على هذا الحب؟ هل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله r على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

أبدا والله، لقد انتقل الصديق من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات إلى مرحلة التمتع، والتلذذ بفعل الخيرات، انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه.

يقول رسول الله r في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس t: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".

هذا الحب الفريد لرسول الله r قاد إلى أمرين عظيمين يفسران كثيرًا من أعمال الصديق t الخالدة في التاريخ:

اليقين الكامل بصدق ما قال رسول الله r :
اليقين الكامل بصدق ما قال رسول الله r دون جدال أو نقاشٍ أو تنطع. ما نهى عنه ينتهي، وما أمر به يأتي منه ما استطاع، ونجد مصداق ذلك في أحداث كثيرة منها:

- عُرِض الإسلام على أبي بكر، وأن يدخل في دين جديد ما سمع به من قبل، وأن يترك دين الآباء والأجداد، وأن يخالف الناس أجمعين، ويتبع رجلاً واحدًا، أمر عجيب لا بد أن يلتفت إليه.

يقول رسول الله r: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلامِ إِلا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلا أَبَا بَكْرٍ مَا عَتم (كف بعد المضي فيه) عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ". يقين كامل أن هذا الرجل r لا يكذب.

- حادث الإسراء:
أخرج الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. وهذا أمر عجيب جدًّا، وَضَعْ نفسك مكان أبي بكر الصديق، فالمسافة بين مكة والقدس أكثر من مائة يوم للذهاب فقط، فكيف يذهب، ويعود في ليلة؟! قال: أوَقال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: لقد صدق. دون أن يذهب إلى رسول الله ليستوثق منه، ثم يعطي التبرير لمن يستمع له، قال: إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة.

ويقال إنه لأجل هذه الحادثة سمي أبا بكر الصديق، والثابت أن رسول الله r هو الذي سمى أبا بكر بالصديق.

روى البخاري عن أنس t أن النبي r صعد أحد، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: "اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ".

بل في رواية الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة رحمه الله أن الذي سماه بذلك هو الله U، قال النزال بن سبرة: قلنا لعلي: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن أبي بكر. قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل، وعلى لسان محمد r، وكان خليفة رسول الله r، رضيه لديننا، فرضيناه لدنيانا. ويقول الله U: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [الزُّمر: 33]. قال علي بن أبي طالب t: الذي جاء بالصدق محمد r، والذي صدق به هو أبو بكر الصديق t.

كما أننا نجد أن حياة الصديق t ما هي إلا تصديق مستمرٌ متصلٌ لرسول الله r.

- موقفه بعد صلح الحديبية، والموقف في صلح الحديبية كان شديد الصعوبة، فالرسول r كان قد رأى في منامه أنه يدخل المسجد الحرام، ويعتمر الناس، ثم لم يحدث هذا في ذلك العام، ثم عقدت معاهدة بنودها في الظاهر مجحفة وظالمة للمسلمين، ثم طبقت المعاهدة على أبي جندل بن سهيل بن عمرو مباشرة بعد إتمام المعاهدة، فرده رسول الله r إلى المشركين لما جاءه مسلمًا في مشهدٍ مأساوي مؤثر.

كل هذه الأمور وغيرها أثرت كثيرًا في نفسية الصحابة بِهَمٍّ عظيم، وغَمٍّ لا يوصف، وكان من أشدهم غمًّا وهمًّا عمر بن الخطاب t، انظر ماذا فعل عمر على عظم قدره، وفقهه، وماذا فعل الصديق رضي الله عنهما. أما عمر بن الخطاب t فقد ذهب إلى رسول الله r والغيظ يملأ قلبه فقال: أتيت النبي r فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله حقًّا؟ وهو لا يشك في ذلك قطعًا، ولكنه يبدي استغرابه مما حدث. قال: "بَلَى". قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: "بَلَى". قلت: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: "بَلَى". قلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذن؟

وعمر هنا ليس قليل الإيمان، بل بالعكس يريد ما هو أشق على النفس، ولا يسأل التخفيف أو التغاضي، والرسول r كان من عادته أن يوضح، ويبين لكن هنا الرسول يربي على الاستسلام دون معرفة الأسباب، ودون معرفة الحكمة، ما دام الله قد أمر.

قال: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، وَلَسْتَ أَعْصِيهِ". قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟". قلت: لا. قال: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ.

والرسول r صابر جدًّا في حديث عمر؛ لأنه يعلم ما به من الغم ويعذره، وهذه درجة عالية جدًّا من درجات الإيمان وهي غليان القلب حمية للدين.

لكن تعال من الجانب الآخر وانظر إلى أبي بكر. قلت: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى حق.

هنا يغضب الرجل الرقيق؛ لأنه شعر أنه في هذه التلميحات إشارة، ولو من بعيد إلى شك في وعد رسول الله r. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرك إنك تأتيه العام؟ قلت: لا.

ولعلنا نلاحظ التشابه الشديد بين ردود الصديق t عنه، وردود رسول الله r. قال: فإنك آتيه ومطوف به.
يقين تام، ليس فيه ذرة شك من كلام رسول الله، هذا هو الصديق t، فكان عمر يقول: "ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به".

- هذا اليقين أيضًا يفسر لنا موقفًا عجيبًا من مواقف الصديق t وهو موقف إعلان الحرب على الفرس، فور الانتهاء من حرب الردة، فهذا من أعجب مواقف التاريخ على الإطلاق، ولنحسبها بحساباتنا المادية البشرية:

- فالدولة دولة ناشئة لا تشتمل إلا على جزيرة العرب فقط.

- والدولة ليس لها تاريخ في الحروب النظامية، فهي مجموعة من القبائل جمعها رسول الله r منذ أعوام قلائل.

- والدولة خارجة من حرب أهلية طاحنة، هي حروب الردة الضارية، والتي ارتدت فيها كل جزيرة العرب باستثناء ثلاث مدن وقرية.

- والفرس دولة تقتسم العالم مع دولة الروم، أي أنها إحدى الدول العظمى في العالم.

- وتاريخ الفرس قديم في الحروب النظامية، وجيوش الفرس تجاوز الملايين.

- والجيش الإسلامي المعد لحرب الفرس لم يكن يتجاوز العشرة آلاف وصلوا إلى ثمانية عشر ألفًا عند اكتمال العدة، وهو عدد لا يمثل قوة مدينة واحدة من مدن الفرس.

كل هذا وغيره، ومع ذلك يأخذ هذا القرار العجيب بالتوجه لفتح هذه البلاد.

وحتى تفهم هذا القرار ارجع وادرس الموقف في ضوء اليقين الذي تحلى به الصديق t:

أولاً: رسول الله r قد بَشّر بغلبة هذا الدين بصفة عامة على كل الأمم، والأحاديث أكثر من أن تذكر في هذا المجال، ولكن على سبيل المثال ما جاء في صحيح مسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا".

ثانيًا: ثم لقد سمع بشارة من رسول الله r أكثر تخصيصًا، فإن رسول الله r قال لمشركي قريش، وكان فيهم أبو جهل: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَبَ، وَلانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ". فقال أبو جهل: ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها. قال: "تَقُولُونَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ". فصفقوا بأيديهم وقالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا وحدًا؟ إن أمرك لعجب.

وأبو بكر قد قال كلمة لا إله إلا الله وصدق بها وعمل بها وجيش أبي بكر كذلك، فلماذا لا ينصر؟ بل العجب كل العجب ألا ينصر.

ثالثًا: بل هو قد سمع بشارةً أكثر تخصيصًا أيضًا من تلك التي سبقت، فقد كان مع المسلمين في حفر الخندق في الأحزاب يوم اعترضت المسلمين صخرة كبيرة، فقام إليها رسول الله r وضربها، وكان مما قال: "اللّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ فَارِسَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الآنَ".

رابعًا: بل هو رأى بعينه وسمع بأذنه هو دون بقية الصحابة ما حدث في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة من أمر سراقة بن مالك، ورأى أقدام فرسه تسوخ في الرمال، ثم رسول الله r يقول لسراقة: "كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟"

خامسًا: كما أنه t حضر مباحثات رسول الله r مع بني شيبان أيام مكة، ولما رفض بنو شيبان الدعوة الإسلامية؛ لأنهم اشترطوا شرطًا أن لا ينصروه إذا حارب الفرس، فإنهم ليست لهم طاقة بحرب الفرس، فماذا قال لهم رسول الله r قال: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَنْ تَلْبَثُوا إِلا قَلِيلا حَتَّى يُوَرِّثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِسُونَهُ؟", فقالوا: اللهم لك هذا.

سادسًا: بل أكثر من ذلك، فقد حدث من أبي بكر الصديق t ما يذهب العجب عندك حينما تعلمه، فإنه في أوائل الفترة المكية قد نزل القرآن الكريم بمقدمات سورة الروم وفيها:

{الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ} [الروم: 1, 4].

وكان هذا إخبار بما حدث من هزيمة الروم وبما سيحدث من انتصارهم لاحقًا على الفرس. ذهب أبو بكر يذكر ذلك للمشركين يغيظهم به، وقد كان المسلمون يفرحون لنصر الروم؛ لأنهم أهل كتاب، بينما يفرح المشركون لنصر الفرس؛ لأنهم وثنيون مثلهم. فقال أبو بكر: ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا. فصاح به أُبَي بن خلف الجمحي: كذبت يا أبا فصيل. فقال الصديق: أنت أكذب يا عدو الله. قالوا: هل لك أن نقامرك. فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين فمضت السبع، ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، فشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي r فقال: "مَا بِضْعِ سِنِينَ عِنْدَكُمْ؟". قالوا: دون العشر. قال: "اذْهَبْ فَزَايِدْهُمْ وَازْدَدْ سَنَتَيْنِ فِي الأَجَلِ". قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس.

إذن هل يوقن الصديق بنصر النصارى على الفرس ولا يوقن بوعد رسول الله r بنصر المسلمين على الفرس وغيرهم؟ هذا والله أبدًا لا يكون.

كانت هذه بعض المواقف التي دلت على يقين الصديق t فيما قاله رسول الله r، يقينا تامًّا، لا يعتريه شك.

الاقتداء الكامل برسول الله r :
أما الأمر الثاني الذي قاده إليه حب رسول الله r فهو الاقتداء الكامل برسول الله r حتى وإن لم يدرك الحكمة، وهو يتمثل بقوله I: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

وأبو بكر الصديق t يحب الله U حبًّا لا يُقَدر، ويعلم أن الطريق الطبيعي لحب الله هو اتباع الرسول r الاتباع المطلق.

فإن علم الحكمة فبها ونعمت، وإن لم يعلمها فالعمل هو العمل بنفس الحماسة ونفس الطاقة.

كثير من الناس يعرضون أقوال الرسول r على عقولهم القاصرة، فإن وافقت موافقة من عقولهم فعلوها، وإن لم توافق عقولهم أو أهوائهم تركوها ونبذوها، بل قد يسخرون منها، أما أبو بكر فلم يكن من هذا النوع، أبو بكر الصديق t كان يقتدي برسوله r في كل صغيرة وكبيرة، حتى لتشعر أنه لا يفرق بين فرض ونافلة، التصاق شديد بسنة رسول الله r، وبطريقته ومنهجه، إذا كنت تريد أن تصل إلى ما وصل إليه أبو بكر وأمثاله y فاعلم أن قدر السنة عندهم كان عظيمًا جدًّا.

- ما معنى السُّنة؟
ليس المقصود بالسنة النوافل التي كان يؤديها رسول الله r, المقصود من السنة أنها الطريقة، المنهاج، السبيل الذي كان يسلكه في حياته كلها.

السنة هي طريقته في السلم والحرب، في الأمن والخوف، في الصحة والمرض، في السفر والإقامة، في السياسة والاقتصاد، في الاجتماع، وفي المعاملات، في كل وجه من أوجه الحياة.

ابتليت الأمة الآن بمن يقللون من شأن السنة ويكتفون -كما زعموا- بأوامر القرآن، ويتركون توجيه رسول الله r، وكأنه توجيه رجلٍ من الصالحين أو شيخ من الشيوخ، ونسوا أن له مقامًا لا يصل إليه أحد من البشر، فهو يتلقى عن رب العزة، ويصف لك ما فيه خير الدنيا، وخير الآخرة.

وقد تنبأ رسول الله هذه الكارثة وهي التقليل من شأن السنة، فقد روى أبو داود والترمذي أن رسول الله قال: "يُوشِكُ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ عَنِّي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ".

أي أنه سيكتفي بكتاب الله، وينكر السنة، وكلهم جاهل بكتاب الله، ولو قرأه لعلم ما فيه من آيات تخص اتباع رسول الله r:

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

ألا وإن ما حرم رسول الله r مثل الذي حرم الله.

مشكلة خطيرة يقع فيها كثير من الناس إما بجهل، وإما بقصد، وتلك هي الطامة الكبرى.

فعندما ننظر إلى حياة الصديق t تجد اقتداء برسول الله r فاق كل اقتداء، تشعر به في أقواله، وفي أفعاله، وفي حركاته وسكناته، وبهذا بلغ المنازل.

الصديق وبعث أسامة :
- انظر مثلاً إلى موقفه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة، فلا نعطيه قدره، ونتخيل أنه مجرد جيش خرج، ولم يلق قتالاً يذكر فأي عظمة في إخراجه؟! بيد أن دراسة ملابسات إخراجه، وتأملها تدل على عظمة شخصية الصديق، وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أعمال خلافته، قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله r دون تردد، ولا شك، فقد كان رسول الله r قد أعد هذا البعث لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية، وقد أمّر عليه أسامة بن زيد، ولم يبلغ الثامنة عشر من عمره، ثم توفي رسول الله r، وارتدت جزيرة العرب كلها إلا ثلاث مدن هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة، وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.

الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ومع هذا أصر أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر؛ لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين فكيف يرسل جيشًا كاملاً إلى الروم ويترك المرتدين، والحق أنه قرار عجيب، البلاد في حرب أهلية طاحنة، وبها أكثر من عشر ثورات ضخمة، ثم يرسل زعيم البلاد جيشًا لحرب دولة مجاورة، كان قد أعده الزعيم السابق، لكن أبو بكر كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ما دام رسول الله r قد أمر فلا مجال للمخالفة، حتى وإن لم تفهم مقصود رسول الله r، حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية، وهذه درجة عالية من الإيمان، كما أن رسول الله r قد علم بردة مسيلمة في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن، ومع ذلك قرر تجهيز الجيش، وإرساله إلى الشام، وما دام رسول الله r قد أمر، فالخير كل الخير فيما أمر، فأصر على إنفاذ البعث إلى الروم.

جاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه، وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق t، فماذا قال لهم؟

قال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله r، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.

وبالفعل أنفذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان الخير في إنفاذه، إذ أرعبوا قبائل الشمال، وسكنت الروم، وظنوا أن المدينة في غاية القوة، وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم، وحفظ الله المدينة بذلك، ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق t، لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه؛ لأنه يرى بعين رسول الله r.

ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق قال بعضهم لعمر بن الخطاب: قل له فليؤمر علينا غير أسامة.

فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله r؟ وقد كانت لحظات الغضب في حياته t قليلة جدًّا، وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله U، أو عطل أمر من أوامر رسول الله r.

- خطابه إلى عمرو بن العاص t: فقد كان رسول الله r قد ولى عمرو بن العاص مرة على عمان، ووعده أخرى بالولاية عليها، فلما استتب الأمر لأبي بكر الصديق بعد حروب الردة ولى عليها عمرو بن العاص تنفيذًا لوعد رسول الله r، مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها حسبما رأى المصلحة، هذا أمر ليس شرعيًّا حتميًّا، ولكنه لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة، وهذا هو الذي وصل به إلى درجته، وهذا الذي رفع قدره، وهذا الذي سلم خطواته، وهذا الذي سدد رأيه.

ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام، وعمرو بن العاص طاقة حربية هامة جدًّا، لكن أبو بكر الصديق تحرج من استقدامه في مكان وضعه فيه رسول الله r مخافة أن يكره ذلك عمرو بن العاص فأرسل له رسالة لطيفة يقول فيها:

إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله r وَلاَّكه مرة، وسماه لك أخرى؛ مبعثك إلى عمان إنجازًا لمواعيد رسول الله r، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.

- هيبته في جمع القرآن، فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة، وخشي الصحابة على ضياع القرآن ذهبوا إلى أبي بكر يعرضون عليه فكرة جمع القرآن، فكان متحرجًا أشد التحرج من هذا العمل الجليل، قال:

كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله r؟

ورسول الله r لم ينه عن جمعه، ولكن كان من عادة الصديق t أن ينظر إلى فعل رسول الله r قبل الإقدام على أي عمل، فما وجده اتبعه، فلما نظر ولم يجد رسول الله قد جمع القرآن تهيب الموقف، واحتار، ولكنه لما اجتمع عليه الصحابة، وأقنعوه وخاصة عمر، استصوب جمعه لما فيه من خير.

وهكذا في كل مواقفه t ستجد حبًّا عميقًا لرسول الله r، دفعه إلى اليقين بصدق ما قال، ودفعه أيضًا إلى الاقتداء به في كل الأفعال والأقوال، ومع ذلك فإن هذا الحب العميق لم يدفعه إلى الظلم أبدًا.

وأكتفي كدليل على ذلك بحادثة واحدة في حياة الصديق t فقد خطب رسول الله r ابنة أبي بكر عائشة حين ذكرتها خوله بنت حكيم، وكان المطعم بن عدي قد خطبها قبل ذلك لابنه, فقال أبو بكر لزوجه أم رومان: إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط. ثم أتى مطعمًا وعنده امرأته فسأله: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ فأقبل الرجل على امرأته ليسألها ما تقولين؟ فأقبلت هي على أبي بكر تقول: لعلنا إن أعطينا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه. فلم يجيبها أبو بكر، فسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟ فكان جوابه: إنها تقول ما تسمع.

فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده، وقَبِلَ خطبة رسول الله r بعد أن كان علقها على موافقة المطعم بن عدي مع رغبة نفسه الأكيدة في مصاهرة رسول الله r، طراز نادر من الرجال t.

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك





 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 11:18 AM   #2
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول




أبو بكر الصديق ورقة القلب


بعض النفوس تكون في طبيعتها غليظة جافة، والبعض الآخر يكون في قلبه رحمة فطرية غير مصطنعة غير متكلفة، وكان أبو بكر t من هذا النوع الأخير.

لقد سمع أبو بكر وصايا حبيبه محمد r، فحفظها، وعقلها وعمل بها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".
كانت رقة قلب أبي بكر الصديق t تنعكس على حياته الشخصية، وتنعكس على علاقاته مع الناس, وتستطيع بعد أن تدرك هذه الحقيقة، حقيقة أنه جُبِل على الرحمة والرقة والهدوء أن تفهم كثيرًا من أفعاله الخالدة t.

عن عائشة رضي الله عنها كما روى البخاري ومسلم، قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله r طرفي النهار، بكرةٍ وعشية، فلما ابتلي المسلمون (تقصد في فترة إيذاء المشركين للمسلمين في مكة) خرج أبو بكر مجاهدًا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.

سبحان الله، سيترك التجارة والمال، والوضع الاجتماعي المرموق، والبيت والأهل والبلد والكعبة، بل أعظم من ذلك عنده سيترك رسول الله r.

هناك بعض الناس يحبون أن يعبدوا الله بالطريقة التي يرونها هم صحيحة، لكن أبو بكر كان يعبد الله بالطريقة التي يريدها رسول الله r، كان من الممكن أن يبقى أبو بكر في مكة، ويعبد الله في سرية، ويتاجر، ويحقق المال الذي يفيد الدعوة، لكن رسول الله أراد له الهجرة؛ لأنه ليست له حماية في مكة؛ لأن قبيلته ضعيفة، وهي قبيلة بني تيم، فترك كل شيء وهاجر، وإلى أرض بعيد مجهولة غير عربية، إلى الحبشة، لكنَّ الله أراد لأبي بكر غير ذلك، فأراد الله له البقاء في مكة فسخَّر له ابن الدغنة. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ونلاحظ أنها نفس الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة في وصف رسول الله r. ثم قال ابن الدغنة لأبي بكر: فأنا لك جار ارجع، واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشيًة في أشراف قريش فقال لهم: أتُخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟

فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
لأن قلوب النساء، والأبناء قلوب رقيقة، وأبو بكر رجل رقيق، يخرج كلامه من القلب، فيصل إلى القلوب الرقيقة المفتقرة للمعرفة، لكنهم لا يخشون على الرجال فقلوبهم كانت قاسية، عرفت الحق، واتبعت غيره.

فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره (يعني لا يقرأ في الكعبة ولا في مجالس التقاء الناس ولا في السوق) ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.

لا يريد أن يكتم أمر الدعوة، تتحرق نفسه شوقًا لإسماع غيره كلام الله U، وتشفق روحه على أولئك الذين سيذهبون إلى النار إذا ماتوا على كفرهم تمامًا كرسول الله r الذي خاطبه ربه بقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]. هكذا كان أبو بكر الصديق t.

أبو بكر الصديق يبكي عند قراءة القرآن :
كان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن, ولقد أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم, فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا في فناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه.

وهذا أمر طبيعي جدًّا، فإذا وصلت كلمات الله وكلمات الرسول خالصة نقية إلى أسماع الناس وجردوا قلوبهم من المصالح، فمن الطبيعي جدًّا أن يؤمنوا بها: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وطبيعي جدًّا أن يقاتل الكافرون دون ذلك، وهم يعلمون صوابها: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].

قالوا: فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

هنا وُضع ابن الدغنة في موقف حرج فهو لا يريد أن يخسر كل أهل قريش، كما أنه ليس من أهل مكة الأصليين ويبدو أن الكفر الشديد والعناد الكبير سيجعل مكة تغير من قوانينها وأصولها فتكسر قواعد الحماية وتعطل قانون الإجارة، ولذا قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر t فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجلٍ عقدت له.

هنا لا يتردد أبو بكر الصديق t، فالدعوة في مقدمة حياته على كل شيء حتى على حياته وروحه, فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله U.

كانت هذه طبيعة أبي بكر، وكلنا يعلم أنه لما اشتد برسول الله r وجعه، وذلك في مرض الموت، قيل في الصلاة, فقال r: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء. فقال r: "مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ".

وفعلاً صلى أبو بكر بالناس، وفعلاً بكى كعادته في قراءة القرآن تمامًا كما وصفته ابنته الفاضلة السيدة عائشة رضي الله عنها: رجلٌ رقيقٌ.

موقف أبي بكر مع ربيعة الأسلمي رضي الله عنهما:
هذه النفس الرقيقة، والقلب الخاشع، والروح الطاهرة النقية، والطبيعة الهينة اللينة تفسر لنا كثيرًا من مواقف أبى بكر العجيبة:

أخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي t قال: جرى بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي كلمة كرهتها وندم.

ولنتأمل أن هذا الكلام يدور في المدينة، وأبو بكر هو المستشار الأول لرسول الله r، بمعنى أنه نائب الرئيس مباشرة، وربيعة الأسلمي هو خادم رسول الله r، فقال أبو بكر كلمة كرهها ربيعة، ويبدو أن الخطأ كان في جانب أبي بكر، وأدرك ذلك، ويحدث أن يخطئ البشر مع علو قدرهم، وسمو أخلاقهم، لكنه ثاب إلى رشده بسرعة عجيبة، وشعر بالندم كما قال ربيعة وهو يصف الموقف، لكن هل وقف الندم عند حد الشعور به والتألم الداخلي فقط؟ أبدًا، رقة نفس أبي بكر خرجت بهذا الندم إلى خير العمل وأسرع، وهو نائب الرئيس يقول لربيعة الخادم: يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصًا. فقال ربيعة: قلت: لا أفعل.

أدب ربيعة أثر تربية رسول الله r:
قال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله r. فقال ربيعة: فقلت: ما أنا بفاعل. فانطلق أبو بكر t إلى النبي r، وانطلقت أتلوه، وجاء أناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله r وهو الذي قال لك ما قال. فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة في الإسلام، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه، فيغضب، فيأتي رسول الله r فيغضب لغضبه، فيغضب الله U لغضبهما، فيهلك ربيعة.

والله إنه لمجتمع عجيب، وأعجب منه الإسلام الذي غير في نفسيات القوم في سنوات معدودات حتى أصبحوا كالملائكة. قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا. وانطلق أبو بكر الصديق t وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله r، فحدثه الحديث كما كان، فرفع إلي رأسه فقال r: "يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ وَالصِّدِّيقُ؟" فقلت: يا رسول الله كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهتها, فقال لي: قل كما قلت حتى يكون قصاصًا. فأبيت. فقال رسول الله r: "أَجَلْ، لا تَرُدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُلْ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ". فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. قال الحسن: فولى أبو بكر t وهو يبكي.

وكان من رقته وحنانه أنه يشفق على المستضعفين في مكة، يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: كان أبو بكر الصديق يعتق على الإسلام في مكة. بمعنى أنه إذا أسلم الرجل، أو المرأة اشتراه من صاحبه وأعتقه. فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالاً جلدًا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟

وقد كان أبو بكر الصديق في حاجة إلى ذلك؛ لأن قبيلته قبيلة تيم كانت ضعيفة وصغيرة. فقال أبو بكر الصديق: أي أبت أنا أريد ما عند الله. فنزل فيه قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5-7].

ونزل في أبي بكر كذلك قول الله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 17-21].
وتأمل معي حينما يَعِدُ الله سبحانه وتعالى بنفسه عبده بأنه سيرضى، أيُّ ثمن دُفع وأيُّ سلعة تُشْترى؟ ما أزهد الثمن المدفوع، ولو كان الدنيا بأسرها، وما أعظم السلعة المشتراة لأنها الجنة.

لما وقع حادث الإفك وتكلم الناس في حق أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ابنة أبي بكر الصديق t، كان ممن تكلم في حقها مسطح بن أثاثة t، وهو من المهاجرين، وهو ابن خالة الصديق t، فحلف الصديق أن لا ينفع مسطح بنافعة أبدًا.

وهذا رد فعل تجاه من طعن في عرض ابنته، فمسطح لم يتكلم في خطأ عابر لأم المؤمنين السيدة عائشة، بل يطعن في عرضها وشرفها وهذه جريمة شنعاء وذنب عظيم. فلما نزلت البراءة وأقيم الحد على المتكلمين نزل قول الله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

لا يأتل: أي لا يحلف.

أولوا الفضل: وهو وصف خاص بالصديق t، وللعلماء تعليقات كثيرة على هذه الشهادة من رب العالمين على أبي بكر الصديق أنه من أولي الفضل على إطلاقها، فهي تعني كل أنواع الفضل.

فماذا كان رد فعل أبي بكر الصديق t؟
قال أبو بكر الصديق: بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا. ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من نفقة وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

كل هذا وهو ليس بذنب، بل قطع فضلاً ولم يقطع حقًّا لمسطح. أما نحن فللأسف الشديد، كم مرة نسمع المغفرة، ونحن على ذنب كبير حقيقي، ونسمع: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، فنقول: إن شاء الله، ونُسَوف في التوبة، كم مرة سمعناها، ونحن على ذنوبنا؟

هذا هو الفرق بين الصديق، السبّاق إلى التوبة من ترك فضل وبين المُسَوّفين في التوبة، فيجب علينا أن نتوب في هذه اللحظة؛ لكي نكون قد تعلمنا حقًّا من أبي بكر الصديق t وأرضاه.

روى مسلم عن أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني t أن أبا سفيان أتى عَلى سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر t: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي r فأخبره، فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ". فأتاهم فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، غفر الله لك يا أخانا.

الصديق وأسرى بدر :
ولما استشاره رسول الله r في أمر الأسرى في موقعة بدر، ماذا كان يرى في أولئك الذين عذبوهم وأخذوا أموالهم، وطردوهم من ديارهم، وحرصوا على حربهم، وكادوا يقتلونهم في بدر لولا أن الله مَنَّ على المؤمنين بالنصر؟

لو نظرنا إلى أبي بكر لوجدناه وكأنه يتحدث عن أصحابه لا يتحدث عن الأسرى، لقد قال: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ فيهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.

أما عمر بن الخطاب، فقد كان جوابه مختلفًا، قال رسول الله r: "مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟", فيرد عمر بن الخطاب فيقول: ولنتأمل كلام عمر بن الخطاب t وهو ملهم، ومحدث ومسدد الرأي، وفيه شدة واضحة على الكفر وأهله، وهي شدة محمودة في زمان الحرب. بل إنَّ رأيه هو ذلك الرأي الذي يريده الله ووافق فيه عمر ما أراد الله U:

يقول عمر: والله ما أرى ما رأى أبو بكر الصديق، ولكن أرى أن تمكنني من فلان -أحد أقرباء سيدنا عمر بن الخطاب- فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء أئمتهم وقادتهم. فيقول عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله r ما قال أبو بكر الصديق، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء.

نلاحظ التقارب الشديد في الطباع بين الرسول r وبين أبي بكر، وإن كان الصواب في الموقف كان مع عمر.

يقول عمر: فلما كان الغد غدوت إلى النبي r وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

لله درك يا ابن الخطاب، عملاق آخر صنعه الإسلام، رقة متناهية مختفية خلف الشدة الظاهرة، وقلب يذوب ذوبانًا في حب رسول الله وتواضع جم وأدب عظيم، فقال رسول الله r: "لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابَهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ".

ولماذا العذاب؟ وكأن بعض الصحابة أرادوا الدنيا بهذا الرأي، وينزل قول الله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67-68].

الكتاب الذي سبق هو قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4].

ويلخص هذا كله رسول الله بتعليق جامع بعد قضية أسرى بدر، واختلاف العملاقين الكبيرين في الرأي فيقول r: "إِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]. وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى قَالَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: 118]. وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، وَمَثَلُكَ مِثَلُ مُوسَى قَالَ: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 88]".

ولا أحد يُخَطِّئ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعيسى عليه السلام في رحمتهما مع المذنبين، ولا أحد يخطئ نوح وموسى عليهما السلام في شدتهما في الحق.

إذن هذه المواقف وكثير غيرها توضح مدى الطبيعة الرقيقة الحانية التي جُبِل عليها أبو بكر الصديق t.

هذه الرقة الشديدة والنفس الخاشعة، والطباع اللينة أورثت في قلب الصديق تواضعًا عظيمًا فاق كل تواضع.

تعالوا نرقبه بإمعان وهو يودع جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، موقف عجيب، أسامة بن زيد دون الثامنة عشر من عمره، وهو جندي من جنود أبي بكر الصديق t، وأبو بكر الصديق هو زعيم الدولة الأول، خليفة المسلمين يتجاوز في العمر الستين سنة، ومع ذلك يودع بنفسه جيش أسامة، وهو ماش على قدميه، وأسامة بن زيد يركب جواده، ولك أن تتخيل الموقف، أسامة على الجواد، وأبو بكر يسير بجواره على الأرض، قال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل.

فقال: والله لستَ بنازل، ولستُ براكب، وما عليَّ أن أُغَبّر قدمي في سبيل الله ساعة.

يا الله، يا لها من تربية راقية تربية على منهج النبوة، يربي نفسه على التواضع، ويربي أسامة بن زيد على الثقة بالنفس، ويربي الجنود على الطاعة لهذا الأمير الصغير، ثم هو يربي كل المؤمنين على حسن التوجه وعلى إخلاص النية ووضوح الرؤية، ثم هو يريد عمر بن الخطاب معه في المدينة، وعمر بن الخطاب في جيش أسامة، ومع أن أبا بكر الصديق هو القائد الأعلى لكل الخلافة إلا إنه يستأذن أسامة بن زيد قائلاً: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل.

أسامة بن زيد 18 سنة، أي من عمر شاب في الثانوية العامة اليوم, وهو لا يتصنع التواضع، ولكن هذا جزء لا يتجزأ من شخصيته t وعن أصحابه، وصلِّ اللهم وبارك على الذي علم هؤلاء مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.


 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 11:20 AM   #3
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول




أبو بكر الصديق ونعمة السبق

السبق سمة واضحة جدًّا في حياة الصديق t وأرضاه، والشيطان كثيرًا ما يمنع الإنسان من عمل الخير عن طريق التسويف، وبالذات مع أهل الإيمان والتقوى، يقول له افعل الخير ولكن بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين، ولا يقول له لا تفعل الخير، فالشيطان أذكى من ذلك، وعندما يؤجل الإنسان العمل، ولو للحظات قليلة يكون معرضًا بشدة لترك العمل، إما أن ينسى العمل، وإما أن تَجِدّ له ظروف تمنع من العمل من شغل، أو مرض، أو تتغير الحماسة في القلب، بل إن الإنسان قد يموت.

أبو بكر الصديق t الرجل العاقل الحكيم كان يفهم لعبة الشيطان فهمًا جيدًا، كان يفهم لعبة التسويف، فما سمح للشيطان أبدًا أن يلعبها معه، كان t وأرضاه أستاذًا في السبق ونبراسًا في الحسم، تشعر أنه يتحرك في حياته وقد وضع الآية الكريمة: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] نصب عينيه، فتجده في سباق دائم مع الزمن، وكأن اللحظة القادمة هي لحظة الموت، فلا بد أن يكون مستعدًا لها، أو هي لحظة الفتنة، فلا بد أن يكون ثابتًا، ومن المؤكد أنه سمع حديث رسول الله الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة والذي يقول: "بادروا بالأعمال الصالحة, فستكون فتنًا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا ويمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا, يبيع دينه بعرض من الدنيا".

من يرى حياة الصديق t يعلم أنه كان دائمًا يبادر بالأعمال الصالحة؛ اتقاء الفتن التي تظهر فجأة وعلى غير موعد سابق.

وإلى بعض الأمثلة التاريخية، على سبق الصديق t.

سبقه إلى الإسلام :
أول ما يلفت الأنظار إلى أبي بكر الصديق t سبقه إلى الإسلام، فمن المعروف أنه أول الرجال إسلامًا، ما تردد، وما نظر، وما قال آخذ يومًا أو يومين للتفكير، بل أسرع إليه إسراعًا، وهو أمر لافت للنظر جدًا، فهو لن يغير شكله، أو بيئته، أو بلده، بل سيغير إيمانه، وعقيدته التي عاش عليها طيلة 38 سنة، أحيانًا بعض الرجال يعتقدون أنه من الحكمة التروي جدًا في الأمر، وعدم التسرع، وأخذ وقت طويل في التفكير قبل الإقدام على خطوة من خطوات الحياة، وبالذات لو كانت خطوة مصيرية، وهذا قد يكون صوابًا في بعض الأحيان، ولكن في أحيان أخرى عندما يكون الحق واضحًا جليًا مضيئًا كالشمس في كبد السماء ساعة الظهر، يصبح التروي حماقة، وتصبح الأناة كسلًا، وتصبح كثرة التفكير مذمة، هذا مثلًا ما حدث مع قوم نوح، فقوم نوح كانوا يعيبون على الذين آمنوا مع نوح u أنهم تسرعوا في الأمر ولم يتفكروا، قالوا: {فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27].

فبادي الرأي معناها أولئك يبدون آرائهم لأول وهلة دون تفكير وتمحيص. وسبحان الله إنه لمن البلاهة أن ترى الشمس ساطعة، فتسأل عنها فتقول دعوني أفكر أولًا وأتروى: هل هي ساطعة أم لا؟
أو ترى نبعًا صافيًا سلسبيلًا في الصحراء، وأنت على مشارف الهلكة من العطش فتأخذ يومًا أو يومين تفكر هل أشرب أم لا؟!

كان أبو بكر الصديق t وأرضاه يرى الحق بهذه الصورة، فلماذا التردد والانتظار؟! عُرض عليه الإسلام غضًّا طريًّا واضحًا، فأنار الله قلبه بنور الهداية، وأدرك الحق من أول وهلة فلماذا الانتظار؟

روى البخاري عن أبي الدرداء t قال: قال رسول الله r: "هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟" قال ذلك لما حدث خلاف بين أبي بكر الصديق t وبين أحد الصحابة y أجمعين، ثم أكمل r مسوغات أن يتركوا له صاحبه t، قال: "إِنِّي قُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ".

إذن هي فضيلة ولا شك أن أسرع إلى الإسلام هذا الإسراع، وسبحان الله مرت الأيام، وَصَدّق رسول الله r أولئك الذين كذبوه من قبل، لكن كان أبو بكر هو الفائز بأجر السبق، من الناس من صدق بعد أيام من سماع الدعوة، ومنهم من آمن بعد سنوات، ومنهم من انتظر حتى تم الفتح ثم آمن، نعم الجميع آمن، والجميع صدق، لكن الصديق فاز بها {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 10- 12] الأيام التي تمر لا تعود أبدًا إلى يوم القيامة، ولا شك أن أولئك الذين تأخر إسلامهم أيامًا وشهورًا وسنوات، كانت الحسرة تأكل قلوبهم على أيام ضاعت في ظلمات الكفر، لكن الحسرة ما أعادت الأيام، ولا شك أن الذي سارع إلى الخيرات استمتع بهذه الأيام التي قضاها في الإيمان، وفي النهاية الأيام مرت على هذا وذاك، وأنا لا أذكر هذا الكلام للتاريخ، نحن في واقع حياتنا كثيرًا ما نتردد في أعمال الخير فنؤجلها يومًا، ويومين، وشهرًا أو شهرين، ثم نفعل الخير، أو لا نفعله.

{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]. فالأعمال لها أجران، أجر العمل نفسه، وأجر المبادرة إليه، والسبق في تنفيذه، وقد يكون أجر السبق أعظم من أجر العمل نفسه؛ لأنها تكون بمثابة السُّنة الحسنة التي تسنها لغيرك فيقلدونك، فيكون لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

روى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله t قال ; قال رسول الله r: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا".

لكن قضية إسلام أبي بكر الصديق بهذه السرعة قضية تحتاج إلى وقفة، بل وقفات، هذا قرار غير عادي، قرار مهول، بل أكثر من مهول، قرار يتبعه ترك الدين إلى دين غيره، قرار يتبعه هلكة الأموال والأولاد والأشراف، قرار يتبعه قتال الأبيض والأسود والأحمر من الناس، قرار يتبعه تكفير الآباء والآجداد، قرار يتبعه تعب ونصب ووصب، بل جهاد حتى الموت، هذا قرار يغير المألوف الذي ألفه الناس سنوات وسنوات، وتغيير المألوف يحتاج إلى رجال من طراز خاص، وقد كان الصديق ذلك الرجل.

ولماذا اختار رسول الله r الصديق من بين كل الناس، لكي يسر له بأمر الدعوة دون غيره؟ وقد كان من المنطقي أن يدعو الرسول أحد أقاربه قبل الصديق، وخاصة في هذه البيئة القبيلة، فلماذا لم يذهب رسول الله r مثلاً لأبي لهب، أو العباس، أو حمزة، أو غيرهم من عائلته، وأهل بيته؟

وذلك ولا شك قد كان لأن أبا بكر الصديق t كان أقرب إلى رسول الله r من أقاربه، كما أن رسول الله r يرى في الصديق أمورًا، ولا شك، جعلته يتيقن أنه سيوافقه، بل يعينه على أمر هذه الدعوة، ويكون له شـأن عظيم لا يغفل في هذا الدين، فمــا الذي رآه رسول الله r في الصديق t؟

كيف أخذ الصديق هذا القرار الجريء المُغيّر؟
أو قل: لماذا لم يأخذ الآخرون القرار الذي أخذه الصديق ببساطة وسهولة؟ ما الذي يمنع الناس أن يؤمنوا فيتخلفوا عن ركب الصديق وأمثاله؟

وهنا نقف وقفة ونحلل، ولأننا لا نسرد التاريخ لمجرد العلم به، بل لكي نتحرك به خطوات إلى الأمام، فلنلاحظ الصفات التي كانت في الصديق t وجعلته يسبق إلى الإسلام، فإن كانت موجودة عندنا، فالحمد لله، وإلا فلنستكملها، لأنه لا يمكن سبق بدونها، كذلك تساعدنا هذه الصفات في الحركة في دعوة الناس إلى الله، فمن كانت فيه مثل هذه الصفات الخيرة، فلنكن بادئين به، فإن للداعية أولويات لا بد أن تحترم، وقواعد لا بد أن تتبع. وقد حاولت أن ألم بمجمل تلك الصفات فحصرتها في عشرين صفة وهذه الصفات يكون بعضها موجود بعض الناس وبعضها الآخر في آخرين، وقد تجتمع في رجل واحد مثل الصديق t.

أولاً :
قبل كل شيء فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]. فلما يختار الله للنبوة أفرادًا بعينهم يصطفيهم على بقية البشر، فإن الله بعد ذلك يصطفي عبادًا من عباده يعينون رسل الله في قضاء مهمتهم، وفي توصيل دعوتهم، وقد كان الصديق ولا شك في ذلك من هؤلاء المصطفين. بل إن الله يصطفي من البشر أناسًا على فترات متعددة بعيدًا عن زمان الرسل، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، إذًا أول أمر هو اصطفاء الله للصديق لينال هذه المكانة الراقية وذلك لحكمة يعلمها I، وكما صنع الأنبياء على عين الله U، فكذلك الصديق t قد صنع على عين الله.

وهنا قد يقول قائل: أن هذا الأمر ليس بيده، أي اصطفاء الله له، ولكنه لا بد أن يعلم أن هذا الاصطفاء ليس عشوائيًّا، حاشا لله، ولكن الله بسابق علمه يعلم أن في هذا العبد صلاحًا وإيمانًا، فيقربه، ويهديه، نـسـأل الله U أن نكون كذلك.

ثانيًا :
قد يصد الناس عن سماع الحق كراهيتهم لقائله، والحق أن أهل مكة جميعًا ما كانوا يكرهون محمدًا قبل بعثته، بل كان جلهم أو كلهم يحبه r، فهو الصادق الأمين الشريف العفيف، لكن أتراهم أحبوه مثلما أحبه الصديق t؟

أشك كثيرًا في ذلك، فإني لا أعتقد أن أحدًا أحب أحدًا مثلما أحب الصديق محمدًا r.

محمد r وأبو بكر الصديق t كانا صديقين حميمين حتى قبل البعثة، وكما ذكرنا من قبل، حديث الإمام مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَناكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ".

فقد تعارفت روحا النبي r والصديق t، وأول درجات الدعوة الصحيحة أن يحب المدعو الداعية، وأن يحب الداعية المدعو، هذا الحب المتبادل يفتح القلب، وينور العقل، ولا شك أنه درس لا ينسى لكل الدعاة، إذا أردت أن يستجيب الناس لدعوتك فلا بد أولًا من حب متبادل، أَحِبّ الناس وكن أهلًا لحبهم.

ثالثًا :
من الموانع الخطيرة لإجابة الدعوات الجديدة الصالحة، الكِبر، آفة عظيمة تصيب قلوب بعض العباد فتصدهم عن كل خير، الكبر أخرج إبليس من الجنة، والكبر أخرج المتكبرين في كل العصور من جنة الإيمان إلى جحيم الكفر والضلال {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ} [النمل: 14].

الكبر أخرج معظم عمالقة الكفر في مكة من دائرة الإيمان إلى دائرة الجحود، بل قل معظم أفراد الكفر، فالكافر لا يكون عملاقًا، مثلًا الوليد بن المغيرة كان يستكبر أن يتبع محمدًا r {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخرف: 31].

لو نزل على عظيم في مكة كالوليد بن المغيرة، أو على عظيم في الطائف كعروة بن مسعود الثقفي، لو نزل على هؤلاء لاتبعوهم، ومحمد r ليس عظيمًا فقط، بل هو أعظم الخلق أجمعين، ولكن مقياس العظمة عند هؤلاء مقياس مختل، فالعظمة عندهم لا تكون في خلق، ولا عقيدة، بل في وفرة مال أو سعة أملاك أو بأس سلطان.

هؤلاء المتكبرون المتغطرسون يطمس الله على قلوبهم، فلا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].

وهكذا صرف الله قلوب المتكبرين عن الإيمان، ولكن أبو بكر الصديق t ليس من هذا الصنف، كان الصديق متواضعًا شديد التواضع، هينًا لينًا سهلاً محببًا، ذكرنا طرفًا من تواضعه وسنذكر أطرافًا أخرى في مواقف قادمة، ومن الصعب أن تخص مواقف التواضع في حياة الصديق؛ لأن تواضعه لم يكن مختلقًا أو مصطنعًا، بل كان تواضعًا فطريًّا أصيلاً في شخصيته، هذه النفس المتواضعة للحق كان من السهل عليها جدًا أن ترى سبيل الرشد، وأن تتخذه سبيلا، وأن ترى سبيل الغي، ولا تتخذه سبيلا، وهو درس لا يُنسى للدعاة، فدعوة الإنسان الهين اللين المتواضع أبرك ألف مرة من دعوة المتكبر المتغطرس، وإن كان زعيمًا ممكنًا، وسبحان الله، فكما أن الحب المتبادل يسهل الدعوة، ويسهل قبول الفكرة الجديدة، فالتواضع المتبادل يسهل الدعوة أيضًا، ويسهل قبول الفكرة الجديدة أيضًا، فالرسول محمد r من أشد الناس تواضعًا، بل هو أشدهم على الإطلاق، ولا شك أن قبول الفكرة من الداعية الذي لا يتكبر على الخلق يكون سهلًا سلسًا طبيعيًا، بينما لا يقبل الناس عادة أفكار المتكبرين.

رابعًا :
يمنع طائفة من الناس أن يصدقوا غيرهم لأنهم شخصيًّا اعتادوا الكذب، فالكذاب كثير الكذب، والخائن كثير الخيانة غالبًا ما يصعب عليه أن يصدق الآخرين، أو يأتمن الآخرين، ذلك لأنه دائم الظن أن الناس يفعلون كما يفعل، ويتصرفون كما يتصرف، وأبو بكر لم يكن صادقًا فقط، بل كان صديقًا، كان يستقبح الكذب، وما أوثر عنه كذبة واحدة، ورجل بهذه الصفات لا يفترض الكذب في غيره، بل هو يحسن الظن فيما يقال له، فما بالكم إذا كان الذي يحدثه رجل اشتهر بالصدق، والأمانة حتى لقب بالصادق الأمين r، ولم يشتهر بهذا عامًا أو عامين بل أربعين سنة، ولم يشتهر بذلك في معظم أموره، بل كل أموره، فكيف للصديق أن يفترض الكذب في رجل داوم على الصدق أربعين سنة؟

وكيف لهذا الذي ترك الكذب على الناس أن يكذب على الله رب العالمين؟

هذا استنتاج بسيط لا يغيب عن عقل الصديق، بل إنه لم يغب عن ذهن رجل ما عاشر محمدًا ولا حتى رآه مثل هرقل ملك الروم، فإنه لما سأل أبا سفيان عن صدق النبي r، قال أبو سفيان وكان ما زال كافرًا قال أنه لا يكذب، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب عليكم ليكذب على الله.

وهكذا فالصدق المتبادل بين الداعية والمدعو من أشد عوامل قبول الفكرة، وإن كانت جديدة تمامًا.

خامسًا :
كثيرًا ما يمتنع كبراء القوم عن إجابة الدعوات، بل يواظبون على حربها، ومقاومتها بسبب الخوف على السيادة والحكم.

فالحاكم الذي يستمد قوته من شرعه الذي وضعه للناس، يخشى إن جاء شرع جديد أن يستبدل بصاحب هذا الشرع، والرسول r يدعو أن يكون الحكم لله {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]. {أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [الأعراف: 54].
فأسياد البلد يرفضون السيادة الجديدة، وهذا الأمر صد طائفة ضخمة من حكام مكة في ذلك الزمان، وهذا الأمر هو الذي صد زعماء القوم من زمان نوح وإلى يوم القيامة، الخوف على السلطان، عبد الله بن أُبَي بن سلول زعيم المنافقين في المدينة، لماذا كان يكره محمدًا r؟

لأن الأوس والخزرج كانوا ينسجون له الخرز حتى يتوجوه ملكًا على المدينة، ثم جاء رسول الله r، فاستلم سدة الحكم بالمدينة، وجعل الشرع لله والأمر لله والحكم لله، فأبت نفس ابن أبي سلول ذلك، فرفض الإيمان، ثم ادعاه ظاهرًا فأصبح منافقًا، أما أبو بكر الصديق t فلم يكن زعيمًا من زعماء قريش، وإن كان من أهل الشرف هناك، فلم يكن يخاف على ملك ضائع، أو سلطان مبدد، فلم تكن السيادة والزعامة عائقًا أمامه، والرسول الكريم r أيضًا لم يكن زعيمًا في مكة، ولم يكن يطلب زعامة بدعوته الجديدة، بل عرضت عليه الزعامة مقابل ترك هذه الدعوة، فرفض رفضًا حاسمًا باتًا، وهكذا التقى الحبيبان من جديد النبي محمد r والصديق t، التقيا في رفض الزعامة، ورفض طلبها، فهان على محمد r توصيل الدعوة، وهان على الصديق t قبولها، ولكنه هذا لا يعني عدم قبول الزعماء للدعوة بشكل مطلق، فقد يهدي الله أحدهم، كما حدث مع سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهم من زعماء الأنصار، ولكن لا تبدأ بالزعمـاء.

سادسًا :
تعارض المصالح من أشد المعوقات لقبول الدعوات الجديدة، وخاصة المصالح المالية، قد تؤثر الدعوة الجديدة سلبًا على مصلحة أحد الناس المادية، فيقاوم الدعوة حفاظًا على مصلحته، وأبو بكر الصديق كان تاجرًا، ودين الإسلام لا يمنع التجارة، بل على العكس يحفز عليها، وهو حتى إن لم يكن يعرف تفاصيل هذا الدين، وماذا يبيح أو يمنع التجارة؟ إلا أنه يرى الداعية لهذا الدين يعمل تاجرًا، وذلك أكثر من خمسة عشر عامًا متتالية منذ زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها، بل قبل ذلك، فقد كان يرعى تجارة عمه أبي طالب، إذن الوظيفة محفوظة، لكن ما بال تجار مكة غير الصديق يقاومون الدعوة بينما انخرط فيها الصديق؟

مكة بلد آمن، وبه المسجد الحرام وأهل الجزيرة العربية كانوا يذهبون بتجارتهم، وأموالهم يتاجرون في هذا المكان الآمن، وتجار مكة يستفيدون من هذا تمامًا، فإذا انتشرت دعوة محمد r، فأهل مكة يتوقعون حربًا لها من العرب، وستتحول البلد الآمن إلى بلد قلاقل وفتن ولا يأمنوا على تجارتهم؛ فلذلك سارعوا حماية لمصالحهم التجارية والاقتصادية، بمقاومة الدعوة في مهدها، بينما الصديق وإن كان تاجرًا، إلا أنه جُبِل على العطاء والكرم والزهد في المال حتى قبل إسلامه، فلم يكن حب المال عائقًا أمام الصديق يمنع من دخول الدين، وسيأتي تفصيل هذه النقطة إن شاء الله عند الحديث عن السمة الرابعة من سمات الصديق وهي (إنكار الذات) إذ نذكر طرفًا من عطائه t، لكن المهم هنا أن نعلم أن تجار مكة الذين تغلغل حب المال في قلوبهم كانت أموالهم حجر عثرة في طريق إيمانهم، بينما تميز الصِّديق عن أقرانه بعطائه وكرمه، ما بالكم إن كان يستمع إلى دعوة تأتي على لسان رجل ما تعلق بالمال في حياته ولو مرة واحدة سواء قبل بعثته أو بعد بعثته، وسواء قبل تمكينه أو بعد تمكينه، لا شك أن لقاء الزاهدين في المال سيكون لقاءًا مثمرًا إيجابيًا، فإن أردت أن تبدأ فابدأ بالكريم، الذي لا يتعلق بمال، ولا يبكي على ثروة.

سابعًا :
التحرر من قيود القبلية والتعصب. والقبلية عند المتحمسين تكون حاجزا لا يُعبر، وعائقًا لا يُتخطى، وخاصة في هذه البيئة العربية، ويزداد الأمر خطورة إذا كان هناك تنافس شديدًا وحاميًا بين قبيلتين من القبائل، فهذا الأمر على سبيل المثال هو الذي صد رجلاً عاقلاً حكيمًا كعمرو بن هشام (أبو جهل) فإذا به بسبب قبيلته ينقلب إلى أبي جهل، قال أبو جهل وهو من قبيلة مخزوم: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا، فحملنا، وأعطوا، فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.

فهكذا منعت القَبَلية أبا جهل وأمثاله من دخول الإسلام.

ورجلٌ من بني حنيفة، وهي فرع من ربيعة آمن بمسيلمة الكذاب، وكفر بما أنزل على محمد r، ولما سئل عن ذلك قال: والله أعلم أن محمدًا صادق، وأن مسيلمة كذاب، لكن كاذب بني ربيعة، أحب إليَّ من صادق مضر.

أبو بكر الصديق t من قبيلة ضعيفة، وهي فرع صغير من فروع قريش، تلك هي قبيلة تيم، ولم تكن القبيلة تنازع أحدًا، أو تنافس أحدًا فوقاه الله بذلك شر التعصب القبلي، ثم هو يستمع الدعوة من رجل نجيب كالنبي محمد r أشرف قريش نسبًا، ومن قبيلة قوية ذات منعة، ومع ذلك فالرسول محمد r لا يعتمد على نسبه وقبيلته، بل يدعو أبا بكر وهو من قبيلة أخرى، وهي كما ذكرنا قبيلة ضعيفة نسبيًا، إذن هذان رجلان نزعا من قلبيْهما حمية الجاهلية، ونزعا من قلبيْهما النعرة القبلية، وبحثَا عن الحق أينما كان، لا فرق بين هاشمي أو مخزومي، ولا هاشمي وتيمي، بل لا فرق بين قريش وغيرها، بل لا فرق عربي وأعجمي، الدعوة لجميع الخلق، والمفاضلة بينهم بالتقوى، هذا مقياس عادل يعجب رجلاً حصيفًا كأبي بكر الصديق t.

والقبلية قديمًا هي في مقابل القومية حديثًا، فالقومية العربية، والقومية التركية، والقومية البربرية، والقومية الكردية، كل هذه صور من القبلية القديمة صدت ومازالت تصد كثيرًا من الناس عن سماع كلمة الحق وإجابة داعي الإيمان، وما تفرق المسلمون إلا بقومياتهم، ووالله لا يجتمعون إلا على الإسلام، وذلك مصداقًا لقول الفاروق t: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فأينما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".

ثامنًا :
بعض الناس يكون أسيرًا للتقاليد، وإن كانت باطلة، ويكون مفتونًا بالآباء والأجداد، ولا يتخيل أن ما عاش هو عليه فترات وعاش عليه الأقدمون فترات أطول ما هو إلا ضلال في ضلال، الدين الجديد لا يُسَفّه أحلامهم فقط، بل يسفه أحلام السابقين، يسفه أحلام الآباء والأجداد، يهدم التقاليد، يزلزل التراث، هذا الذي صد رجلًا مثل أبي لهب، فأبو لهب من ذات قبيلة الرسول r، بل هو عمه، لكنه يرفض أن يسفه فكر الآباء والأجداد، وأن يسفه فكره هو شخصيًا، ولذلك فهو يرفض الدعوة، بل أشد من ذلك وأعجب أبو طالب عم رسول الله r، ومن أكثر الناس رعاية له، ومن أشد الناس حبًا فيه، ومع ذلك وقف حاجز التقاليد أمام إيمانه، ووقف تقديسه لآبائه وأجداده أمام دخول الدين مع أنه يصدق محمد في كل كلمة قالها، لكن أيخالف الأجداد؟

هذا في عرفه مستحيل، فإذا به على فراش الموت، وخير الدعاة وأحب الخلق إلى أبي طالب يقف على رأسه يرجوه أن يقول كلمة واحدة، ثم سيموت بعدها: "أَيْ عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ".

وماذا سيضره بعد الموت من كلام الناس والعرب، ولكن أبدًا التقاليد الموروثة والعقائد العقيمة المسمومة، أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقفان على رأسه يلعبان على هذا الوتر القبيح، وتر التقاليد المخالفة للشرع، يقولان: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزالا يكلماه حتى كانت آخر كلماته: على ملة عبد المطلب.

لا حول ولا قوة إلا بالله خسارة فادحة، وخطب عظيم، أبو بكر الصديق t لم يكن متمسكًا بتقاليد آبائه وأجداده، وكان من القليلين الذين يرتبطون بالحق لا بقائل الكلام، فالرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، فهو يعلم أن الحق قد يأتي على لسان رجل شاب من قبيلة أخرى، وقد لا يأتي على لسان مُعَمّر خبير ولو كان أبوه أو جده، كما أن الله مَنّ عليه بأبيه وأمه أحياء عند ظهور الدعوة الإسلامية، فما زالت هناك الفرحة عند دعوتهما إلى الحق، وبذلك لا تسفه أحلامهما، وقد تم له بفضل الله ما أراد وما استراح إلا وقد أدخل أبويه وأولاده وزوجاته في هذا الدين، فاعرض كل تقليد أو موروث من الآباء والأجداد على الحق، فإن اتفق فبها ونعمت، وإن خالف، فلا تعدل بشرع الله شيئًا.

تاسعًا :
بعض الناس يفتنون بالديانة القديمة، ويعتقدون في صحتها، وفي نبل القائمين عليها، هذا الذي صد بعض النصارى مثلًا، فهم قد غالوا في المسيح جدًا حتى جعلوه إلهًا، أو ابن الله، تعالى عما يصفون، ومن ثم فهم لا يتخيلون أن يأتي رجل، أو تأتي دعوة ترد هذا الإله المعبود إلى عبوديته، وترد هذا الرب إلى بشريته، فكانت الحرب التي لا هوادة فيها.

أما أبو بكر الصديق t، فأي شيء يُعَظّم؟
أيُعَظّم اللات؟
أيعظم العزى؟
أيعظم هبل؟
ألهم تاريخ يشهد لهم بالاحترام والتقديس؟

أبو بكر الصديق t ما سجد لصنم قط في حياته سواء قبل إيمانه أو بعد إيمانه، بل كان دائم الازدراء لهذه الأحجار، ويعلم علم يقين أنها ليست آلهة، فكيف ينفع غيره من لا يستطيع نفع نفسه؟
فكانت دعوة الإسلام لأبي بكر خلاصًا من دين ثقيل على النفس، وراحة لقلب شك طويلًا في اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

عاشرًا :
من العوائق الهامة عند بعض الناس، أو عند كثير من الناس انغلاق الفكر، وضيق الأفق، وغياب الفطنة والذكاء، والحقيقة إنني اعتبر الكافر إنسانًا غبيًا شديد الغباء بكل ما تحمله الكلمة من معان، حتى وإن كان في ظاهره عالمًا أو حكيمًا أو فيلسوفًا إذ كيف لا يهديه ذكاؤه إلى أن خالق هذا الكون بما فيه هو إله حكيم قدير ليس كمثله شيء، دائمًا ما تأتي آيات التدبر والبحث لأولي الألباب والعقول والنهي: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19]. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 184]. {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46].

كيف يعقل أن الحجر الأصم خلق، وصور، وهدى، ورحم، وعاقب، ورزق، ونجّا؟ كيف يعقل أن بقرة تشرع أو أن شجرة تحكم وتدبر؟

الكافر شديد الغباء، هذا الذي منع مثلاً رجلاً مثل حبيب بن عمرو الثقفي من زعماء ثقيف في الطائف، قال لرسول الله r: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك.

وكأنه لا يستطيع التفكير وما قاده عقله القاصر إلا إلى هذا الجهل المُطبق.

وأبو بكر الصديق t ليس كذلك، بل هو حاد الذكاء تمامًا وكثيرًا ما كان يلتقط ببساطة ما يذهب عن ذهن الجميع، اتسم بذكاء فطري، وعبقرية فذة، إذا كان يلتقط الصعب من الأمور، أفلا يلتقط أن لهذا الكون خالقًا؟ وأن محمدًا رسول؟
حادي عشر :
الجبن والخوف الشديد إلى درجة الهلع يمنع كثيرًا من الناس من تغيير المألوف، الجبن يمنع كثيرًا من البشر أن يظهروا آراءهم، أو يعبروا عن أفكارهم، وكم من قضية ماتت بسبب جبن أصحابها، وكم من حق ضاع بسبب جبن طلابه، أبو بكر أشجع الصحابة وأقواهم شكيمة، ما نكص على عقبيه منذ أسلم، ولم يؤثر عنه فرار ولا خضوع ولا فتور، فلما عرض عليه الإسلام، ورأى الحق فيه ما خاف من أحد، ولا اعتبر بالجموع التي ستواجه الدعوة حتمًا، والإسلام قرار جريء، ويحتاج إلى رجل جريء وكان أبو بكر t ذلك الرجل.

ثاني عشر :
الانغماس في الشهوات أيضًا من الموانع المعروفة للدعوات الإصلاحية، فصاحب الشهوات لا يريد أن ينقطع عنها، ولا يريد أن يبتعد عنها ولو إلى فترة قليلة {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].

هكذا الذي جعل من نفسه تابعًا للشهوات لا بد أن يضيع الصلاة، ومن أضاع الصلاة كان على إضاعة غيرها أقدر، بل إنه الله يجعل طائفة من الناس وكأنهم يعبدون هواهم وشهواتهم، اسمع إلى قوله U: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23].

هذا الرجل الغارق في الشهوات المنغمس في المعاصي يكون بعيدًا تمامًا عن الدعوات الأخلاقية الفاضلة.

أبو بكر لم يكن من هذه الطائفة، بل على العكس، إنه من خيار الناس أخلاقًا حتى قبل إسلامه، ويعظم من شأن الفضائل والمكارم، وما طعنه طاعن بشيء في أخلاقه، حتى بعد إسلامه ومعاداته للكفر والكافرين، ودعوة الإسلام هي دعوة الأخلاق العظمى في الأرض، والداعي إليها r أكمل البشر أخلاقًا، قبل وبعد البعثة، ولا يخفى ذلك على أحد، وكان الجميع يعلم أن هذه الدعوة هي دعوة أخلاق، حتى قبل التحريم الكامل للخمر، والزنا، والربا، وغيرها من الفواحش، ها هو جعفر بن أبي طالب t يخاطب النجاشي ملك الحبشة في العام الخامس من البعثة يصف أخلاق الإسلام:

"أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله وحده؛ لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة، والأوثان، وأَمَرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات".

إذن الدعوة الإسلامية أخلاقية منذ اللحظات الأولى لها، ورجل له أخلاق الصديق لا بد أن يستجيب لهذه الدعوة.

ثالث عشر :
من الموانع الخطيرة للدعوات الإصلاحية التعود على الذل. يكون المرء ذليلاً لا يستطيع الحراك إلا بإذن الذي يسقيه الذل والهوان، وأبو بكر الصديق t كان عزيزًا في قومه، صاحب رأي وشرف ومكانة، فكان يأخذ رأيه بإرادته، لا يمليه عليه أحد، والإنسان الذليل ليس بالتبعية أن يكون عبدًا، فكم من العبيد كانت لهم نفوس حرة، وكم ممن يظنون أنفسهم أحرارًا هم أذلاء لغيرهم، هذا بلال العبد يأخذ قراره بنفسه وينخرط بسرعة في فريق المؤمنين، وهذا على الجانب الآخر وفد بني شيبان، وهو على درجة عالية من المكانة والعز والشرف بين العرب يرفض الإسلام لماذا؟

لأنهم أذلاء لفارس، يسكنون بجوار فارس، ومع عزتهم الظاهرة إلا أنهم لا يأخذون قرارًا ولا يقطعون رأيًا يغضب الأسياد الفارسيين، وقالوا: إن هذا الأمر-أي الإسلام- مما تكرهه الملوك.

ولذلك أجلوا إسلامهم سنوات وسنوات؛ ولذلك نلاحظ رسالة الرسول r مثلاً إلى هرقل عظيم الروم، كان مما قاله فيها r: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ". كما جاء في البخاري.

وفي رسالة كسرى فارس قال r: "فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ". فشعوب الروم وفارس كانت ذليلة، لا تأخذ قرارًا إلا بعد رأي الأسياد، حتى لو كان القرار قرار جنة أو نار.

رابع عشر :
دعوة الإسلام دعوة رقيقة لطيفة حانية، تمس القلب، وتربت على الكتف، وتسمو بالروح، وقلوب العباد متفاوتة، فمنهم من له قلب ألين من الحرير، ومنهم من قلوبهم كالحجارة أو هي أشد قسوة، ولا شك أن غليظ الطباع، قاسي القلب، جافي النفس، سيكون بعيدًا عن هذا الدين، ولا شك أيضًا أن أبا بكر الصديق لم يكن كذلك، وتحدثنا كثيرًا عن رقته وعاطفته الجياشة ودموعه القريبة، ورجل كهذا لا بد أن يدخل الإيمان في أعماق قلبه، ولا بد أن يتأثر بكلمات الرحمن U، ولا بد أن يتأثر بكلام حبيب الرحمن r: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزُّمر: 23].

فإذا بدأت فابدأ برقيق القلب، ليّن الجانب، واتل عليه كتاب الله، وسترى عجبًا.

خامس عشر :
بعض الناس يعاني مرضًا خطيرًا لا يرجى في وجوده تغيير ولا إصلاح، بل يقعده هذا المرض حتى يرى كيف تسير الأمور؟ ثم يسير معها أينما سارت، ذلك المرض هو السلبية، السلبية تقعد بصاحبها عن كل خير، فلا يفعله إلا إذا فعله الناس، ويصبح بذلك رجل إمعة، كهذا الذي صوره لنا رسول الله r في حديث له رواه الترمذي عن حذيفة t: "لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا".

فالرجل الإمعة هذا لا يصلح إلا أن يكون تابعًا، وهي صفة من صفات المنافقين.

{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141].

هذه السلبية هي التي صدت رجلاً عاقلاً مثل عتبة بن ربيعة، فإنه لما سمع كلام الله U على لسان الرسول الكريم r، وأثرت فيه الآيات المعجزات من صدر سورة فصلت، عاد إلى قومه مسرعًا يتحدث عن القرآن، وكأنه داعية من دعاة الإسلام، قال: سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.

فماذا كان نتيجة هذا اليقين بصدق ما جاء به محمد r، وماذا فعل بعد العلم، اقرأ إليه وهو يعرض رأيه، يقول عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

فالرجل عتبة بن ربيعة سلبي إلى أبعد درجات السلبية، فهو على يقين من صدق محمد r، ويعلم أن هذا الكلام ليس بكلام بشر، ومع ذلك فرأيه الذي يظنه حكيمًا أن تخلي قريش بين الرسول r وبين العرب، فإن انتصر العرب عليه فهم مع العرب، وقد أراحوا أهل قريش من محمد r ولم يصبهم أذى، وإن انتصر محمد r على العرب سارعوا بالانضمام إلى محمد r، سلبية مطلقة، فلما اعترض القوم على كلامه وقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فماذا فعل؟ ماذا فعل أبو الوليد الرجل العاقل الحكيم الذي أدرك صدق الرسالة؟ قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

والقوم صنعوا السيئ والقبيح، فإذا به يصنع السيئ والقبيح معهم، بل إنهم خرجوا يقاتلون النبي r في بدر، فإذا بعتبة بن ربيعة يحمل سيفه، ويخرج مع الكافرين يقاتل رجلاً تيقن أنه نبي، أي سلبية، وأي إمعية، هذا الطراز الفاشل لا يصلح للدعوات المصلحة.

أبو بكر الصديق t على طرفي النقيض من عتبة بن ربيعة، فليس في الإسلام رجلاً بعد النبي r أبعد عن السلبية من أبي بكر الصديق t، ظهرت إيجابيته في كل مواقفه t، ظهرت في إسلامه، وفي إعتاقه للعبيد، وفي دفاعه عن رسول الله r في فترة مكة، ثم المدينة، وفي إعداده للهجرة، وفي ثباته في كل غزوات الرسول r، وظهرت إيجابيته عند وفاة رسول الله r، وظهرت في حروب الردة وفارس والروم، وفي جمعه للقرآن، ظهرت إيجابيته في مساعدة الفقراء والمحتاجين وكبار السن من عامة المسلمين، كان t وأرضاه نبراسًا لكل مصلح، ودليلًا لكل محسن، وما معروفًا إلا وأمر به، ولا رأى منكرًا إلا وحاول تغييره بكل طاقاته، بيده، ولسانه، وقلبه؛ لذلك شق عليه كثيرًا أن يرى بعض المؤمنين يتركون النهي عن المنكر؛ لأنهم فهموا آية من آيات الله U على غير معناها الصحيح، لقد سمع بعض المؤمنين الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].

ظن بعض المؤمنين أن هذه دعوة إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظنوا أن الله يقول لهم: عليكم أنفسكم؛ أي اهتموا بأنفسكم فقط لا يضركم ضلال الآخرين فلا تهتموا بهم.

والأمر على خلاف ذلك تمامًا، وقف أبو بكر t ليصحح لهم الفهم، وليصلح فهم الطريق، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].

وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله r يقول: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ U أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ". روى ذلك أصحاب السنة، والإمام أحمد، وابن ماجه، وهكذا فإن الرجل الإيجابي العظيم كان ولا بد أن يسعى للتغيير، والإصلاح إذا وجد المنهج القويم المعين على ذلك، وقد وجد ضالته في الإسلام فما تردد ولا تأخر.

سادس عشر :
كثيرًا ما يقتنع الرجل بفكرة، أو قضية، أو موضوع، ثم إذا به يُصَد عنها بصحبته السيئة، فكما روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ".

كثيرًا ما رأينا في فترة مكة مجموعات من الأصدقاء تؤمن أو مجموعات من الأصدقاء تكفر، فالرجل يتأثر بأحبابه وأصحابه، رأينا مثلاً رجلاً عاقلاً ذكيًّا لبيبًا مثل خالد بن الوليد t يتأخر الإسلام عشرين سنة كاملة، فمَنْ أصحابه المقربون؟

عمرو بن العاص t، ظل أيضًا عشرين سنة كافرًا، وعثمان بن أبي طلحة ظل أيضًا كافرًا عشرين سنة، والثلاثة من أصحاب الذكاء والفطنة والمروءة والنجدة، لكن اجتمعوا على باطل، فأضل كل واحد منهم صاحبيه، وتعاهدوا على ذلك، ثم سبحان الله بعد السنوات الطوال، يدخل الإيمان تدريجيًّا في قلب أحدهم فيسري بسهولة إلى الآخر، ثم إلى الثالث، ثم إذا بهم يذهبون للإسلام على يد الرسول r في يوم واحد في السنة السابعة للهجرة، وذلك ليثبتوا قيمة الصحبة، وقيمة الأخلاء فلما كانوا على الكفر تعاهدوا عليه، ولما أشرف الإيمان في قلوبهم أيضًا تعاهدوا عليه.

مثال آخر: هو أبو البَختري بن هشام، وكان من المشركين، لكنه لم يكن يؤذي رسول الله r، بل على العكس كان من الذين قاموا لنقض صحيفة المقاطعة المشهورة، ولكونه كف الأذى عن رسول الله r، فإن رسول الله r نهى عن قتله يوم بدر، فقابله أحد الصحابة المجذر بن زياد البلوي، فوجده يقاتل بجوار صديق له، فقال: يا أبا البختري، إن رسول الله r قد نهانا عن قتلك. فقال: وزميلي؟ فقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك. فقال: والله لأموتن أنا وهو جميعًا.

ثم اقتتلا فاضطر، المجذر إلى قتله، فهذه صداقة كافرة قادتهما إلى موت على كفر، ولو لم تكن الصداقة لنجا أبو البختري، ولكن اختياره لأصدقائه كان سببًا في هلاكه.

أصدقاء الصديق t :
{ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
صاحبه الأول حتى قبل الإسلام كان رسول الله r، وكفى به صاحبًا، ثم أصحابه الآخرون عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، وغيرهم من أبطال الإسلام، هؤلاء هم أصحابه قبل الإسلام، إذن رجل أحاط نفسه بدائرة من أصحاب كهؤلاء، لا بد وأن يسهل عليه أمر الإيمان، ولو صاحب الأراذل من الناس لصدوه عن الفضائل، روى البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول الله r: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ".

سابع عشر :
من الصفات الذميمة التي كثيرًا ما صدت أقوامًا عن دعوة الإسلام صفة الجَدَل، والجدل لا يهلك الأفراد فقط، بل يهلك الأمم، والمجادلون قوم فتنوا بعقولهم، فآثروا أن يستمروا في حوار لا ينقطع، غالبًا لا ينبني عليه كثير عمل، ويخرجون من نقطة إلى نقطة، ويناقشون من زاوية، ثم إلى زاوية أخرى، وليس في العزم اتباع الحق، وليس في النية الاهتداء إلى سواء السبيل، اقرأ وصف القرآن للمجادلين من أهل قريش: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25].

وصورة أخرى من الجدل:
{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 49، 50].

صورة أخرى عقيمة من الجدل:
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: 90- 93].

صورة مكررة من الجدل والنقاش والحوار ليس من ورائها طائل، وحتى لو تحقق ما يطلبون، فسيأتون بشبهة جديدة وسؤال عقيم آخر:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14، 15].

وأبو بكر الصديق t كما وصفه مقربوه كان سهلاً لينًا هينًا، كان t قليل الجدل، قليل السؤال، بل قليل الكلام، كان يضع أحيانًا حصاة في فيه، فإذا أراد أن يتكلم رفعها ليتكلم، وذلك حتى لا يتكلم كلما اشتهى الكلام، بل يفكر أولاً، ما إن عُرض عليه الإسلام حتى قال لرسول الله r: والله ما جربت عليك كذبًا، وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك، مد يدك فإني مبايعك، وموقفه في حادث الإسراء موقف لا ينسى، مواقفه جميعًا t كانت مبرأة من الجدل والمراء، فسَلِم وسلمت خطواته، وهكذا فالجدل من الصفات الذميمة التي تصد كثيرًا من الخلق عن طريق الهداية، وهي رسالة إلى كل الداعين إلى الله، أن اختبر من تدعوه فإن كان ممن تمرسوا على الجدال، ورغبوا فيه، فكن كأبي بكر الصديق t، وكن كعباد الرحمن الذين وصفهم الله U: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان: 63].

ثامن عشر :
البخل والشح من الصفات التي تبتعد بصاحبها عن دعوة الإسلام، الرجل الشحيح يعلم أن هذه الدعوة الجديدة ستحتاج إلى حماية ورعاية وتضحية وإنفاق، وهو لذلك يفكر ألف مرة، قبل أن يرتبط بهذه الدعوة، ولذلك فالشح قد يؤدي بالرجل إلى التهلكة، وتكون التهلكة باستبداله بغيره:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38], بل إن الشح قد يهلك أمة، روى الإمام مسلم عن جابر t قال: قال رسول الله r: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهَمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ".

فالشح قد صد اليهود مثلاً عن الإيمان بهذا الدين: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} [آل عمران: 181].

قالوا هذا القول الفاحش لما سمعوا قول الله U: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245].

هم جُبِلوا على التضحية بكل شيء في سبيل المال، فكيف يرتبطون بدعوة تدعو إلى جهاد بالنفس والمال؟!

أمـا أبو بكر الصديق t فقد كان مجبولاً على حب الإنفاق، وعلى حب العطاء، وليس في الإسلام بعد رسول الله r من هو أكرم من أبي بكر الصديق t، ومواقفه في ذلك لا تحصى ولا تعد.

وكان هذا العطاء قبل وبعد الإسلام، وقبل وبعد الهجرة، وقبل وبعد وفاة رسول الله r، وقبل وبعد استخلافه، وحتى آخر لحظة في حياته، رجل جُبِل على الكرم، وهذا الصنف من الرجال لا تكفيه الاستجابة فقط لدعوات الخير، بل يسعى ويكد ويجتهد، حتى يرتبط بمثل هذه الدعوات.

تاسع عشر :
دعوة الإسلام هي دعوة لكل الأجيال والأعمار، هي دعوة للصغير والكبير والشاب والشيخ، لكن مما لا شك فيه أن أنسب الأعمار لتحقق الإجابة هي الفترة المتأخرة في سن الشباب، أقصد فترة الثلاثينات من العمر وأحيانًا العشرينات من العمر، وذلك أن الشيخ الكبير يكون مطبوعًا على عقائد معينة، وأفكار خاصة من الصعب أن تغيرها، وأحيانًا يعتاد أشياء خاطئة، ثم يعلم أنها خاطئة فلا يستطيع تصحيحها، وهذا واقع نشاهده وندركه، والشاب الصغير كثيرًا ما يكون طائشًا في تصرفاته، متسرعًا في أحكامه، تنقصه الخبرة اللازمة، والرأي الحكيم، ثم إنه قد يكون ملتفتًا إلى شهواته، وملذاته، منصرفًا عن من ينغص عليه هذه الشهوات والملذات، وفوق ذلك فإنه في الغالب ما يكون تابعًا لرأي والده وعائلته، وبالذات في المجتمع القبلي المعتز بالآباء والأجداد..

أما الرجل البالغ في متوسط العمر فإنه قد تجاوز مرحلة الطيش والشهوات والاتباع، وأصبح يقود نفسه وعائلته، وتكون قد حنكته التجارب فيحكم الرأي، ويصيبه، ومن الناحية الأخرى فهو لم يبلغ من العمر أرذله بحيث تصده السنوات الطوال عن التغيير والإصلاح، أبو بكر الصديق أسلم وهو في الثامنة والثلاثين من العمر وكان رسول الله r في الأربعين من العمر، وهو سن يجمع بين كل الخير، ففيه حماسة الشباب وطاقتهم، وفيه أيضًا حكمة الشيوخ وخبرتهم، فلم يكن عجيبًا أن يأخذ قرارًا هامًّا مثل قرار دخول الإسلام إذا رأى فيه خيرًا، دون انتظار لرؤية والد أو كبير، يظهر هذا في حواره مع أبيه بعد ذلك..

وقد أسلم الابن أبو بكر الصديق، وظل الوالد فترة كبيرة دون إسلام، فمع اختلاف العقيدة لم يكن الأب يلوم عليه كثيرًا في إسلامه، ولم يكن يعنفه أو يعذبه، مثلما فعلت القبائل الأخرى مع شبابها، بل كان يبادله الرأي، وينصحه، فمثلاً ينصحه مرة أن يعتق الرجال الأشداء من العبيد بدلاً من إعتاق الضعفاء حتى يحمونه، ومرة ينصحه بترك مال للأولاد، ولا ينفقه كله في سبيل الله، نعم وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظر الصديق t، لكنه لم يكن يفرض عليه رأيًا، أو يجبره على فعل، فقد صار الصديق رجلاً حكيمًا عاقلاً، قد يحتاج إلى مشورة، ولكنه لا يحتاج إلى إكراه أو إرغام، وسبحان الله، فإن سن الأربعين هذا هو غاية النضج والرشد، وفيه تكتمل جميع الطاقات، ويصبح الإنسان قادرًا على التفكر والتدبر والرجوع إلى الصواب، والاستقامة على المناهج السليمة، وقد بين الله ذلك في كتابه عندما قال: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15].

بلوغ الأشد، وهذا الكلام العاقل الرزين، وهذه العودة إلى الله أقرب ما تكون عند سن الأربعين وما حولها، يقول ابن كثير: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] أي: تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه.

وأبو بكر لم يختر أن تنزل الرسالة، وهو في سن الثامنة والثلاثين قريبًا من الأربعين، ولكن الله اختار ذلك، فكما صنع محمدًا على عينه سبحانه، وهيأه للرسالة، وهو في الأربعين من عمره، فإن الله أيضًا اصطفى من الخلق من يصلح أن يكون صاحبًا لهذا الرسول، وخليفة من بعده، فهيأه منذ خلق، وولد؛ ليكون في هذا العمر وقت نزول الرسالة {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88].

عشرون والأخيرة :
إذا توافقت بعض صفات الفرد مع فرد آخر، فإنه ينشأ نوع من التجاذب بين الفردين، وكلما زادت التوافق كلما ازداد التجاذب، حتى يصل إلى حد أن يكون الفردان روحًا واحدة في جسدين، فيفرح أحدهما فرحًا حقيقيًا لفرح الآخر، ويحزن أحدهما حزنًا حقيقيًا لحزن الآخر، ويألم أحدهما حقيقة لألم الآخر، حالة كهذه تفسر أن يقتنع رجل برأي رجل آخر، بل يدافع عنه إلى نهاية المطاف، مع كون هذا الرأي محارَبًا من عامة الناس، ذلك أنه أصبح دون تكلف، ولا افتعال كرأيه تمامًا، ولا أحسب أن رجلاً في أمة الإسلام كان شديد الشبه برسول الله r أكثر من أبي بكر الصديق t، وبالطبع فالمقصود هو الشبه في الأخلاق والأفعال لا في الصور والأجساد..

ألا يلفت الأنظار أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها رسول الله r في مكة قبل البعثة وبعدها هي صفة الصدق، والأمانة، فعُرف بالصادق الأمين، ثم تجد أن الصفة الرئيسية التي اشتهر بها أبو بكر الصديق t هي أيضًا صفة الصدق حتى عرف بالصديق، بل كان عمله في الجاهلية كما سيأتي شرحه إن شاء الله هو ضمان الديات والمغارم، وهو عمل يحتاج إلى صدق وأمانة، ألا يلفت هذا الأنظار إلى شخصيتين متقاربين جدًا، حتى في غلبة صفة معينة على لقبهم الذي يشتهران به، فيعرف هذا بالصادق الأمين، وهذا بالصديق، بل أعجب من ذلك، لما نزل الوحي على الرسول الكريم r، عاد مذعورًا إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده وهو يقول: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي".

ثم أخبر خديجة بالخبر، وقال لها: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". فقالت خديجة رضي الله عنها وأرضاها:
"كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا". ثم بدأت تصف رسول الله r فماذا قالت؟ قالت: "إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

هذه هي المبررات التي قالت من أجلها السيدة خديجة إن الله لا يخزي الرسول r، وهي جميعًا صفات تختص بعلاقة الرسول r بالمجتمع الخارجي، وعلاقاته بالناس، وهي أساس الدين.

احفظ هذا الموقف، وتعال نراجع ما قاله زيد بن الدغنة سيد قبيلة القارة وهو يسأل أبا بكر عن سبب خروجه من مكة مهاجرًا إلى الحبشة، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.

هنا قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله. لماذا في رأي ابن الدغنة لا يجب أن يخرج ولا يخرج رجل مثل أبي بكر؟ يبرر ذلك فيقول: "إنك تكسب المعدوم، وتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

سبحان الله، نفس الخمس صفات التي ذكرتها السيدة خديجة في صفة رسول الله r، هذا الاتفاق الملحوظ يفسر كثيرًا سرعة تلبية الصديق لدعوة الإسلام، فالدعوة وكأنها أنزلت عليه لا على رسول الله r، وحركته لها ستكون في حماسة قريبة جدًّا من حماسة الرسول r، ولا نجد شخصًا فيه هذا التوافق مع رسول الله r كالذي كان بين الصاحبين الجليلين مما يؤكد أن الله كما اختار محمد r للرسالة فقد اختار أبا بكر للصحبة.

ثم من فضل الله على الأمة أن استخلف أبو بكر بعد رسول الله r، فكان امتدادًا طبيعيًّا جدًّا لرسول الله r، ومع عظم الخطب بوفاة الرسول r إلا أن الاستخلاف بالصديق هون كثيرًا من المصيبة على المسلمين.

إذن نقول: إن موانع الاستجابة لدعوة الإسلام لم تكن موجودة عند الصديق t، بل على العكس كانت لديه دوافع كثيرة لسرعة التلبية، عددنا منها عشرين أمرًا، ولعل هناك أكثر من ذلك، والأمر مفتوح للبحث؛ لأن الحدث كبير، ويحتاج إلى وقفات كثيرة، وتحليلات أكثر.

كانت هذه الفقرة السابقة بكاملها، وهي فقرة سبقه إلى الإسلام عبارة عن نقطة من النقاط التي تثبت الصفة الثالثة من صفات الصديق t الأساسية التي نتحدث عنها، وهي صفة السبق والحسم وعدم التسويف، وإن كان السبق إلى الإسلام حدثًا هامًا لا يغفل، فالسبق في حياة الصديق t كان علامة مميزة له في كثير من المواقف الأخرى، بل لعله كان حريصًا ألا يُسبق في أي مجال من مجالات الحياة، تشعر وأنت تقرأ سيرته أنه قد اتخذ في حياته شعارًا واضحًا: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].
فكأنه t وأرضاه دائم العجلة إلى الله U.

نذكر هنا بعض الأمثلة الأخرى التي تساعد في فهم معنى السبق في حياة الصديق t، وإن كان من المستحيل حصر كل الأمثلة في حياته، فهي حياته كلها:

سبقه إلى الاطمئنان على إيمانه :
حرصه، وسبقه، وحسمه في الاطمئنان على صدق إيمانه، وعلى عقيدته، وهذا كلام قد يتعجب له الكثير، قد نفهم أن نعرض قضية سرعة إسلامه للمناقشة؛ لغرابتها، ولكن الجميع يعلم أنه منذ أن أسلم وهو أعلى الصحابة إيمانًا وأمنتهم عقيدة، فكيف يسارع إلى الاطمئنان على عقيدته وإيمانه، هل من الممكن أن يشك أحد في هذا الإيمان، وفي هذه العقيدة، اسمع إلى هذه القصة العجيبة:

روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي ربعي حنظلة بن ربيع الأسيدي الكاتب أحد كتاب الرسول r قال: لقيني أبو بكر t فقال: كيف أنت يا حنظلة؟

فالصديق t يطمئن على حال حنظلة بسؤال عادي: كيف أنت؟ لكن حنظلة t فاجأ الصديق بإجابة غير عادية، إجابة غريبة، قال: نافق حنظلة. نافق حنظلة؟!

حنظلة من الرجال المشهود لهم بالإيمان، فكيف يقول ذلك عن نفسه، تعجب الصديق t، وسارع يقول: سبحان الله، ما تقول؟

فبدأ حنظلة t يفسر كلماته العجيبة وقال: نكون عند رسول الله r يذكرنا بالجنة، والنار كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله r عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا.
يقصد أنهم في مجلس رسول الله r يتأثرون كثيرًا بالكلام عن الجنة والنار، حتى وكأنهم يرونها عيانًا بيانًا، ومن المؤكد وهم في هذه الحالة يعتزمون أن لا يفعلوا شيئًا في حياتهم إلا أفعال الآخرة فقط، ينوون أن يخرجوا، فيفردون الأوقات الطويلة في الصلاة والقرآن والقيام والدعوة والجهاد وغير ذلك، ويصبحون في حالة زهد تام في الدنيا وقناعها، لكن سبحان الله إذا خرجوا من عند رسول الله r اختلطوا بأمور الحياة الطبيعية، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، يعني لاعبنا وتعاملنا مع الأزواج، والأولاد، والمعايش المختلفة، عند هذه الحالة الأخيرة ينسون كثيرًا مما سمعوه من الرسول الكريم r، هذا التباين في حالتهم في مجلس العلم، وحالتهم في معترك الحياة العامة عده حنظلة نفاقًا..

وهذه ولا شك حساسية مفرطة وتحرٍ عميق لقضية الإيمان، وكان من المتوقع من أبي بكر الصديق الذي يزن إيمانه إيمان أمة أن يهون الأمر على حنظلة، ويوضح له أن ذلك يعتبر شيئًا طبيعيًّا، فمن المستحيل على المرء أن يظل على حالة إيمانية مرتفعة جدًّا دون هبوط، ولو قليل، كان من المتوقع من هذا الصديق t الذي لا يشك أحد في إيمانه، والمبشر بالجنة تصريحًا والمقدم على غيره دائمًا، كان من المتوقع منه أن يحادثه في قضية الإيمان برباطة جأش، وثبات قدم، لكن الصديق t رجل المفاجآت t، وقف يحاسب نفسه بسرعة، عقله لا يتوقف عن مساءلة نفسه، وقلبه لا يطمئن على عظيم إيمانه، حاسب نفسه بصراحة ووضوح فكانت المفاجأة العظمى أن قال: فوالله إنا لنلقى مثل هذا.

سبحان الله، أبو بكر الصديق المشهود له بالإيمان من رسول الله r، بل ليس إيمانًا عاديًّا، بل إيمان كإيمان أمة، أو يزيد، والمشهود له بالتقوى من الله U، حيث قال في حقه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} [الليل: 17].

يقصد أبا بكر، هذا الرجل يجد في نفسه هذا الأمر الذي خشي أن يكون نفاقًا، ومع أن الخاطر عجيب ومع أن الهاجس غريب، ومع أنه من الطبيعي تمامًا لرجل في مكانته أن يطرد هذه الأفكار بسرعة، إلا أن الصديق ليس كذلك، الصديق يسبق إلى الاطمئنان على إيمانه، فإذا به يسارع مع حنظلة t إلى رسول الله r للاطمئنان على قضية الإيمان، يقول حنظلة t: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على الرسول r هنا سارع حنظلة يقول: نافق حنظلة يا رسول الله. فتعجب رسول الله r وقال: "وَمَا ذَاكَ؟", قال حنظلة: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرًا.

هنا يتكلم الطبيب الماهر، والحكيم العظيم رسول الله r وكأني ألحظ على وجهه ابتسامة رقيقة وبشرًا في أساريره وحنانًا في صوته بأبي هو وأمي، وهو يقول في هدوء وتؤدة: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكِمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً". ثلاث مرات.

ومن المفهوم يقينًا أن رسول الله r لا يقصد ساعة طاعة وساعة معصية كما يفهم كثير من الجهال أن هناك ساعة لله، وساعة يخرجون فيها عن منهجه وشرعه، لكن المقصود هو ساعة تفرغ وخلوة واجتهاد في الطاعة، وساعة أخرى تفرغ لأمور الدنيا الحلال، والذي يطالب الإنسان بها أيضًا في شرع الله كرعاية الأزواج والأولاد، ومتابعة أسباب الرزق واللهو الحلال، والنوم الذي لا يضيع صلاة، وغير ذلك من أمور الحياة المختلفة.

الشاهد اللطيف في القصة هو حرص الصديق على قضية الإيمان مع أنه كان من الممكن أن ينتظر حتى يرى رسول الله r في صلاة من الصلوات، لكنه سارع إليه مطبقًا شعاره: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].

سبقه إلى الدعوة :
وسبحان الله، إن كان عجيبًا سبق الصديق إلى الإسلام، فلعل الأعجب من ذلك سبقه إلى الدعوة إلى هذا الدين، وحماسه لنشره وحميته لجمع الأنصار له، وسرعته في تبليغ ما علم من الرسول r مع قلة ما علمه.

سَبَق الصديق إلى الدعوة إلى هذا الدين الجديد، فإذا به يأتي في اليوم الأول لدعوته بمجموعة من الرجال قَلّ أن يجتمعوا في زمان واحد، الرجل بألف رجل أو يزيد، أتى في اليوم الأول بخمسة هم:
عثمان بن عفان.
الزبير بن العوام.
سعد بن أبي وقاص.
طلحة بن عبيد الله.
عبد الرحمن بن عوف.
ما هذا؟! هؤلاء الخمسة، صناديد الإسلام، وعباقرته، أتوا جميعًا على يد الصديق؟ نعم، صِدْق، فهو الصديق، والحدث عظيم، ويحتاج إلى وقفات، فبتحليل إسلام هؤلاء الخمسة يزداد المرء عجبًا:

الملحوظة الأولى :
ليس من هؤلاء أحد من قبيلة بني تيم إلا طلحة بن عبيد الله فقط، وبقيتهم من قبائل أخرى فعثمان بن عفان أموي، من بني أمية، والزبير بن العوام من بني أسد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من بني زُهرة، فالاستجابة له لم تكن من باب القبلية، ولكن كما هو واضح كان له صداقات قوية، وعلاقات وطيدة بكثير من أركان المجتمع المكي قبل الإسلام، وهذا ولا شك أساس من أسس الدعوة.

الملحوظة الثانية :
أن أعمار هذه المجموعة كانت صغيرة جدًّا، وبعيدة عن عمر الصديق، فالزبير بن العوام t كان في الخامسة عشر من عمره، ومع ذلك لم يستقله أبو بكر الصديق t وأَسَرّ له بهذا السر الخطير، سِرّ دعوة الإسلام في بلد لا محالة ستحارب هذه الدعوة، في الخامسة عشر من عمره، هذا يعني أنه في سن ولد في الصف الثالث الإعدادي في زماننا، يعني الزبير بن العوام أخذ قرار الإسلام وتغيير الدين ومحاربة أهل مكة جميعًا وهو في الإعدادية، ويبدو أن تربيتنا لأطفالنا تحتاج إلى إعادة نظر، فكثير منا ينظر إلى ابنه في الجامعة، وبعدها على إنه صغير لا يتحمل مسئولية، ولا يأخذ قرارًا بمفرده، وطلحة بن عبيد الله كان أكبر من ذلك قليلاً، وكذلك سعد بن أبي وقاص t كان في السابعة عشر من عمره، وعبد الرحمن بن عوف t نحو ذلك أيضًا، وكان أكبرهم هو عثمان ن عفان، ويبلغ من العمر آنذاك حوالي الثامنة والعشرين.

إذن أبو بكر الصديق قبل الإسلام كان له علاقات طيبة مع كل طوائف مكة على اختلاف قبائلها، وعلى تفاوت أعمارها، وعندما فكر في تبليغ الدعوة بلغها للشباب من أهل مكة، وبالذات لأولئك الذين اشتهروا بالطهر والعفاف، وحسن السيرة، فكان لهم بمثابة الأستاذ لتلامذته، سمعوا له، واستجابوا، فكان خيرًا له ولهم، وللإسلام، والمسلمين، وهي إشارة لكل الدعاة أن يعطوا قدرًا أكبر وأعظم للشباب، فعلى أكتافهم تقوم الدعوات.

الملحوظة الثالثة :
أنه بعد أن أتى بهذا الرعيل الأول، وهذا المجهود الوافر، ما فتر حماسه، وما كلت عزيمته، ولكنه أسرع في الأيام التالية يأتي بغيرهم، أتى بأبي عبيدة بن الجراح t أمين هذه الأمة، وهو من بني الحارث بن فهر، وكان يبلغ من العمر سبعة وعشرون عامًا، وجاء أيضًا بالصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو من بني جمح، ثم أتى بالأرقم بن أبي الأرقم وأبو سلمة بن عبد الأسد وهما من بني مخزوم، وما أدراك ما بنو مخزوم، هي قبيلة تتنازع لواء الشرف مع بني هاشم قوم رسول الله r، فكيف أثر عليهما حتى يأتي بهما يدخلان في الإسلام تحت قيادة رجل من بني هاشم؟

هذا أمر لافت للنظر ولا شك، ومن الواضح الجلي أن الصديق t كان قريبًا من قلوبهم إلى درجة أقرب من القبيلة والعنصرية والعصبية وحمية الجاهلية، وغير ذلك من الدوافع المنتشرة في ذلك الزمان، ومن الجدير بالذكر أن الأرقم بن أبي الأرقم t والذي فتح بعد ذلك بقليل بيته للمسلمين، ولرسول الله r يعقدون فيه لقاءاتهم ويتعلمون فيه دينهم بعيدًا عن عيون مكة، ومعرضًا نفسه لخطر عظيم وخطب جليل، جدير بالذكر أن هذا البطل المغوار والمغامر الجريء كان يبلغ من العمر ستة عشر عامًا فقط، ولا تعليق.

الملحوظة الرابعة :
أن ستة من الذين دعاهم أبو بكر الصديق t للإسلام من العشرة المبشرين بالجنة، وهم صفوة الصحابة وخير الأمة بعد نبيها محمد r، والآخرون أيضًا من أهل الجنة إن شاء الله فهم من السابقين السابقين، وإن العقل ليعجز أن يتخيل حجم الثواب الذي حصله أبو بكر الصديق من جراء دعوته لهؤلاء وغيرهم، فكما قال رسول الله r في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة t: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الآثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا".

وكما قال أيضًا r في حديث الإمام مسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ".

فتدبر يا عبد الله في أفعال العظماء الذين أتى بهم الصديق t، تدبر في أعمال عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وأبي عبيدة، والأرقم، وأبي سلمة، وعثمان بن مظعون، ثم سيأتي بعدهم آخرون أمثال بلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، تدبر في ذلك، وأعلم أن أجور هؤلاء جميعًا، ومن هداهم الله على أيديهم، كل هذا في ميزان الصديق t وأرضاه، حتى تعلم عظم الدعوة إلى الله، وشرف العمل الذي وكله الله للأنبياء ومن سار على نهجهم.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} [فصِّلت: 33]. تدبر في كل هذا، ثم تدبر في مجهوداتنا لهذا الدين، هذا الصديق أتى بهؤلاء، وحمل معه أجور هؤلاء، فمَن مِن البشر أتينا به إلى طريق الله، وكم من الأجور حملنا معنا في ميزاننا، سؤال لا بد أن نقف مع النفس وقفة لإجابة، ونسأل الله أن يسدد خطانا ويبصرنا بما يصلح ديننا ودنيانا وأخرتنا.

نعود إلى بطلنا الصديق t، ونتساءل لماذا استجيب لدعوته بهذه السرعة؟ ولماذا أحبه قومه لهذه الدرجة؟

اسمع كلام طلحة بن عبيد الله t، وهو يصف أبا بكر الصديق، ولاحظ أن هذا الوصف قاله طلحة بن عبيد الله t يوم إسلامه، قال: وكنت أعرف أبا بكر، فقد كان رجلاً سهلاً محببًا موطأ الأكناف. أي لين الجانب، فها هي صفة أولى نلاحظها في كلام طلحة t، فالصديق كان سهلاً محببًا إلى القلوب، كان لينًا مع الناس رفيقًا بهم، كان حنونًا عطوفًا رحيمًا، ورجل بهذه الصفات لا بد أن يحبه الناس، وصدقت يا رسول الله r وأنت تصف المؤمن فتقول: "الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ".

روى ذلك الإمام أحمد عن أبي هريرة t، وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله r: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ". ونكمل الاستماع إلى وصف طلحة t لأبي بكر الصديق t: وكان تاجرًا ذا خلق واستقامة.

وهنا أيضًا نلاحظ سمات لا بد أن تجذب القلوب لصاحبها، الصديق كان تاجرًا، وكان كثير الأموال، وكان رجلاً معطاءً، كثير العطاء، والناس بطبعها تحب مجالسة الرجل الذي ألف العطاء، وألف السخاء، وإن كانوا لا يريدون منه مالاً، فعلى الأقل هو لن يطلب منهم شيئًا، والناس أيضًا بطبعها تنفر من الذين يطلبون منهم شيئًا، ويستقرضونهم في كل مناسبة، ومن ثم فلا عجب أن أهل مكة كانوا يحبون مجلس الصديق t، فوق ذلك يقول طلحة t: كان تاجرًا ذا خلق واستقامة.

والتجارة والمال الكثير كثيرًا ما يغيران من نفوس الناس، وكثيرًا ما يغش التاجر في تجارته، ويدلس على زبائنه، وكثيرًا ما يحلف على بضاعته بالكذب ليزداد ربحًا، والتاجر المستقيم صاحب الخلق لا بد وأن يكون محبوبًا، ولا بد أن يكون مقربًا لقلوب الناس، وبالتبعية، فإن الله يعظم جدًا من أجر التاجر المستقيم، روى الترمذي والدارمي وقال الترمذي: حديث حسن. عن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله r: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ".

فإذا كان التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين فما بالك بالتاجر الصِّديق أبي بكر الصديق t وأرضاه، ويكمل طلحة بن عبيد الله t كلامه عن الصديق فيقول: وكنا نألفه، ونحب مجالسه؛ لعلمه بأخبار قريش، وحفظه لأنسابها.

فها هي صفة جديدة تحبب الناس في الصديق، وكان لها أثرًا في استجابة الناس له، فالصديق كان عالمًا بالعلم الذي يفيد في زمانه، والعلم الذي يحتاجه أهل البلد، علم الأنساب كان t أعلمهم بالنسب، وهذا أمر بالغ الأهمية في المجتمع المكي القديم، شهد له بذلك رسول الله r في الحديث الذي روته بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وجاء في صحيح مسلم أن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وفوق علمه بالنسب، فهو كريم الخلق، فلم يطعن في نسب أحد مهما علم فيه من مثالب ومساوئ، وهذا يجعله، ولا شك محبوبًا للناس جميعًا، وهي رسالة إلى كل الدعاة أن عليهم أن يتعلموا العلم النافع الذي يصلح بيئتهم ومجتمعهم، وأن لا يتكبروا بعلمهم على الناس، فذلك -كما علمنا الصديق- الطريق إلى قلوب العباد.

الملحوظة الخامسة :
والصديق t وأرضاه لم يكن حريصًا على أصدقائه ومعارفه على حساب أهل بيته، كثير من الدعاة ينفقون الساعات الطوال في دعوة الآخرين، ثم هم يقصرون تقصيرًا شديدًا في دعوة أهل بيتهم، مع أنهم سيسألون عنهم قبل الآخرين، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

الصديق t كان راعيًا في بيته، وكان مسئولا عن رعيته t، أدخل في الإسلام زوجته أم رومان رضي الله عنها، وزوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأدخل أولاده عائشة، وأسماء، وعبد الله y أجمعين، ثم ما لبث أن أدخل أمه أيضًا في الإسلام بعد أن طلب من رسول الله r أن يدعو لها بالهداية، وتأخر ابنه عبد الرحمن عن الإسلام كثيرًا فقد أسلم يوم الحديبية، فشق ذلك على أبي بكر وكان له موقف عجيب معه سيأتي شرحه لاحقًا إن شاء الله، وتأخر إسلام أبيه أكثر من ذلك، لكن ما نسيه الصديق t وأرضاه، حتى كان يوم فتح مكة، فأتى به رسول الله r وكان أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق رجلاً مسنًا طاعن في السن حتى قالوا: كان رأسه ثغامة (والثغامة نبات أبيض يُشَبه به الشيب) فجاء به الصديق t إلى رسول الله r فقال الرسول الكريم المتواضع r: "يَا أَبَا بَكْرٍ هَلاَّ تَرَكْتَهُ حَتَّى نَأْتِيَهُ". فقال أبو بكر في أدب جم: هو أولى أن يأتيك يا رسول الله. فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله r، وفي رواية قال رسول الله r: "إِنَّا نَحْفَظُهُ لأَيَادِي ابْنِهِ عِنْدَنَا".

وهكذا فعائلة الصديق كلها مسلمة، بل لم تجتمع الصحبة لرسول الله r في أجيال أربعة متعاقبة في عائلة واحدة إلا في عائلة الصديق t، فالجيل الأول هو جيل أبو قحافة وزوجته والدا الصديق t، والجيل الثاني هو الصديق t وزوجاته، والجيل الثالث أولاد الصديق أسماء وعائشة وعبد الله وعبد الرحمن، والجيل الرابع هم أحفاد الصديق ولهم صحبة مثل عبد الله الزبير بن العوام ابن السيدة أسماء رضي الله عنها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر y أجمعين، فهذه العائلة المباركة بارك الله فيها، وعمت بركتها على أمة المسلمين جميعًا.

سبقه في كل أعمال الخير :
وكما رأينا سبقه t وأرضاه في الإسلام والإيمان والدعوة، فإننا أيضًا نرى بوضوح سبقه t في كل أعمال الخير، يروي لنا الإمام مسلم عن أبي هريرة، والبيهقي عن أنس والبزار عن عبد الرحمن بن أبي بكر حديثًا يوضح لنا مثالاً لمسارعة الصديق t إلى الخير، نذكر هنا رواية البزار؛ لأن فيها توضيحًا أكثر للموقف، يقول عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: صلى رسول الله r صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟", فقال عمر: يا رسول الله، لم أحدث نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت مفطرًا. فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة، فأصبحت صائمًا. فقال رسول الله r: "هَلْ أَحَدٌ مَنْكُمُ الْيَوْمَ عَادَ مَرِيضًا؟", فقال عمر: يا رسول الله لم نبرح، فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكٍ، فجعلت طريقي عليه؛ لأنظر كيف أصبح؟ فقال رسول الله r: "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ مِسْكِينًا؟" فقال عمر: صلينا يا رسول الله، ثم لم نبرح؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا بسائل، فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها، ودفعتها إليه. فقال رسول الله r: "أَنْتَ فَأَبْشِر بِالْجَنَّةِ". ثم قال كلمة أرضى بها عمر، بل إن في رواية أبي هريرة في صحيح مسلم يسأل رسول الله r فوق هذا فيقول: "فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟" فقال أبو بكر: أنا. وفي نهاية الحديث قال رسول الله r: "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ".

حقًّا، من العسير والله أن تحصر مواقف السبق في حياة الصديق t وأرضاه فالسبق في حياته يشمل كل حياته، يلخص هذا عمر بن الخطاب t في الحديث الذي رواه أبو داود، والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. يقول عمر: أمرنا رسول الله r أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي فقال رسول الله r: "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟" قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟" قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلتُ -أي عمر-: لا أسبقه في شيء أبدًا.


 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 11:22 AM   #4
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول




أبو بكر الصديق وإنكار الذات


كان الصديق t من أروع الأمثلة الإسلامية على صفة إنكار الذات؛ أنكر الصديق t ذاته في حق الله ، فلا يأمره الله بشيء ولا ينهى عن شيء إلا امتثل، واستجاب مهما كانت التضحيات..

الصديق أنكر ذاته في حق رسول الله ، ومواقفه في إنكار ذاته مع الرسول لا تحصى، فهو لم يكن يرى نفسه مطلقًا بجوار رسول الله .. والصديق قد أنكر ذاته مع المؤمنين، حتى من أخطأ في حقه منهم، بل حتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة المعروفة بين الناس.

إنكـار الذات معناه: أن الإنسان لا يرى نفسه مطلقًا، ليس لنفسه حـظٌّ في حياته، وإن كان حلالاً، وإن كان مقبولاً في عرف الناس، وفي الشرع، لكنه دائمًا يؤخر نفسه، ويقدم غيره.

إنكار الذات معناه: أن تتخلص النفس من حظ النفس، فلا تهتم بثنـاءٍ، ولا مدح، ولا تنتظر أن يشار إليها في قول أو فعل.

إنكار الذات معناه: أن تؤخر حاجات النفس الضرورية، وتقدم حاجات الآخـرين، حتى وإن لم تربطك بهم صلات، أو علاقات رحم، أو مصلحة، أو مـال.

إنكـار الذات هو أعلى درجات السمو في النفس البشرية، تقترب فيه النفس من الملائكة، بل لعلها تفوق الملائكة، لأن الملائكة جبلت على الطـاعة، أما الإنسان فهو مخير بين الخير، والشر.

ولعل أكثر مثل يوضح لنا إنكار الذات نجده في الأم، في تعاملها مع أولادها، وليس معنى إنكار الذات، أن الإنسان لا قيمة له، بل على العكس، فالمنكرون لذواتهم هم أعلى الناس قيمةً، وأرفعهم قدرًا، لكنهم لا ينتظرون من الناس مقابلاً لذلك.

الأم مثلاً لا ترى نفسها أمام أولادها، قد تتعب، قد تـسـهر، قد تنفق، قد تـسـاعد، تفعل أي شيء، أي شيء، وهي سعيدة بذلك؛ لأنها أسعدت أولادها، ولا ترى ما أصابها من تعب أو سهر أو مرض، هذه هي الأم.

بيد أن إنكار الذات عند المؤمن أعلى من ذلك، أعلى من ارتباط الأم بوليدها، لمـاذا؟

ذلك لأن الأم ترتبط بوليدها برابطة فطرية، طبيعية، كما أنها لا تنكر ذاتها إلا مع أطفالها، فقد لا تفعل ذلك مع جيرانها، أو معارفها، أو أقاربها، أو حتى مع زوجها، أمـا المؤمن الذي يفعل ذلك، فإنه ينكر ذاته في حياته كلها، مع القريب والبعيد، مع الأهل، وغيرهم، مع الأصحاب، وغير الأصحاب، بل قد يفعل ذلك مع من أخـطـأ في حقه وآذاه، صفة عجيبة حقًّا، صعبة، عالية جدًّا، في أعلى درجات سلم الإيمـان.

أين حظ النفس عند الصديق؟
ولقد كان الصديق t من أروع الأمثلة الإسلامية على صفة إنكار الذات، أنكر الصديق t ذاته في حق الله ، فلا يأمره الله بشيء، ولا ينهى عن شيء، إلا امتثل، واستجاب، مهما كانت التضحيات، الصديق أنكر ذاته في حق رسول الله ، ومواقفه في إنكار ذاته مع الرسول لا تحصى، فهو لم يكن يرى نفسه مطلقًا بجوار رسول الله ، والصديق قد أنكر ذاته مع المؤمنين، حتى من أخطأ في حقه منهم، بل حتى من تجاوز خطؤه الحدود المألوفة، المعروفة بين الناس

ابحث في حياة الصديق، ونَقّب، أين حظ النفس عند الصديق؟

لا تجد، أين إشباع الرغبات الطبيعية عند البشر من حبٍّ للمال، وحبٍّ للجاه، والسلطان، وحب للسعادة، وحب الظهور، بل حب الحـيـاة؟

أين ذلك عند الصديق؟

لن تجده أبدًا، مثال عجيب من البشر، وآية من آيات الرحمن في خلقه،

ولعلنا نكتفي هنا بالمرور السريع على مثال من إنكار الصديق لذاته، ولعلنا نتوقف عند المـال مثلاً.

أين حظ الصديق من ماله؟

جبل الصديق t على حب العطاء، حتى لتشعر وأنت تقرأ سيرته أنه يستمتع بالعطاء ويبحث عنه، وهذا شيء عجيب، فالإنسان بصفة عامة جبل على حب المال حبًّا شديدًا، قال : {وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20].

وقال: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100].

أي شديد البخل وشديد المنع، الصديق لم يكن كذلك، وسبحان الذي سَوّاه على هذه الصورة، فالصديق كان يحب الإنفاق حتى في الجاهلية قبل أن يسلم. عمله في ضمان الديات: كان t قبل إسلامه مسئولاً عن ضمان الديات والمغارم في مكة، فإذا سأل قريشًا ضمانًا قبلوه، وإذا سألهم غيره خذلوه، وهذا عمل خطير، فقد يتحمل الصديق دية رجل، ثم لا يوفي أهله، فيكون على الصديق قضاؤها، أي أنه عمل فيه خسارة، ويحتاج إلى كثير من المال، وإلى نفس راغبة في قضاء حوائج الناس، وتحمل مغارمهم، إذا كان هذا هو الصديق قبل إسلامه، فما بالكم بعد أن أسلم؟

ما بالكم كيف يكون حاله إذا سمع من رسول الله حديثًا قدسيًّا ينقله عن رب العزة يقول فيه الله تعالى: "انْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ؟".

وذلك كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة t، بل كيف يكون حاله وقد سمع رسول الله يقسم أن مال العبد لا ينقص من الصدقة؟ الصديق لا يحتاج إلى قسم الرسول ليصدقه، الصديق t كان واضعًا نصب عينيه حقيقة ما اختفت لحظة عن بصره وعقله وقلبه، تلك الحقيقة هي:

إن كان قال فقد صدق.

هكذا، مجرد القول يعني عنده التصديق الكامل الذي لا شك فيه، فما بالكم إذا سمعه يقسم؟

الصديق ينفق ماله كله في سبيل الله :
هذه الطبيعة الفطرية، وهذا اليقين في كلام رسول الله يفسر لنا كثيرًا من مواقف الصديق t، فالصديق t شاهد مع بدايات الدعوة في أرض مكة، التعذيب الشديد والتنكيل الأليم بكل من آمن من العبيد، والعبيد في ذلك الزمان يباعون ويشترون، وليس لهم أدنى حق من الحقوق، تألمت نفس الصديق الرقيقة لهذه الوحشية المفرطة من الكفار مكة، وسارع بماله ينقذ هذا، ويفدي ذاك، يشتري العبد، ثم يعتقه لوجه الله، هكذا {لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} [الإنسان :9].

مر t ببلالٍ t، وهو يعذب على صخور مكة الملتهبة، وعلى صدره الأحجار العظيمة، فساوم عليه سيده أمية بن خلف عليه لعنة الله، وعرض عليه أن يشتريه، أو يبادله بعبد آخر أجلد منه، وأقوى، وليس بمسلم، وفي رواية أنه اشتراه بسبع أوقيات من الذهب، ودار حوار رائع بين الصديق t، وبين أمية بن خلف عليه لعنة الله، قال أمية يريد أن يبث الحسرة في قلب الصديق: لو عرضت عليَّ أوقية واحدة من الذهب لبعته لك. قال الصديق العظيم t في هدوء: لو طلبت مائة أوقية من الذهب لأشتريه.

سبحان الله، فارتدت الحسرة في قلب أمية بن خلف، أمية بن خلف المشرك لا يدرك قيمة بلال، بعد أن أسلم، لكن الصديق t يدرك ذلك، فهذا العبد الأسود القليل في نظر المشركين، وأهل الدنيا، هذا العبد ذاته ثقيل في ميزان الله ، بما يحمل في قلبه من إيمان وتوحيد وإسلام، هذه المعاني الرقيقة السامية لا يفهمها أهل المادة، لكن يفهمها الصديق بعمق ويتعامل على أساسها.

اشترى الصديق t أم عبيس رضي الله عنها وأعتقها، واشترى زنيرة رضي الله عنها وأعتقها، واشترى النهدية وابنتها رضي الله عنهما وأعتقهما، ولهما قصة لطيفة رواها ابن إسحاق في سيرته، كانت النهدية وابنتها ملكًا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما الصديق t، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا. قال أبو بكر الصديق t: حلّ يا أم فلان. أي تحللي من يمينك، فقالت: حل أنت، أفسدتها فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت بكذا وكذا، قال الصديق t: قد أخذتهما، وهما حرتان، ارجعا إليها طحينها.

هنا نجد ردًّا لطيفًا عجيبًا من الجارتين المسلمتين اللتين تخلقتا بخلق الإسلام الرفيع قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟

سبحان الله، بعد النجاة من هذا الظلم الشديد، والسخرة المهينة ما زالتا تحرصان على مال سيدتهما، قال الصديق t: ذلك إن شئتما.

ومر الصديق t بجارية بني مؤمل (حي من بني عدي) وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله آنذاك مشركًا، وكان شديد الغلظة على المسلمين، وكان يضربها ضربًا مؤلمًا لساعات طوال، ثم يتركها ويقول: إني لم أتركك إلا عن ملالة. مر بها الصديق t، فابتاعها ثم أعتقها لوجه الله.

ودعا الصديق t غلامه عامر بن فهيرة إلى الإسلام، فلما أسلم أعتقه أيضًا لوجه الله.

وكما رأينا فإن الصديق t لم يكن يفرق بين عبد وأمة، أو قوي وضعيف، هذا الأمر لفت نظر أبيه أبي قحافة فقال له: يا بني إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالاً جلدًا، يمنعونك، ويقومون دونك؟ ولا ننسى أن الصديق t من بطن ضعيف من بطون قريش، فقال الصديق t في إيمان عميق: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله .

فأنزل الله في حقه قرآن كريمًا، قال : {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل17: 21].

قال ابن الجوزي: أجمع العلماء أنها نزلت في أبي بكر الصديق t.

وتخيل معي أن الله ينزل قرآنًا يشهد فيه للصديق بالتقوى، بل بأنه الأتقى، ويشهد له بإخلاص النية، فهو يريد أن يتزكى، ولا يريد جزاء من أحد، وإنما يريد وجه الله فقط، ثم انظر الوعد الرباني الجليل العظيم، ولسوف يرضى، ومهما تخيلت من ثواب وجزاء ونعيم، فلا يمكن أن تتخيل ما أعده الله لمن وعد بإرضائه {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 21].

روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة t، قال: قال رسول الله : "أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي".

الصديق t كان يملك عند إسلامه أربعين ألف درهم، أنفقها جميعًا في سبيل الله ، أنفق منها خمسة وثلاثين ألف درهم في مكة، حتى لم يبق إلا خمسة آلاف درهم، أخذها معه في الهجرة أنفقها على رسول الله وعلى المؤمنين، حتى فني ماله، أو قل: بقي ماله. وليس: فني ماله. فالذي يبقى هو الذي يُنفق في سبيل الله، والذي يفنى هو الذي يُمْسك في يد العبد، ولكن تخيل قدر هذا الإنفاق لا بد أن نعرف قيمة هذه الأربعين ألف درهم في زماننا، لا تنسى أننا نتحدث عن زمن مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة عام، إذا كانت قيمة الجنيه المصري مثلاً قد تغيرت كثيرًا في غضون عشرة أو عشرين أو ثلاثين سنة، فما بالك بألف وأربعمائة من السنين تعالوا نقوم بحسبة لطيفة، ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله أنه اشترى شاة بدرهم، إذن الصديق t كان يملك ما يساوي أربعين ألف شاة، ونحن اليوم نشتري الشاة بمتوسط 800 جنيه مصري مثلاً، إذن الصديق t كان يملك ما يساوي 32 مليونًا من الجنيهات المصرية، يعني أكثر من 6 مليون دولار، وطبعًا كان الدرهم له قيمته، ولم يكن هناك تضخم، ولا أزمة اقتصادية، ولا تعويم للدرهم.

سبحان الله أنفق كل هذه الثروة الطائلة في سبيل الله، وفوق ذلك كان تاجرًا لم يتوقف عن تجارته، فهناك إنفاق فوق كل هذه الأموال المدخرة، وفوق ذلك هناك إنفاقه في المدينة المنورة من تجارته هناك، فقد أنفق كل أمواله في فترة مكة كما ذكرنا، لكن عاود الكسب من جديد، فمثلاً أنفق في تبوك أربعة آلاف درهم (حوالي مليون ونصف جنيه مصري) كانت هي كل ما يملك من مال، ولم يترك لأهله إلا كما قال: تركت لهم الله ورسوله.

هذا الإنفاق العجيب، والنفس المعطاءة هو الذي دفع رسول الله أن يقول فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة t وأرضاه: "مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنَي مَالُ أَبِي بَكْرٍ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهَ.

وفي رواية الترمذي عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله : "مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلاَّ وَقَدْ كَافَأْنَاهُ، مَا خَلا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ".


 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 11:23 AM   #5
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول




أبو بكر الصديق ونعمة الثبات

لما علم الله عز وجل من الصديق إيمانًا عميقًا في قلبه، ويقينًا صادقًا في عقله، وعملًا صالحًا في كل جوارحه. لما رأى منه حبًا جارفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى تصديق كامل، واتباع دقيق، ولما اطلع على قلبه فوجده رقيقًا حانيًا عطوفًا، ووجد خلقه حسنًا رفيعًا عاليًا، ولما علم منه سبقًا إلى الخيرات، ومسارعة إلى الحسنات وحسمًا وعزمًا في كل أمور حياته، ولما رأى منه عطاءً ثم عطاء .. لما رأى منه كل ذلك وغيره، أنعم عليه بنعمة عظيمة وهِبة جليلة، أنعم عليه بنعمة الثبات على كل ما سبق من خير، الثبات على الإيمان، وعلى الإسلام، الثبات على الطاعة وحسن الخلق، الثبات على العطاء، الثبات أمام الفتن، كل الفتن صغيرة كانت أو كبيرة، دقيقة كانت أم عظيمة، خفية كانت أم ظاهرة.

والثبات شيء صعب وعسير، الإنسان قد ينشط في فترة من الفترات، ولكنه سرعان ما يفتر، قد يقوى في زمان، لكنه يضعف في أزمان، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكَ".

ولكن العجيب في حياة الصديق رضي الله عنه أن ترى ثباتًا في كل الفضائل، وفي كل المواقف منذ أسلم، وحتى مات، مهما تغيرت الظروف والأحوال، والثبات فعلًا شيء عسير، الدنيا من طبيعتها التقلب، من النادر أن تجد فيها شيئًا ثابتًا، كما قالوا قديمًا: دوام الحال من المحال، يقول سبحانه: {يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ}[النور:44]، وفي موضع آخر يقول: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] .

ويقول في موضع ثالث: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5] .

هكذا الإنسان دائمًا في تقلب، والأرض كذلك دائمًا في تقلب، والقلب أيضًا كذلك، كثير التقلب، بل قيل: إن القلب سمي قلبًا؛ لأنه سريع التقلب.

روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ". فقلت: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نَعَمْ، "إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنِ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ".

وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ".

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ".

ويزداد الأمر صعوبة على القلب بتغير الظروف من حوله، فقلب قد يثبت على حاله من الغنى، فإذا افتقر الإنسان فتن، وقلب قد يثبت على حاله من الفقر، فإذا اغتنى الإنسان فتن، قد يثبت في بلد، ويفتن في آخر، قد يثبت في عمل، ويفتن في آخر، قد يثبت في سن، ويفتن في سن آخر، بل قد يثبت في نهار، ويفتن في ليل، بل قد يثبت لحظة، ويفتن في لحظة تالية، والإنسان في هذه الدنيا ليس متروكًا في حاله، كثير من الأعداء تناوشه وتهاجمه، الشيطان لا يهدأ ولا يستكين، قال تعالى: {ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17].

فالدنيا مجموعة متراكمة من الفتن، ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ} [فاطر:5].

ونفس الإنسان تُغير كثيرًا من قلبه، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53].

وشياطين الإنس أحيانًا ما يكونون أشد ضراوة من شياطين الجن، وبين كل هذه المتقلبات يعيش القلب، فكيف لا يتقلب؟ وهو القلب المشهور بالتقلب، والقلب إن كان ضعيف الإيمان فتقلبه خطير {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ} [الحج:11].

والنجاة من التقلب عسيرة إلا إذا مَنّ الله بها على عبده، والله لا يَمُنّ بالثبات على عبد خامل كسلان، بل لا بد أن يقدم شيئًا، اسمع إلى قوله عز وجل: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63].

إذن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعًا لصيقًا دقيقًا يقي الإنسان شر الفتن، أو قل: يجعل الإنسان أهلًا أن يَمُنّ الله عليه بنعمة الثبات، جميع الخلق بلا استثناء لا يثبتون بغير تثبيت الله لهم، اقرأ إن شئت كلام الله سبحانه، في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74].

واقرأ معي قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27].

وأكثر المسلمين اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأكثر المسلمين تلقيًا لتثبيـت الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا، حياته عجيبة رضي الله عنه وأرضاه، كم من الفتن عرض عليه، وكم من الثبات قدم رضي الله عنه، روى الترمذي وغيره حديثًا وقال: حديث حسن. يفسر لنا هذه الفتن الكثيرة التي عرضت للصديق رضي الله عنه في حياته، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يُتْرُكُهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ".

ولكون الصديق هو الأمثل في الإيمان، بعد الأنبياء، فإن ابتلاءه كان شديدًا. ولنتجول في حياة الصديق رضي الله عنه، نتعرف على طرف من ابتلائه وطرف من ثباته.

ثبات أبي بكر أمام فتنة المال
وقصدت أن أبدأ بها؛ لأنها فتنة عظيمة، وكثير من المؤمنين يثبتون أمام فتن شتى، فإذا جاءوا إلى فتنة المال، وقعوا فيها، ويقول أحد الصحابة: ابتلينا بالضراء، فصبرنا، وابتلينا بالسراء، فلم نصبر.

حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وكذلك رواه الإمام أحمد عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ".

وإن كان هناك بشر لا يهتز أمام المال غير الأنبياء، فهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لقد شاهدنا كثيرًا من المتقين، وشاهدنا كثيرًا من الزاهدين في الدنيا، وسمعنا عن أمثلة عظيمة، ومواقف مشهودة، لكننا لم نسمع عن رجل اعتاد أن ينفق كل ماله في سبيل الله، لا يُبقي لأهله، ولنفسه شيئًا، ليس مرة أو مرتين يفعلها، ولكنه اعتاد الثبات على ذلك، ونحن تحدثنا من قبل عن إنفاقه رضي الله عنه في الدعوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في فترة مكة، أو المدينة، وذكرنا تقدير رسول الله لذلك، لكن نذكر هنا طرفًا سريعًا من ثباته أمام فتنة المال بعد أن تولى الخلافة:

- فها هو الصديق بعد أن أنفق ماله كله، يمتلك مقاليد الحكم في المدينة، ويضع يده على بيت المال، وها هي القبائل المرتدة تعود إلى الإسلام بعد عام من القتال المستديم، فيأتي خراجها، وتأتي صدقاتها، ويمتلأ بيت المال، ثم ها هي فارس تفتح، والشام كذلك تفتح، وتأتي الغنائم وفيرة، والكنوز عظيمة، فماذا فعل الصديق رضي الله عنه؟

ما تغير قدر أنملة، وما فتن بالدنيا لحظة، ليس الصديق الذي يتبدل، لقد أعطى الدنيا حجمها، وزهد فيها، وأعطى الآخرة حجمها كذلك فعمل لها، فقد سمع من حبيبه وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم حديثًا وضح فيه حجم الدنيا مقارنة بالآخرة، وهو الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعُهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ. يعني التي تلي الإبهام".

ما غاب عن ذهنه أبدًا هذا المقياس، ومن أجل هذا لم يفتن بالدنيا لحظة، لقد سمع وصية من معلمه ومعلمنا، ومرشده ومرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعها نصب عينيه، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ".

- أصبح الصديق ذات يوم بعد أن ولي الخلافة، وعلى يده أبراد (والبُرد هو الثوب المخطط) فكان يحمل هذه الأبراد متجهًا إلى السوق؛ ليتاجر كعادته، حتى بعد أن أصبح خليفة، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله: أين تريد؟ قال:إلى السوق. قال عمر: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمر المسلمين. قال: فمن أين أطعم عيالي؟

ولنتأمل، يده على بيت المال بكامله، ويتساءل هذا السؤال! فأشار عليه أن يذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت المال، ليفرض له قوته وقوت عياله، فذهبا إليه، ففرض له، إلى هذه الشفافية في الضمير، والأمانة في اليد، والنقاء في النفس وصل الصديق رضي الله عنه، ينزل إلى السوق، وهو خليفة كي يتاجر حتى يطعم عياله، وطبعًا عف الصديق، فعفت الرعية، لم نسمع عن وزير من وزراء، أو مستشار من مستشاريه هرّب أمواله إلى بنوك فارس والروم.

- وانظروا إلى الصديق، وهو على فراش الموت، بعد رحلة طويلة من الجهاد المضني، انظروا إليه كيف يقول وهو رأس الدولة التي دكت حصون فارس والروم، يقول مخاطبًا عائشة رضي الله عنها: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم دينارًا، ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم (يقصد الطعام البسيط) في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضب، وهذه القطيفة (كساء في بيته رضي لله عنه)، فإذا مت فابعثي بهن (العبد الحبشي، والبعير الناضب، والقطيفة) إلى عمر وابرأي منهن. تقول السيدة عائشة: ففعلت.

فلما جاء الرجل الذي أرسلته السيدة عائشة إلى عمر، بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب مَن بعده، رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.

وجاء في رواية أخرى موقفًا آخر له عند الوفاة يصور مدى عفته وثباته، إذ قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها.

يقصد أن عمر قد أرغمه على تقاضي أجر من بيت مال المسلمين، يرى الصديق أنه كان كبيرًا، مع أنه لم يكن يكفي إلا الكفاف، كما ثبت في روايات أخرى، فالآن سيتبرع لبيت المال بحائط له في مقابل هذا المال.

فلما توفي الصديق ذُكِر ذلك لعمر فقال: رحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالًا.

فتنة غلبة أهل الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه
فتنة عظيمة هائلة مروعة، لا نستطيع في هذا المضمار الضيق أن نوفيها حقها، لكن نشير فقط إلى ثبات الصديق رضي الله عنه، هذا الثبات الذي فاق كل تخيل، حتى فاق تخيل الصحابة أنفسهم، والفتنة كانت هائلة، ارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: مكة، والمدينة، والطائف، وقرية جواثا في منطقة هجر بالبحرين، لا أقول عشرات الآلاف من المرتدين، بل مئات الآلاف، وليس فقط بمنع الزكاة، بل منهم من ارتد كلية عن الإسلام، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم وعذبهم وقتلهم، ومنهم من ادعى النبوة،

غلبة عظيمة لأهل الردة، وقلة في المؤمنين، في هذا الموقف الحرج رأى جمهور الصحابة أن اعتزال الفتنة بتركها هو الأولى، قالوا للصديق رضي الله عنه: الزم بيتك، وأغلق عليك بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

يأس كامل في الإصلاح، وإحباط يملأ القلوب، موقف من أصعب مواقف التاريخ قاطبة، لكن الصديق رضي الله عنه كان أعلم الصحابة، وأفقه الصحابة، وأثبت الصحابة، تحول الشيخ الكبير الرحيم المتواضع ضعيف البنية إلى أسد هصور، عظيم الثورة، شديد البأس، عالي الهمة، سريع النهضة، أصر على قتال المرتدين جميعًا وفي وقت متزامن، قال في شأن مانعي الزكاة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (الأنثى من ولد الماعز) وفي رواية عقالًا (وهو الحبل الذي يربط به البعير) كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها.

وقال في شأن بقية المرتدين، والذين يبلغون مئات الآلاف: أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي. أي: تقتطع عنقي.

بهذه العزيمة، وهذه العقيدة، ولذا لما رأى الصحابة هذا الإصرار من الصديق رضي الله عنه انشرحت صدورهم لهذا الحق الذي أجراه الله على لسان هذا الرجل، يقول عمر كما جاء في صحيح البخاري: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق.

وهكذا أخرج الصديق رضي الله عنه الجيوش تلو الجيوش، أحد عشر جيشًا في ملحمة خالدة، تضحيات عظيمة، تعب وجهد، ودم وشهادة، ثم نصر وتمكين وسيادة، وأشرقت الأرض من جديد بنور ربها، وحكمت الجزيرة العربية مرة ثانية بالقرآن، وأعز الله الإسلام وأهله، وأذل الله الشرك وأهله، كل هذا في عام واحد، عام واحد فقط، والحمد لله رب العالمين.

ثبات أبي بكر في فتنة غلبة أهل فارس والروم
وفارس والروم في ذلك الزمان هما أعظم قوتين عسكريتين في الأرض، يقتسمان العالم، ويهيمنان على معظم مساحة المعمورة، دول متقدمة صاحبة حضارة، ومال، وعمران، وجنات وأنهار، وأعداد لا تحصى من الرجال، وسلاح لا مثيل له في زمانهم، وأعوان في كل بقاع الأرض، وتاريخ في الحروب، وتنظيماتها، وخططها، وطرقها، الصديق رضي الله عنه في الطرف الآخر يحكم دولة أقصى مساحتها جزيرة العرب، لم تتعود على الحروب النظامية، فقيرة الموارد، ضعيفة السلاح قليلة العدد، ليس هذا فقط، ولكنها لم تنفض يدها بعد من حروب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس، تلك هي حروب الردة، يخرج الصديق من هذه الحروب الهائلة بعزيمة أقوى من الجبال، ولا تهزه عروش كسرى وقيصر، ويأخذ قرارًا عجيبًا، وهو فتح فارس، وذلك بعد أقل من شهر على انتهاء حروب الردة، ثم يتبعه بقرار آخر أعجب بعد خمسة شهور، وهو فتح الشام، وقتال الروم في وقت متزامن مع قتال الفرس، وكما فصلنا من قبل، فالصديق كان على يقين من النصر، ولم يكن يساوره أدنى شك في أن الدولة الأخيرة ستكون للمؤمنين، وخاض معاركه بهذه الروح، وكتب الله له النصر بعد جهاد طويل، ومعارك هائلة، وضع فيها الصديق رضي الله عنه خططًا عبقرية، وقال فيها أراءً سديدة وفعل فيها أعمالًا مجيدة.

ثبات أبي بكر على فتنة الطاعة والعبادة
وقد يظن ظان أن هذا الأمر بسيط، وهين إلى جوار غيره من الفتن التي تعرضنا لذكرها آنفًا، فتن المال، والرئاسة، والأولاد، والإيذاء، وضياع النفس، وترك الديار، وغلبة أهل الباطل، قد يظن ظان أن من ثبت في هذه الأمور الشديدة سيثبت حتمًا في أمر الطاعة، والعبادة، فهي أمور في يد كل مسلم، يستطيع أن يصلي ويصوم ويزكي، بديهيات عند كثير من الناس، لكن هذه لمن أعظم الفتن، قد يسهل على الإنسان أن يفعل شيئًا عظيمًا مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث في حياته، لكن أن يداوم على أفعال العبادة كل يوم كل يوم، بلا كلل ولا ملل ولا كسل، فإن هذا يحتاج إلى قلب عظيم، وإيمان كبير، وعقل متيقظ ومنتبه، لا يقوى على ذلك إلا القليل من الرجال، وقد كان الصديق رضي الله عنه سيد هذا القليل بعد الأنبياء، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابَ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَانِ".

فبعض الناس يكون مكثر في الصلاة، فيدخل من باب الصلاة، وهكذا.

قال أبو بكر رضي الله عنه: مـا على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".

ذلك أن الصديق رضي الله عنه كان مكثرًا، وبصفة مستديمة من كل أعمال الخير، ومر بنا من قبل كيف أنه أصبح صائمًا ومتبعًا لجنازة وعائدًا لمريض ومتصدقًا على مسكين؟ هكذا حياته كلها لا قعود، ولا فتور، كان رضي الله عنه يتحرج جدًا من فوات فضيلة أو نافلة، روى أحمد، وأبو داود، والحاكم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:
"مَتَى تُوتِرُ؟" قال: أول الليل بعد العتمة. أي: بعد صلاة العشاء، قال: "فَأَنْتَ يَا عُمَرُ؟" قال:آخر الليل. قال: "أَمَا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَأَخَذْتَ بِالثِّقَةِ". أي: بالحزم، والحيطة مخافة أن يفوت الوتر. "وَأَمَا أَنْتَ يَا عُمَرُ فَأَخَذْتَ بِالْقُوَّةِ". أي: بالعزيمة على الاستيقاظ قبل طلوع الفجر؛ لصلاة قيام الليل، ثم الوتر. فالصديق رضي الله عنه لا يتخيل أن يفوته الوتر، ماذا يحدث لو استيقظ على صلاة الفجر دون أن يصلي الوتر؟

في حقه تكون كارثة، لذلك يأخذ نفسه بالحزم يصليه أول الليل، ثم إذا شاء الله له أن يستيقظ، ويصلي قيام الليل صلى، ولا يعيد الوتر، بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ بالعزيمة، فهو يعلم علم اليقين أنه سيستيقظ الفجر ليصلي، منهجان مختلفان، ولكنهما من أروع مناهج الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومع حرصه، وطاعته، ومثابرته، وثباته على أمر الدين كان شديد التواضع، لا ينظر إلى عمله، بل كان دائم الاستقلال له، كان يقول: والله، لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.

وروى الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: دخل أبو بكر الصديق حائطًا (حديقة) وإذا بطائر في ظل شجرة، فتنفس أبو بكر الصعداء، ثم قال: طوبى لك يا طير، تأكل من الشجر، وتستظل بالشجر، وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك.

وكان يقول إذا مُدح: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.

رضي الله عن الصديق، وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.

ثبات أبي بكر أمام فتنة الموت
والموت فتنة عظيمة، والفراق ألمه شديد، وكم من البشر يسقطون في هذه الفتنة، إلا أن الصديق رضي الله عنه، كان كما عودنا رابط الجأش، مطمئن القلب، ثابت القدم أمام كل العوارض التي مرت به في حياته:

- مر بنا موقفه من وفاة ابنه عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما شهيدًا، وكيف تلقى الأمر بصبر عظيم، وبرضا واسع.

- وماتت أيضًا زوجته الحبيبة القريبة إلى قلبه أم رومان رضي الله عنها، والدة السيدة عائشة رضي الله عنها، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، ماتت في السنة السادسة من الهجرة في المدينة، بعد رحلة طويلة مع الصديق في طريق الإيمان، أسلمت قديمًا وعاصرت كل مواقف الشدة والتعب، والإنفاق، والإجهاد، والهجرة، والنصرة، والجهاد، والنزال، كانت خير المعين لزوجها الصديق رضي الله عنه، ثم ماتت، وفارقت، وفراق الأحبة أليم، لكن صبر الصديق رضي الله عنه وأرضاه صبرًا جميلًا، وحمد واسترجع.

- ومات كثير من أصحابه وأحبابه ومقربيه، مات حمزة بن عبد المطلب، ومات مصعب بن عمير، ومات أسعد بن زرارة، ومات سعد بن معاذ، ومات جعفر بن أبي طالب، ومات زيد بن حارثة، وغيرهم كثير رضي الله عنهم أجمعين، ماتوا وسبقوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فانتظر الصديق رضي الله عنه صابرًا غير مبدل: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] .

- وجاءت فتنة كبيرة، فتنة موته هو شخصيًا رضي الله عنه وأرضاه، ونام على فراش لا بد من النوم عليه، نام على فراش الموت، فماذا فعل وهو في لحظاته الأخيرة؟

ماذا فعل وهو يعلم أنه سيغادر الدنيا وما فيها؟
ماذا فعل وهو سيترك الأهل والأحباب والأصحاب؟

هل جزع أو اهتز؟

حاشا لله، إنه الصديق رضي الله عنها وأرضاه، ها هو على فراش الموت يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثبات، وثقة، واطمئنان: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار.

يحذره من التسويف، وتأجيل الأعمال الصالحة، ويحفزه على السبق الذي كان سمتًا دائمًا للصديق في حياته.

وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني أخاف ألا ألحق بهم.

وإن الله تعالى ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء.

ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ولست تعجزه.

انظر إلى صدق الوصية، وحرص الصديق أن يصل إلى بكل المعاني التي كانت في قلبه إلى عمر بن الخطاب الخليفة الذي سيتبعه في خلافة هذه الأمة

ثم انظر إلى هذا الموقف العجيب، وهو ما يزال على فراش الموت، استقبل المثنى بن حارثة رضي الله عنه قائد جيوش المسلمين آنذاك في العراق، وكان قد جاءه يطلب المدد لحرب الفرس، فإذا بالصديق الثابت رضي الله عنه لا تلهيه مصيبة موته، ولا تصده آلام المرض، وإذا بعقله ما زال واعيًا متنبهًا، وإذا بقلبه ما زال مؤمنًا نقيًا، وإذا بعزيمته، وبأسه وشجاعته كأحسن ما تكون، أسرع يطلب عمر بن الخطاب الخليفة الجديد، يأمره وينصحه ويعلمه، قال:

اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة، وإن عظمت عن أمر دينكم، ووصية ربكم، وقد رأيتني مُتَوَفّى رسول الله وما صنعت، ولم يُصَب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام، فاردد أصحاب خالد إلى العراق (سيدنا خالد بن الوليد كان قد انتقل بجيشه من العراق إلى الشام)، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم.

أرأيت عبد الله كيف يكون الصديق رضي الله عنه وهو في هذه اللحظات الأخيرة؟

لم ينس الجهاد، ولم يشغل عن استنفار المسلمين، أرأيت كيف أنه وحتى اللحظة الأخيرة في حياته ما زال يعلم ويربي ويوجه وينصح؟

هذا هو الصديق الذي عرفناه.

ودخلت عليه ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو في آخر اللحظات، ونفسه تحشرج في صدره، فآلمها ذلك، فتمثلت هذا البيت من الشعر:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

أي لا يغني المال عن الإنسان إذا جاء لحظة الوفاة، فخشي الصديق رضي الله عنه أن تكون قالت ما قالت ضجرًا، أو اعتراضًا، فتقول عائشة رضي الله عنها، فنظر إلى كالغضبان، ثم قال في لطف:

ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19].

هكذا ما زال يربي ويعلم، ثم جاءوا لهم بأثواب جديدة كي يكفن فيها فردها، وأمر أن يكفن في أثواب قديمة له بعد أن تعطر بالزعفران، وقال:

إن الحي أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى.

هكذا بهذا الثبات العظيم، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وأن يدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:101] .

- غير أنه مع كل ما سبق من فتن عرضت للصديق في حياته إلى لحظة موته، فإن كل هذه الفتن تهون، وتضعف، وتتضاءل أمام الفتنة العظمى، والبلية الكبرى، والمصيبة القصوى التي لحقت به وبالمسلمين، لما مات ثمرة فؤاد الصديق، وخير البشر، وسيد الأنبياء والمرسلين، وحبيب الله، لما مات النور المبين الذي أضاء الأرض بنبوته، وعلمه، وخلقه، ورحمته، لما مات رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

أعظم فتنة مرت بالصديق رضي الله عنه، وأعظم فتنة مرت بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكان من فضل الله على الصديق رضي الله عنه أنه مَنّ عليه بثبات يوازي المصيبة، وبوضوح رؤية يقابل الفتنة، وبنفاذ بصيرة يكشف البلوى، وينير الطريق للصديق ولمن معه من المسلمين.

وفي موضوع ثبات الصديق رضي الله عنه يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الصديق رضي الله عنه جملة قصيرة لكن عظيمة المعاني قال: كان الصديق رضي الله عنه كالجبل، لا تحركه القواصف، ولا تُزيله العواصف.


ثبات أبي بكر الصديق أمام فتنة الرئاسة والمنصب
فتنة الرئاسة فتنة عظيمة، وابتلاء كبير، وكثير من الناس يعيش حياة التواضع، فإذا صعد على منبر الحكم تغير، وتبدل، وتكبر، فتنة عظيمة، وانظر إلى الحسن البصري يقول في كلمة عظيمة له: وآخر ما يُنزع من قلوب الصالحين، حب الرئاسة.

أما الصديق رضي الله عنه، فإنه قد نزع منه حب الرئاسة منذ البداية، كان يعيش قدرًا معينًا من التواضع قبل الخلافة، وهذا القدر تضاعف أضعافًا مضاعفة بعد الخلافة، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا:

إن أعظم خلفاء الأرض تواضعًا بعد الأنبياء كان الصديق رضي الله عنه. والله لقد فعل أشياء يحار العقل كيف لبشر أن يتواضع إلى هذه الدرجة؟ ولولا اليقين في بشريته لكانت شبيهة بأفعال الملائكة، هو قد سمع من حديث حبيبه صلى الله عليه وسلم الحديث الذي رواه مسلم عن أبي يعلى معقل بن يسار رضي الله عنه: "مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ".

والصديق جهد للمسلمين ونصح للمسلمين كأفضل ما يكون الجهد والنصح، ولذا فهو ليس فقط يدخل الجنة معهم، بل يسبقهم إليها، كيف يتكبر الصديق، وهو الذي كان حريصًا طيلة حياته على نفي كل مظاهر الكبر، والخيلاء من شخصيته، وكان يتحرى ذلك حتى في ظاهره، يروي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وقعت الكلمات في قلب أبي بكر، وتحركت النفس المتواضعة تطمئن على تواضعها، أسرع الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي إلا أن تعاهده.

أشعر أنه قالها، وهو يرتجف، ويخشى من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثلج صدره وطمأنه، ووضح له متى يكون استرخاء الإزار منهيًا عنه، قال: "إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ".

شهادة من سيد الخلق، وممن لا ينطق عن الهوى، إن الصديق لا يفعل ذلك خيلاء، وكان من الممكن أن يقول له إنك لست متعمدًا للإسبال، لكنه يخرج من كل هذا إلى الحقيقة المجردة، تواضع الصديق رضي الله عنه.

وإلى مواقف من حياة الصديق كخليفة ورئيس وحاكم.

ذكرنا بعض المواقف له في السابق، ذكرنا موقفه مع أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قبل ذلك وهو يودعه إلى حرب الروم في الشمال، والآن نذكر بعض مواقفه الأخرى:

- موقف عجيب من مواقف الخليفة الرئيس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان الصديق رضي الله عنه يقيم بالسنح على مقربة من المدينة، فتعود أن يحلب للضعفاء أغنامهم كرمًا منه، وذلك أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هو الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع جارية تقول بعد مبايعته بالخلافة: اليوم لا تحلب لنا منائح دارنا. فسمعها الصديق رضي الله عنه فقال: بلى، لعمري لأحلبنها لكم. فكان يحلبها، وربما سأل صاحبتها: يا جارية أتجدين أن أرغي لك أو أصرح؟. أي: يجعل اللبن برغوة، أم بدون رغوة، فربما قالت: أرغ. وربما قالت: صرّح. فأي ذلك قالته فعل.

- موقف آخر أغرب، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواش المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح لها ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة فقال عمر: أنت هو لعمري.

وكان من الممكن أن يكلف رجلا للقيام بذلك، ولكنه الصديق، يشعر بالمسئولية تجاه كل فرد من أفراد الأمة، كما أنه رضي الله عنه قد آثر أن يخدمها بنفسه، يربي نفسه على التواضع لله عز وجل، ويربي نفسه على ألا يتكبر حتى على العجوز الكبيرة العمياء.

- أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام يوم الجمعة فقال:

إذا كان بالغداة فاحضروا صدقات الإبل نقسم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن.

صدقات الإبل كانت قد جاءت كثيرة إلى أبي بكر الصديق، فوضعوها في مكان، وسيدخل في اليوم التالي أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما، ليقسما هذه الصدقات، فسيدنا أبو بكر يحذر الناس، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الحظام لعل الله يرزقنا جملًا.

فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر قد دخلا إلى الإبل، فدخل معهما، هنا الرجل ارتكب مخالفة واضحة لخليفة البلاد، ودخل عليه بغير إذن، مع كونه نبه على ذلك، فالتفت إليه أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الحظام، فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسمة الإبل دعا الرجل، فأعطاه الحظام، وقال: استقد. أي: اقتص مني، كما ضربتك اضربني، سبحان الله، فقال عمر رضي الله عنه: والله لا يستقيد، لا تجعلها سنة.

يعني كلما أخطأ خليفة في حق واحد من الرعية، قام المظلوم بضرب الأمير فتضيع هيبته، فقال الصديق رضي الله عنه: فمن لي من الله يوم القيامة؟ فقال عمر: أَرْضِهِ. فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة، ورحلها وقطيفة (أي كساء)، وخمسة دنانير، فأرضاه بها.

هذا خليفة البلاد، وقد ضرب أحد رعاياه ضربة واحدة فقط، ولكنه يريد أن يُضْرب مكان هذا السوط الذي ضرب، حتى يقف أمام الله عز وجل يوم القيامة خالصًا، ليس لأحد عنده شيء.

- بل اقرأ وصيته إلى جيوشه، وهي تخرج لحرب الروم، في بعث أسامة بن زيد، ثم بعد ذلك إلى فتح فارس، ثم إلى فتح الروم، كان يوصيها بوصايا عجيبة، وكأنه يوصي بأصدقاء، وليس بأعداء، كان يوصيهم بالرحمة حتى في حربهم كان مما قال لهم:

لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرًا، إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم، وما فرغوا أنفسهم له.

وتأمل معي يا أخي، أيوصي بأحباب أم يوصي بأعداء؟!

والله ما عرف التاريخ مثل حضارة الإسلام، ورقي الإسلام، ونور الإسلام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أين هذا من حروب الشرق والغرب؟

أين هذا من حروب غير المسلمين؟

فالمسلمون قد علّموا غيرهم الرحمة في كل شيء حتى في الحرب.

ثبات أبي بكر أمام فتنة الأولاد
فالمرء قد يقبل أن يضحي تضحيات كثيرة، إذا كان الأمر يخصه هو شخصيًا، ولكن إذا ارتبط الأمر بأولاده، فإنه قد يتردد كثيرًا، فغالبًا ما يحب الرجل أولاده أكثر من نفسه، كما أن ضعف الأولاد، ورقتهم، واعتمادهم على الأبوين، يعطي مسوغات قد يظنها الرجل شرعية للتخلف عن الجهاد بالنفس والمال، واقرأ قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:14] .

روى الترمذي، وقال: حسن صحيح. أن رجلًا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم، وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم (أي يعاقبوا أولادهم)، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:14] .

الآية التالية مباشرة لهذه الآية في سورة التغابن تقول: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن:15].

هكذا بهذا التصريح، التقرير الواضح: إنما أموالكم وأولادكم فتنة.

أين أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه من هذه الآيات؟

القضية كانت في منتهى الوضوح في نظر الصديق رضي الله عنه، وأوراقه كانت مرتبة تمامًا، الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على كل شيء، والصديق مع رقة قلبه، وعاطفته الجياشة، ومع تمام رأفته مع أولاده، كان لا يقدم أحدًا منهم، مهما تغيرت الظروف على دعوته، وجهاده، وما فتن بهم لحظة.

- أعلن الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كاد أن يقتل، ولم يفكر أنه إذا مات سوف يخلف وراءه صغارًا ضعافًا، محتاجين في وسط الكفار المتربصين، كان يجاهد، ويعلم أنه إذا أراد الحماية للذرية الضعيفة أن يتقي الله عز وجل، وأن ينطلق بكلمة الدعوة، وكلمة الحق أيًا كانت العوائق {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء:9] .

- لما هاجر الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبكي من الفرح، لأنه سيصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مليء بالمخاطر، مخلفًا وراءه ذرية في غاية الضعف، ويعلم أن قريشًا ستهجم على بيته لا محالة، وقد حدث، وضرب أبو جهل لعنه الله أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما، فسال الدم منها، ما رأى الصديق كل ذلك، كل ما رآه هو نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريق الله عز وجل، ليس هذا فقط ولكنه حمل معه كل أمواله، كل ما تبقى بعد الإنفاق العظيم، خمسة آلاف درهم حملها جميعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وماذا ترك لأهله؟

ترك لهم الله ورسوله، يقين عجيب، وثبات يقرب من ثبات الأنبياء، أبو قحافة والد الصديق رضي الله عنه كان طاعنًا في السن وقت الهجرة، وكان قد ذهب بصره، دخل على أولاد الصديق، وهو على وَجَل من أن الصديق قد أخذ كل ماله، وترك أولاده هكذا، لكن الابنة الواعية الواثقة المطمئنة بنت الصديق أسماء رضي الله عنها، وعن أبيها، وضعت يد الشيخ على كيس مملوء بالأحجار توهمه أنه مال، فسكن الشيخ لذلك، الشيخ الكبير لن يفهم هذه التضحيات، ولن يفهمها أحد إلا من كان على يقين يقارب يقين الصديق رضي الله عنه.

- الصديق يوظف أولاده في عملية خطيرة، عملية التمويه على الهجرة، عملية قد تودي بحياتهم في وقت اشتاط الغضب بقريش، حتى أذهب عقلها، عبد الله بن الصديق كان يتحسس الأخبار في مكة نهارًا، ثم يذهب ليلًا إلى غار ثور يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأباه بما يحدث في مكة، ويظل حارسًا على باب الغار حتى النهار، ثم يعود أدراجه إلى مكة، السيدة أسماء كانت حاملًا في الشهور الأخيرة من حملها، ومع ذلك، فكان عليها أن تحمل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق في غار ثور سالكة طريقًا وعرًا، وصاعدة جبلًا صعبًا، وذلك حتى إذا رآها أحد لا يتخيل أن المرآة الحامل تحمل زادًا إلى الرسول وصاحبه، مهمة خطيرة، وحياتها في خطر، لكن ما أهون الحياة إن كان الله هو المطلب، وإن كانت الجنة هي السلعة المشتراة.

- ومر بنا كيف تبرع بكل ماله في تبوك، وما ترك شيئًا لأولاده رضي الله عنه، وأرضاه، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماذا أبقى لأهله؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله.

- ثم ها هو الصديق يقدم فلذة كبده عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، ها هو يقدمه شهيدًا في سبيل الله، علمه حب الجهاد، وحب الموت في سبيل الله، فأصيب في الطائف بسهم، ولم يمت في ساعتها، بل بقى أيامًا وشهورًا، ويقال: إنه خرج بعد ذلك إلى اليمامة في حروب المرتدين، واستشهد هناك. الثابت أنه استشهد في خلافة الصديق رضي الله عنه، وكأن الله أراد أن ينوع عليه الابتلاءات حتى يُنقى تمامًا من أي خطيئة، بل إنه قال كلمة عجيبة لما رأى قاتل ابنه عبد الله وكان قد أسلم بعد أن قتله قال: الحمد لله الذي أكرمه بيديك (يعني أكرمه الشهادة) ولم يُهْلِكّ بيده (أي الموت كافرًا) فإنه أوسع لكما.

سعيد لأن ابنه قد مات شهيدًا في سبيل الله، وأيضًا لأن هذا الرجل لم يقتل على يد عبد الله، فكانت أمامه فرصة للإسلام، أي رجل هذا؟!

- لكن إن كان لنا أن نفهم كل هذه التضحيات، فإن له موقفًا مع ولد من أولاده يتجاوز كل حدود التضحيات المعروفة، والمألوفة لدى عامة البشر، الصديق رضي الله عنه في غزوة بدر يكون في فريق، فريق المؤمنين، وابنه البكر عبد الرحمن بن أبي بكر في الفريق الآخر، فريق المشركين، ولم يكن قد أسلم بعد، وإذا بالصديق رضي الله عنه يبحث عن فلذة كبده، وثمرة فؤاده؛ ليقتله، نعم ليقتله!

وقف كفر الابن حاجزًا بين الحب الفطري له، وبين حب الله عز وجل، فقدم الصديق حب الله عز وجل دون تردد، ولا تفكير، وضوح الرؤية، نعم وضوح الرؤية إلى هذه الدرجة، لكن بفضل الله لم يوفق الصديق في أن يجد ابنه؛ لأن الله مَنّ عليه بعد ذلك بالإسلام، أسلم يوم الحديبية، ولما أسلم قال لأبيه:

لقد أهدفت لي يوم بدر، فملت عنك، ولم أقتلك.

أي رأيتك هدفًا سهلًا في بدر، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه من أمهر الرماة في فريق المشركين، فقال أبو بكر في ثبات وثقة:

ولكنك لو أهدفت إليّ، لم أمل عنك.

وسبحان الله، وكأن الله أراد أن يشبه أبا بكر بإبراهيم عليه الصلاة والسلام أكثر وأكثر، فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم مثلًا للصديق بعد تخيير الحكم في أسارى بدر، أراد الله أن يشبه أبا بكر بالخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي ابتلي البلاء المبين بذبح ابنه، فيبتلي الصديق كذلك بالبحث عن ابنه ليذبحه بيده، أيّ مثل رائع ضربه الصديق لهذه الأمة؟!

كيف تغلّب على هذا المعوق الخطير الذي كثيرًا ما خلف أناسًا عن السير في طريق الدعوة، وعن السير في طريق الجهاد؟ {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الفتح:11].

لكن هذا لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسبق إلى الخيرات، والشعور بأهمية الدعوة، واستحقار أمر الدنيا، وتعظيم الآخرة، كان كل ذلك وراء هذا اللون العجيب من الثبات.

فتنة ضياع النفس وثباته أمامها
والنفس غالية، وإن ذهبت النفس فلا عودة لها إلى يوم القيامة، لكن الصديق واضح الرؤية، وثاقب النظر، له قواعد ثابتة تحكم حياته، من هذه القواعد: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [التوبة:51]. من هذه القواعد: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس:49].

من هذه القواعد:
{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة:111] .

من هذه القواعد:
{وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78] .

من هذه القواعد:
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران:185] .

إذا نظرت إلى هذه القواعد مجتمعة أدركت جانبًا لا بأس به من حياة الصديق، تعالوا نستمتع بوقفات مع الصديق رضي الله عنه، نرقب كيف خلصت نفسه من حظ نفسه:

- تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أنه لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الأربعين رجلًا (يعني في أوائل فترة مكة) ألح الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّا قَلِيلٌ.

فلم يزل أبو بكر يلح، حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، ويبدو أن هذا لم يكن ظهورًا كاملًا للمسلمين؛ لأنه من المعروف أن الظهور الكامل لم يكن إلا بعد إسلام الخطاب رضي الله عنه، ولما ذهبوا إلى المسجد الحرام لم يكتف الصديق بمجرد الظهور، فوقف خطيبًا يدعو إلى الله تعالى، ويدعو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، لذا يقولون: إن الصديق أول خطيب في الإسلام.

بعد رسول الله طبعًا، ماذا كان رد فعل المشركين؟

ثار المشركون ثورة عنيفة، وقاموا يضربون الصديق ضربًا عنيفًا، تنكروا لأعرافهم في الجاهلية، ونسوا مكانة الصديق المرموقة في المجتمع المكي القديم، وأكل الحقد قلوبهم، وما زال بهم الحقد حتى أعمى أبصارهم، دنا الفاسق عتبة بن ربيعة من الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجعل يضربه بنعلين مخصوفين في وجهه، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وذلك من شدة تورم وجهه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم إلى المسجد، وقالوا: والله لئن مات أبو بكر، لنقتلن عتبة بن ربيعة.

ثم رجعوا إلى أبي بكر، فجعلوا يكلمون أبا بكر، وهو في إغماءه طويلة، حتى أفاق آخر النهار، فرد عليهم، فماذا قال؟

قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

سبحان الله حتى، وهو في هذه الحالة بين الحياة والموت، طبعًا بنو تيم لم يفهموا هذه العاطفة الجياشة، كل ما فهموه هو الوضع الخطير الذي وضعهم فيه الصديق رضي الله عنه، وها هم قد توعدوا بقتل زعيم من زعماء قريش عتبة بن ربيعة، ولا شك إن قتلوه ستنقسم قريش إلى أحزاب، وشيع، وإن لم يقتلوه إذا مات الصديق، فإنهم سيخلفون وعدهم، وهذه في عرف العرب إهانة لا تستقيم بعدها حياة، كل هذه الأمور المتفاعلة جعلتهم يعنفون الصديق، ويلومونه، ويكيلون له الكلام، بما فيهم أبوه أبو قحافة، ومع ذلك فالصديق رضي الله عنه له مكانة كبيرة في قلوبهم، التفوا إلى أمه أم الخير وكانت آنذاك مشركة، وقالوا: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه.

فلما انصرفوا حاولت أمه أن تطعمه، وتسقيه، لكنه جعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أشبهه بالأم التي أصيبت هي وولدها في حادث فأغمى عليها ثم أفاقت، أيكون لهم من هم إلا الاطمئنان على ولدها؟!

هكذا أحَبّ الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يزيد، قال الصديق لأمه: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.

وأم جميل هي أخت عمر بن الخطاب، وكانت آنذاك مسلمة، وأخوها مشركًا، فخرجت أم الصديق إلى أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله.

هنا نرى موقفًا لطيفًا من أم جميل بنت الخطاب رضي الله عنها، فتلك المرأة المسلمة الواعية الحذرة خشيت من أم الصديق، أم الصديق ما زالت مشركة، أفتكشف نفسها وتعرفها بإسلامها هكذا؟!

وإن فعلت أتثبت له أنها تعرف المكان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول يجلس مع صحابته في دار الأرقم، وقريش لا تعرف ذلك أفتدل هي عليه؟

هنا فكرت أم جميل بسرعة وقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله.

لكنها في نفس الوقت تعرف من هو الصديق، فهو الرجل الثاني في الدعوة، وقد يكون في احتياج إلى شيء هام، ثم إنه يعلم أن أمه مشركة، ومع ذلك أرسلها إليها، فأسرعت المرأة الحكيمة، وقالت بلباقة: إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت أم الصديق: نعم.

فذهبت معها حتى دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فوجدته صريعًا ملازمًا الفراش في حالة خطيرة بين الحياة، والموت، فقالت فزعة: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإنني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.

أعرض الصديق عن كل هذا، وكان له همًا واحدًا قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

احتارت أم جميل رضي الله عنها، أم الصديق واقفة، وستعرف خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهمست إلى الصديق: هذه أمك تسمع.

قال الصديق مطمئنًا: فلا شيء عليك منها.

ويبدو أن الصديق كان يرى قربًا من أمه للإسلام، فلم يرى بأسًا من ذلك؛ لأن أمه ما لبثت أن أسلمت، قالت أم جميل رضي الله عنها: سالم صالح.

قال الصديق رضي الله عنه: أين هو؟
قالت: في دار الأرقم.
قال الصديق رضي الله عنه في إصرار وعزم: فإن لله عليّ أن لا أذوق طعامًا، ولا أشرب شرابًا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانتظروا حتى جاء المساء، وهدأت الرجل بمكة، وسكن الناس، وخرجت المرأتان بالصديق رضي الله عنهم، لا يقوى على السير، ولكنه يتكئ عليهما، سارا به، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تألم لما فيه، وأسرع إليه، وأكب عليه يُقَبّله صلى الله عليه وسلم، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة، فأسرع الصديق يُطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس، إلا ما نال الفاسق من وجهي.

ثم إن الصديق رضي الله عنه، وهو في هذا الموقف لم ينس دعوته، ولم ينس أمه أنها ما زالت مشركة، وها هي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنوار النبوة على وجهه، فتاقت نفسه إلى إسلامها، قال: يا رسول الله، هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله، وادع الله لها، عسى الله أن يستنقذها بك من النار.

فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاها إلى الله، فأسلمت الحمد لله أسلمت رضي الله عنها، وعن ابنها، وعن زوجها، وعن أحفادها، وعن أولاد أحفادها.

كان هذا طرفًا من جهاد الصديق بمكة وبذله لروحه؛ فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وفاء لدين الله عز وجل، تعالوا نقلب صفحات من جهاده رضي الله عنه في المدينة المنورة.

ثبات أبي بكر الصديق أمام غلبة أهل الباطل
كثير من المسلمين ينظرون نظرة إحباط، ويأس إلى واقعهم، عندما يشاهدون محاور القوة الرئيسية في الأرض في أيدي الكافرين، عندما يجدون أن الكفار قد ملكوا من المادة والسلاح والعدد، والعدة ما يفوق المسلمين أضعافًا مضاعفة، فتنة تحتاج إلى كثير إيمان، وكثير فقه، وكثير ثبات، وقد كان الصديق رضي الله عنه المؤمن الفقيه الثابت الذي مَنّ الله به على أمة المسلمين، فحفظها خير الحفظ، ونصح لها خير النصح، وجهد لها خير الجهد.

ثبات أبي بكر الصديق في غزوة بدر
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة قافلة بني سفيان، وعزم زعماء مكة على قتاله استشار الصحابة في ذلك، الموقف خطير، الصحابة لم يخرجوا من المدينة في الأصل ليقاتلوا جيشًا، بل مجرد قافلة، فلم يكن معهم إلا السيوف، فلم تكن العدة عدة قتال، كما أن هناك أقوام في المدينة كانوا يرغبون في اللقاء، ولكن لم يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقاتل، إذًا من الممكن أن يأتي على ذهن الصحابة، أن لو أجلنا القتال لنقوم به في ظروف أفضل، وعدد أكبر، فرصة ضياع الحياة في هذه المعركة كبيره، والحق أن بعض الصحابة ترددوا، يصورهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه فيقول: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال:5،6] .

أين كان الصديق رضي الله عنه في هذا الموقف؟

كان أول الرجال قيامًا، يشجع النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، دائمًا يسبق الناس، حتى ولو كان السبق لفقد الحياة، قام الصديق فقال وأحسن، وسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام من بعده الرجال الواحد تلو الآخر، لكن، سبق بها الصديق، ولما تقرر القتال، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعملية استكشافية، يستكشف فيها مواقع جيش المشركين وعدتهم، قام بالعملية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ومن معه؟

إنه أبو بكر الصديق الصاحب الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأحداث، مهمة خطيرة، ولكن لا أقل من الدنيا في عين الصديق، وتبدأ المعركة، ويلتحم الجيشان، ويتصاعد الغبار، وتسيل الدماء أنهارًا، وتتناثر الأشلاء في كل مكان، يوم الفرقان، فأين كان الصديق رضي الله عنه؟

كان في أخطر المواقع على الإطلاق، كان رضي الله عنه يقف بجوار النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه أخطر موقع على الإطلاق، لأن القوم كانوا حريصين على قتل النبي صلى الله عليه وسلم.
ثباته في أحد

تعالوا نتحدث عن ثباته في أحد مثلًا، ويوم أحد يوم عظيم كانت الجولة في بدايتها للمؤمنين، ثم خالف الرماة، وعصوا فداول الله الأيام، ونقلها إلى قريش، وأصبحت الغلبة للمشركين، وفر من فر، وثبت من ثبت، ولا شك أن الصديق كان من الثابتين رضي الله عنه، قال الله عز وجل:

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152] . ولا شك أيضًا أن الصديق كان ممن أراد الآخرة، كان الصديق أول من وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتمع معه حول الرسول صلى اله عليه وسلم مجموعة من السابقين الأولين، عمر، وطلحة، وعلي، وأبو عبيدة، والزبير، وغيرهم، ودار قتال شرس ما لانت فيه قناة الصديق، ولا من وقف معه، وتم إنقاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسحبوا في مكان آمن، وفي اليوم التالي لأحد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج في أثر المشركين حتى لا يظنوا أن المسلمين قد كسرت شوكتهم، فانتدب المسلمين أن يخرجوا إلى مكان يعرف بـ"حمراء الأسد " فقام له رجال، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كان منهم، يروي الإمام مسلم أن عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:172] .

أي الذين استجابوا في الخروج إلى حمراء الأسد، بعد القرح الذي أصابهم في أحد، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي كان أبواك منهم، الزبير، وأبو بكر (الزبير أبوه وأبو بكر جده، لأنه كان ابن أسماء بنت أبي بكر)، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركين، خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في أثرهم؟

فانتدب منهم سبعون رجلًا، كان فيهم أبو بكر، والزبير رضي الله عنهم أجمعين، وأرضاهم.

ثبات أبي بكر في الحديبية
بعد عام واحد من الاجتياح الرهيب للمشركين لأرض المدينة المنورة، وحصار المؤمنين في المدينة في غزوة الخندق، والموقف العصيب الذي مر به المؤمنون، لدرجة وصفها ربنا سبحانه وتعالى بقوله: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:11] .

بعد عام واحد من هذا التهديد المروع، يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى العمرة في مكة بألف وأربعمائةٍ من الصحابة، والآن يذهبون إليهم في عقر دارهم، فلما علمت قريش بقدوم النبي للعمرة جمعت الجيوش، لتصد المؤمنين عن الكعبة، ووصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس للشورى نذهب أو لا نذهب؟

قام بطلنا الصديق رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد حربًا، ولا قتل أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.

وتحرك المسلمون إلى مكة، ثم كانت المفاوضات، وانتهى الأمر إلى الصلح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس في المفاوضات أمام المشركين، كان الصديق رضي الله عنه واقفًا وراءه بسيفه، وفي جلسة من جلسات المفاوضات، قال عروة بن مسعود الثقفي مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، محاولًا أن يلقي الهزيمة النفسية في قلبه، وفي قلوب المؤمنين، قال: يا محمد أجمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش، خرجت رجالا ونساءً، صغارًا وكبارًا، قد لبسوا جلود النمور (أي لباس الحرب)، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة، وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك.

يقصد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم سيتركونه عند القتال، وهنا لم يعط الصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم الفرصة للرد، بل انطلق في حمية وجرأة عجيبة، يرد على المشرك، فسبه سبة منكرة شنيعة، ثم قال في ثبات واضح له: أنحن نفر عنه وندعه؟ أنحن نفر عنه وندعه؟

هذا فعلا هو المستحيل، وصدق رضي الله عنه، وصدقوا جميعًا، فقد بايعوا فعلا على الموت، فسبحان الله، أيّ جيل ثابت كان هذا الجيل العظيم؟

ثبات أبي بكر يوم حنين
ونقفز أعوامًا أخرى لنصل إلى يوم حنين، لا شك أن الصديق رضي الله عنه كانت له مواقف مشهودة في كل مشاهد صلى الله عليه وسلم، لكني آثرت التعليق على حنين، حيث فر كثير من المسلمين، وحيث كانت الفتنة عظيمة، فيظهر ثبات الصديق بجلاء، ووضوح، فر المسلمون في حنين، وتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم تجابهه جموع غفيرة من هوازن، والوقوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل هذه الآلاف المؤلفة لا يعني إلا شيئًا واحدًا، الموت، لكن:

تَهُونُ الْحَيَاةُ وَكُلٌّ يَهُونُ وَلَكِنَّ إِسْلَامَنَا لَا يَهُونْ
نُضَحِّي لَهُ بِالْعَزِيزِ الْكَرِيمِ وَمِنْ أَجْلِهِ نَسْتَحِبُّ الْمَنُونْ

نعم، كان الصديق رضي الله عنه يستحب المنون، يستحب الموت ما دام في سبيل الله عز وجل، أكاد أراه رضي الله عنه، وهو يصول ويجول تحت فتنة السيوف، وكأنه لا يراها، لا يرى إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، يقاتل عن يمينه تارة، وعن يساره تارة أخرى، وأمواج البشر المشركة تتكسر على صخرته رضي الله عنه وأرضاه، فكان الثبات ثم الثبات

{ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ} [التوبة:26] .

الصديق كان ثابتًا في كل مشاهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أيضـًا ثابتًا أثناء خلافته في معاركه.

ثبات أبي بكر في فتنة ترك الديار والأوطان
وترك الوطن فتنة عظيمة فكم من الذكريات، وكم من الأهل، وكم من الأصحاب، وكم من الأحباب، ترك الوطن فتنة عظيمة، ولا سيما لو كان الرجل صاحب مكانة، وكثير المال، كالصديق رضي الله عنه، فالصديق تاجر، أوضاعه مستقرة، وتجارته رابحة، وها هو يترك الاستقرار، والراحة، وينطلق مهاجرًا إلى أرض مجهولة، وأقوام غريبة، ثم أي البلاد يترك، يترك مكة المكرمة، زادها الله تكريمًا وتعظيمًا وتشريفًا، يترك البلد الحرام، يترك البيت الحرام، يترك أشرف بقعة في الأرض، روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند خروجه من مكة مهاجرًا إلى المدينة يقول: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ".

الصديق مع عظم تجارته، واستقراره، هاجر مرتين من هذه البقعة المشرفة إلى غيرها من بقاع الأرض، الهجرة الأولى كانت إلى الحبشة، وتحدثنا عنها في موقف سابق وذكرنا فيها أن ابن الدغنة سيد قبيلة القارة أجاره، وأعاده إلى مكة، وكان الصديق في هذه الهجرة متجهًا إلى بلاد بعيدة عبر الصحراء والبحار، إلى قوم لا يتكلمون العربية، وإلى بلد لم يألف العادات المكية، لكن الصديق هاجر، ولسان حاله يقول كما قال النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا يحتذي به الصديق رضي الله عنه قال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصَّفات:99].

والهجرة الثانية كانت إلى يثرب، والتي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة لما نورها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها، وقد ذكرت سابقًا فقرات من هذه الهجرة المباركة، وفيها برز الدور العظيم للصديق سواء في الإعداد قبل الهجرة، أو أثناء الهجرة، وسواء في المساعدة المادية، أو المعنوية، وسواء في التضحية بالنفس، أو بالمال، أو بالجهد، أو بالوقت، كان الصديق رضي الله عنه في الهجرة ثاني اثنين، وهذا يكفيه، يكفيه أن يكون ثانيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن الديار، والأوطان، والأملاك، والأعمال ما وقفت أبدًا مهما تعاظمت أمام إيمان الصديق رضي الله عنه، وكانت على ثقلها فتنة عارضة ثبت فيها الصديق ثباته المعهود.


 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 11:25 AM   #6
المراقبة العامة



الصورة الرمزية راجية الجنة
راجية الجنة غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 355
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : 01-04-2016 (05:33 PM)
 المشاركات : 20,756 [ + ]
 التقييم :  6450
 الدولهـ
tunis
 الجنس ~
Female
 مزاجي
لوني المفضل : Cadetblue
شكراً: 164
تم شكره 321 مرة في 281 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول




وفاة الرسول

لا أعتقد أن رجلاً في التاريخ منذ نزول آدم إلى هذه الأرض، وإلى يوم القيامة، نال أو سينال حبًّا وتقديرًا وإجلالاً، مثلما نال رسولنا الكريم محمد r، ويكفي أن نفكر في هذه الكلمة البسيطة التي ألفنا سماعها، واعتدنا ذكرها، فلم نقدر لها قدرها الحقيقي، وقيمتها الأصلية، كلمة (رسول)، رسول من؟

إنه رسول الله، الله U، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، الذي خلق الشمس والقمر والنجوم والكواكب، الذي خلق الجبال والبحار والأنهار، الذي خلق الإنس والجان والملائكة، العزيز الذي لا يُغلب، الحكيم الذي تناهت حكمته، الحي القيوم الذي لا ينام، الله U، الرحيم بخلقه، الكريم، الحنان المنان.

الله U أرسل إلى خلقه رسولاً يبلغهم رسالته، الله U في علوه وكبريائه وعظمته، أرسل إلى الخلق الضعيف البسيط القليل، أرسل إليهم رسولاً منهم، أيّ تشريف! وأيّ تعظيم! وأيّ تكريم!

وإذا كان البشر قد كُرموا بإرسال الرسول إليهم، فكيف الذي اصطفاه الله من بلايين بلايين الخلق لكي يرسله إلى الناس برسالته؟

رسول الله محمد r صنعه الله على عينه، خلقه، ورباه، وعلمه، وأدبه، وحسن خلقه، وقوى حجته، وزكى سريرته، وطهر قلبه، وجمل صورته، وحببه في خلقه، وحبب الخلق جميعًا فيه، فلا يراه أحد إلا وأحبه، ولا يسمع به أحد إلا وأحبه، ولا يقرأ عنه أحد إلا وأحبه، رسول الله r خير البشر، وأفضل الدعاة، وسيد المرسلين، وخاتم النبيين، هذا رسول الله r لا يُوّفى حقه في مجلدات ومجلدات، ولا في أعوام وأعوام، فقد وضع الله فيه خلاصة الفضائل البشرية، وكلما تعرضت لجانب من جوانب حياته r حار عقلك، كيف كان على هذه الصورة البهية النقية؟

ولا تملك إلا أن تقول: سبحانه الذي صوره فأحسن تصويره، وأدّبه فأحسن تأديبه، وعلّمه فأحسن تعليمه.

وكان رسول الله r على علو قدره، وسمو منزلته، يعيش وسط أصحابه، ويخالطهم، كان يُوَجّههم ويعلمهم، كان يتحمل الأذى معهم، ويجوع مع جوعهم، أو أكثر، ويتعب مع تعبهم أو أشد، يهاجر كما يهاجرون، ويقاتل كما يقاتلون، ويحفر الخندق كما يحفرون، وكان r يأكل مما يأكل منه الناس، ويشرب مما يشرب منه الناس، ويجلس على ما يجلس عليه الناس، لم تزده كثرة الأذى إلا صبرًا، ولم يزده إسراف الجاهلين إلا حلمًا، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرها، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها..

وكان أكثر الناس كرمًا، وأقواهم بأسًا، وأشدهم حياء، وكان يمنع الناس من القيام له، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، وتسير به الأَمَة في شوارع المدينة أينما شاءت، وكان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته، وكان فوق هذا متصلاً بالسماء، متصلاً برب العالمين، يأتيه الوحي صباحًا ومساء، يخبر الناس بما يريده ربهم منهم، يعدل لهم المسار، ويقوم لهم المناهج، ويفسر لهم ما شكل عليهم، ويوضح لهم ما خفي عنهم، اعتاد الصحابة على وجوده، فكان لا يعتزل عنهم أبدًا، يرونه في كل صلاة، وفي كل لقاء، وفي كل جمع، يشهد الجنازة، ويعود المرضى، ويدعو لهم، ويزور الصحابة في بيوتهم، ويزورونه في بيته، وأحبه الصحابة حبًّا لم يحبوه قط لأحد غيره، قدموه على حب الولد والوالد، وعلى حب الزوج والعشيرة، وعلى حب المال والديار، بل قدموه على حب النفس، حتى يتمنى الصحابي أن يموت، ولا يشاك رسول الله r شوكة في قدمه..

وما كان الصحابي يصبر على فراقه، فإذا عاد الصحابي إلى بيته أسرع بالعودة إلى المسجد حتى يرى رسول الله r، وحتى بكى بعضهم؛ لأنه سيفارقه يوم القيامة في الجنة لعلو منزلته، حتى بشرهم بأن المرء يحشر مع من أحب، عاش الصحابة في هذه السعادة التي لم تُعرف، ولن تُعرف في التاريخ، سعادة مصاحبته، ورؤيته، والسماع منه، والانصياع له r، عاشوا على ذلك فترة من الزمن، حتى أذن الله U برحيل الحبيب r عن دار الدنيا إلى دار الخلد، في جنات النعيم، إلى الرفيق الأعلى، إلى راحة، لا تعب فيها، ولا نصب، ولا وصب، ورسول الله r بَشَر، والبشر يموتون {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزُّمر: 30].

فتنة موت النبي r :
مع يقين الصحابة بذلك، وثقتهم من بشريته r، إلا أنهم ما تخيلوا أن ذلك الموت سيحدث حقيقة، فتنة عظيمة، ومصيبة كبيرة، وبلاء مبين، ما صدق الصحابة رضوان الله عليهم إذا كان رسول الله r قد مات حقًّا..

فكيف الحياة بدونه؟

وراء من يصلون؟

وإلى نُصح من ينصتون؟

من يعلمهم؟

من يربيهم؟

من يبتسم في وجوههم؟

من يرفق بهم؟

من يأخذ بأيديهم؟

كارثة وأي كارثة، وأظلمت المدينة، وأصاب الحزن والهم والكمد كل شيء فيها، كل شيء، ليس الصحابة فقط، بل نخيل المدينة، وديار المدينة، وطرق المدينة، ودواب المدينة، إذا كان جذع نخلة قد حن لرسول الله r لما فارقه؛ ليخطب من فوق المنبر بدلاً منه، حتى سمع الصحابة لجذع النخلة أنينًا، وما سكن حتى جاء رسول الله r فمسح بيده على الجذع حتى سكن، إذا كان الجذع فعل ذلك ورسول الله فارقه إلى منبر يبعد خطوات معدودات، فكيف بفراق لا رجعة فيه إلى يوم القيامة، والصحابة..

ماذا يفعلون؟

أتطيب نفوسهم أن يهيلوا التراب على رسول الله r؟

تقطعت قلوب الصحابة، وتمزقت نفوسهم، وتحطمت مشاعرهم، يقول أنس بن مالك t: "ما رأيت يومًا قطّ كان أحسن ولا أضوأ، من يوم دخل علينا فيه رسول الله r، وما رأيت يومًا قطّ كان أقبح ولا أظلم، من يوم مات فيه رسول الله r".

المصيبة أذهبت عقول الأشداء من الرجال، وأذهلت ألباب الحكماء منهم، تاهوا جميعًا حتى وقف عمر بن الخطاب t، وما أدراك ما عمر بن الخطاب في عقله ورزانته وحكمته وإلهامه، وقف وقد أخرجته الكارثة عن وعيه يقول: "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله r توفي، وإن رسول الله r ما مات. يقول ذلك في يقين، هو لا يصدق فعلاً أنه مات. يقول عمر: لكن ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله r، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات".

وإذا كان عمر كذلك، فكيف بغيره من الصحابة؟

قال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب t، ابن عم رسول الله r:

لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلَّتْ *** عَشِيَّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ

وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَـرَاهَا *** تَكَادَ بِنَـا جَوَانِبُهَا تَمِيـلُ

فَقَدْنَا الْوَحَيَ وَالتَّنْزِيلَ فِينَـا *** يَرُوحُ بِهِ وَيَغْـدُو جِبْرَائِيـلُ

وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيْهِ *** نُفُوسُ النَّاسِ أَوْ كَـادَتْ تَسِيلُ

نَبِيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَ عَنَّا *** بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَمَـا يَقُـولُ

وَيَهْدِينَا فَلاَ نَخْشَى ضَلاَلاً *** عَلَيْنَا وَالرَّسُـولُ لَنَـا دَلِيـلُ

أَفَاطِمُ إِنْ جَزَعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ *** وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي ذَاكَ السَّبِيلُ

فَقَبْرُ أَبِيكِ سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ *** وَفِيهِ سِيِّـدُ النَّـاسِ الرَّسُـولُ

يقول أنس بن مالك t: "لما قُبِض رسول الله r أظلمت المدينة، حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".

موقف الصديق t :
وبينما هم كذلك إذ جاء الصديق الجبل أبو بكر t وأرضاه، وجزاه خيرًا كثيرًا عما قدمه لأمة الإسلام، جاء الصديق من السنح (منطقة خارج المدينة) بعد أن وصله النبأ هناك، وإن تخيل أحدنا أن صحابيًّا سوف يموت حزنًا، وهمًّا، وكمدًا لفراق الرسول r، فلا شك أننا جميعًا سنقول إنه الصديق t، أشد الخلق حبًّا لرسول الله r، وأقرب الرجال إلى قلب رسول الله r، لا شك قد يخطر ببال الناظر للأحداث أن الصديق سيفعل أكثر مما فعل عمر بن الخطاب مثلاً، لكن سبحان الله، إنه الصديق أبو بكر t وأرضاه، أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح، ونزل عند مسجد رسول الله r، فلم يكلم الناس، ودخل المسجد، ومنه دخل إلى بيت عائشة حيث مات رسول الله r على حجرها، فتوجه إلى رسول الله r، وهو مغطى بثوب، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله وبكى، عبرات لا بد منها، نزلت ساخنة حارة على وجنتي الصديق t، حبيب عمره، ودرة قلبه، وقرة عينه، ثم قال الصديق وقلبه ينفطر: "بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها".

ثم خرج في ثبات عجيب يليق بخير الأمة بعد نبيها، ويليق بأول من سيدخل الجنة من أمة المسلمين بعد رسول الله r، كيف يجزع ويخرج عن المنهج، وهو الصديق؟ خرج الصديق t، فوجد عمر في ثورته يتكلم مع الناس، والناس يلتفون حوله يتمنون أن لو كان كلامه حقًّا، وأن رسول الله r سيعود ثانية كما يقول، قال الصديق في ثبات ورباطة جأش عجيبة: اجلس يا عمر.

لكن عمر قد أذهلته المصيبة عن السماع، فلم يجلس، وظل على حاله، لكن الناس وجدوا وزير رسول الله r الأول أبا بكر، فتركوا عمر والتفوا حول الصديق ينتظرون ما يقول، قال أبو بكر الصديق في فهم عميق وحكمة بالغة:

أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا r، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وفي براعة ولباقة وتوفيق قرأ الآية الكريمة: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].

الصديق رجل عجيب يعيش مع القرآن في كل حركة، وفي كل سكنة، ما أروع الاختيار، وما أبلغ الأثر الذي أحدثته الآية الربانية في قلوب الصحابة، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها".

أفاق الناس وبدءوا في البكاء الشديد، كانت الآية سلوى للمؤمنين، وتعزية للصابرين، وجزاء للشاكرين، ووصلت الآية إلى أسماع عمر بن الخطاب t، يقول عمر t: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فَعَقِرْت (عَقِرَ: إِذا بقي مكانه لا يتقدم ولا يتأَخر فزعًا أَو أَسَفًا أَو خجلاً) حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض، حين سمعته تلاها علمت أن النبي r قد مات.
إنا لله وإنا إليه راجعون، وثَبّت الله الأمة بثبات الصديق t وأرضاه، واحدة من أعظم حسناته t، وما أكثر حسناته.

ومع كون فتنة موت الرسول r، وفراقه إلى يوم القيامة فتنة عظيمة، ومصيبة هائلة، إلا أنها لم تكن الفتنة الوحيدة التي مرت بالمسلمين في هذه الأيام الحزينة، فإلى جوار فتنة الموت والفراق كانت هناك فتن أخرى عظيمة، كان منها:

فتنة انقطاع الوحي :
فكما ذكرنا من قبل، كانت أم أيمن رضي الله عنها تبكي بعد وفاة رسول الله r، وكانت تعلل ذلك بأنها تبكي؛ لأن الوحي انقطع من السماء، وانقطاع الوحي من السماء لا شك أنه فتنة عظيمة، وجبريل u لن ينزل على بشر إلى يوم القيامة، فرسولنا الكريم r هو خاتم الأنبياء، لا شك أن البشر سيخطئون كثيرًا، ويحتاجون إلى تقويم وإصلاح، من يقوم بذلك؟ عليهم أن يقوموا بذلك بأنفسهم، المنهج الإسلامي الكامل المتكامل أعطى لهم هذه الصلاحيات لإكمال مسيرة الحياة إلى يوم القيامة بدون رسل، ولا أنبياء، ولا وحي، لكن لا شك أن الفترة التي أعقبت وفاة الرسول r كانت تمثل عبئًا ثقيلاً على نفوس الصحابة، وقلقًا بالغًا من أن يفشلوا في حل أمورهم دون وحي..

ولا شك أنهم سيختلفون كثيرًا، فمن يكون على صواب، ومن يكون على خطأ، عليهم أن يحكموا بالمنهج المتروك في أيديهم القرآن والسنة، لكن ستظل طوائف المؤمنين تخطئ، وهي تظن أنها على صواب، الوحي كان يفصل في هذه الأمور فصلاً لا يدع مكانًا للريبة، والآن انقطع الوحي، الرجل في زمان رسول الله r كان يسير على الأرض، ويعلم أنه من أهل الجنة، يوقن بذلك إذا بشره رسول الله r يقينه بما نزل على محمد r، وتخيل معي كيف يطيق رجل صبرًا أن يسير على الأرض، وهو يعلم أنه من أهل الجنة، هذا الذي جعل عمير بن الحمام في غزوة بدر يلقي بالتمرات، لما بشره رسول الله r بالجنة ويقول: "لئن أحيا حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة".

بلال، بشره رسول الله r بالجنة، فإذا به على فراش موته سعيدًا لأنه سيموت، يقول: "غدًا ألقي الأحبة، محمدًا وصحبه".

وهكذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبقية العشرة، وهكذا عبد الله بن مسعود، وهكذا خديجة، وعائشة، وسائر أمهات المؤمنين، وهكذا مئات وآلاف بَشّرهم بالجنة، أما الآن بعد أن انقطع الوحي، فلا أحد يدري أهو من أهل الجنة أم من أهل النار؟

وعجبت لمن يضحك، كيف؟ وهو على يقين من ورود النار {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71].

ثم هو لا يعلم أيجوز الصراط إلى الجنة أم يسقط في النار؟ رسول الله r كان يخبرهم عن كثير من أمور الغيب بالوحي، يبشرهم بنصر بدر، يبشرهم بالفتح، يبشرهم بالشام، وفارس، واليمن، يخبرهم عما كان، وعما هو كائن، وعما سيكون إلى يوم القيامة، الآن بعد انقطاع الوحي أغلق باب المستقبل، لا تعرف منه إلا ما أنبأنا به الرسول r قبل أن يموت، لكن كم من الأمور ستحدث كنا نتمنى أن نعرف عاقبتها، أترانا سنفوز أم سنخسر؟

وأحداث العالم كيف ستئول في النهاية؟

الله أعلم، الفرس انتصرت على الروم، والرسول يبشر: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ} [الروم: 2، 3، 4].

الآن لا نعرف على وجه اليقين، نعم ترك لنا رسول الله r منهاجًا واضحًا من قرآن وسنة، نستقرأ به سنن الله في الأرض، ونستنبط به النتائج قبل أن تحدث، لكن ستظل كثيرًا من الأمور معروفة على وجه الظن لا اليقين، ويقين الوحي لا عودة له حتى تنتهي حياة الأرض، وتقوم القيامة، فتنة كبيرة، لا شك أنها أذهلت الصحابة وسيبدأ طريق مليء بالأشواك، وعليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في السير بعد فقد القائد العظيم، والدليل الأمين محمد r. إذن كانت هناك فتنة فراق أحب الخلق إلى قلوب الصحابة، وكانت هناك أيضًا فتنة انقطاع الوحي.

مَن الخليفة بعده r ؟
مَنْ مِنَ الرجال يجلس في كرسي الحكم مكان رسول الله r؟
رسول الله r لم يكن نبيًّا فقط، ولكن كان أيضًا حاكم المسلمين، فإن كانت النبوة قد ختمت به r، فالحكم لا بد أن يستمر، مَن مِن الصحابة الكرام يكمل المسيرة ويحمل الراية؟

أمر خطير، وخطورته ليست في احتمال التكالب على السلطة، والتنازع فيها كما يحدث في بلدان العالم المختلفة إذا مات قائد أو زعيم، كلا، ولكن لاعتبارات خاصة جدًّا بهذه الفترة:

أولاً: لا يوجد في الصحابة، ولا في أهل الأرض جميعًا من يساوي، أو يقترب في الفضل، والمكانة من رسول الله r، والذي سيوضع في مكانه كحاكم لا بد وأنه سيقارن به r، وستكون المقارنة ظالمة، ولا شك، فهذا رسول يوحى إليه من ربه وهذا رجل يجتهد قد يصيب، وقد يخطئ.

ثانيًا: مَن مِن الصحابة ستطيق نفسه أن يجلس في هذا المكان؟ الصحابة على خلاف أهل الأرض في ذلك الزمان، أو في أي زمان، كانوا لا ينظرون إلى الإمارة على أنها تشريف، وتعظيم، ولكن كانوا يعتبرونها تكليفًا وتبعة، ففضلاً عن أنهم لا تطيب أنفسهم بالحكم، بدلاً من نبيهم، فهم تعلموا منه r أن يزهدوا في الإمارة ولا يطلبونها، روى مسلم عن أبي ذر t قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةَ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا".

ترى مَنْ مِنَ الصحابة يضمن أن يأخذها بحقها، ومن يُعرّض نفسه لحمل الأمانة، ومن يضع نفسه يوم القيامة موضع سؤال عن تبعات عظيمة، تبعات الإمامة.

ثالثًا: إذا كان ولا بد أن يختار رجل من الصحابة لهذا الأمر الجليل، من يكون هذا الرجل؟

الصحابة جميعًا أعلام يُقتدى بهم، طاقتهم عظيمة، وإمكانياتهم واسعة، والمؤهل ليكون حاكمًا على الناس، أو أميرًا عليهم كُثُر، إذا نظرت إلى المهاجرين مثلاً فهناك:

الصديق أبو بكر، وهناك الفاروق عمر، وهناك أمين الأمة أبو عبيدة، وهناك ذو النورين وزوج ابنتي رسول الله r عثمان، وهناك ابن عم رسول الله r وزوج ابنته علي، وهناك العباس عم رسول الله r، وهناك سعد بن أبي وقاص خال رسول الله r، وهناك الزبير بن العوام حواري رسول الله r، وهناك طلحة بن عبيد الله طلحة الخير وهناك غيرهم كثير، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن زيد.

وهناك شيوخ مكة الذين أسلموا في الفتح، ولهم من الهيبة في قلوب العرب: أبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وغيرهم.

وإذا نظرت إلى الأنصار وجدت أيضًا فريقًا من العظماء كبير، وإن كانت الأسماء المطروحة للزعامة أقل من المهاجرين لكون الأنصار من قبيلتين فقط الأوس والخزرج، فزعيم الخزرج هو: سعد بن عبادة، ومن أقوى الأسماء المرشحة، أما من الأوس فهناك على سبيل المثال: أسيد بن حضير سيد الأوس، وهناك عباد بن بشر من أفضل الأنصار، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد: "سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر".

وبالطبع سعد بن معاذ استشهد قبل ذلك بكثير، استشهد بعد أن أقر الله عينه من بني قريظة في سنة 5 من الهجرة، كل واحد من هذه الأسماء، سواء من المهاجرين، أو الأنصار لا تنقصه الكفاءة، ولا القدرة على القيادة، كذلك لا ينقص أحدهم التقوى، فمن يحمل الراية؟

الأعداد الضخمة التي دخلت في الإسلام حديثا :
لم تكن هذه هي الفتن الوحيدة في هذه الفترة، بل كان هناك فتن أخرى عظيمة وخطيرة، الأعداد المهولة التي دخلت في الإسلام حديثًا، ولم تتلق تربية كافية في محضن الرسول r، بل إن كثيرًا منهم دخل الإسلام طمعًا في المال، والثراء، طائفة المؤلفة قلوبهم، تألف رسول الله r قلوبهم بالمال والغنائم حتى يدخلوا في الإسلام، ولنراجع بعض الأرقام:

فتح مكة سنة 8 من الهجرة، فَتح مكة عشرة آلاف مؤمن بقيادة رسول الله r، وبعدها بقليل كانت حنين، والطائف، وكانت الغنائم وفيرة جدًّا، وأعطى رسول الله r رءوس القوم، وأعطى عوام الناس، وأعطى، وأعطى، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، ذكر ذلك ربنا U في كتابه الكريم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا} [النَّصر :1، 2].

بعد فتح مكة بحوالي سنة كانت غزوة تبوك سنة 9 من الهجرة ثلاثون ألف مسلم، تضاعف الرقم من سنة 8 إلى 9 هجرية ثلاث مرات، وهو تضاعف كبير في هذه الفترة الوجيزة، أعجب من ذلك حجة الوداع سنة 10 من الهجرة بعد سنة من تبوك، حدث تضاعف مهول في عدد المسلمين، حج مع رسول الله r أكثر من مائة ألف مسلم، هذا غير عشرات الآلاف من الذين دخلوا الإسلام في قبائلهم البعيدة عن المدينة، ولم يسعدوا برؤية الرسول r، هذه الآلاف المؤلفة من المسلمين الذين ارتبطوا بالإسلام فقط، منذ شهور، ولم يسمعوا من رسول الله r إلا الكلمات القليلات، وبعضهم لم يره أصلاً، وبعضهم دخل لأجل المال، وبعضهم دخل لأجل الخوف من القوة الإسلامية الناشئة، وكلهم حديث عهد بجاهلية وإشراك، هذه العوامل جميعًا، وغيرها جعلتهم على خطر عظيم، وبخاصة إذا وصل إليهم نبأ وفاة الرسول r، ترى ماذا سيكون رد فعلهم؟

أتراهم يتشككون في أمر الرسالة؟

أتراهم يعتقدون أن الخروج عن جماعة المسلمين أصبح أمرًا ميسورًا؟

أتراهم يرتدون على أعقابهم ويعودون إلى جاهليتهم وشركهم؟

كل هذه الاحتمالات واردة، ولا شك الصحابة في المدينة، كانوا يفكرون في هؤلاء القوم، ويتسمعون أخبارهم، ويخافون من ردتهم على الإسلام، هذه المشاعر المتزاحمة من قلق، وخوف، وتربص، وحيرة زادت الأزمة في المدينة تفجرًا واضطرابًا، ولا شك أن هذا زاد من ظلمة المدينة بعد غياب النور المبين محمد r.

مُدّعو النبوة والمرتدون :
فتنة مظلمة أخرى تحيط بالصحابة، الرِّدة الفعلية لبني حنيفة، ولأهل اليمن، جاءت الأنباء قبل وفاة رسول الله r بظهور من يَدّعي النبوة في هذه البلاد، ظهر مسيلمة الكذاب في بني حنيفة، في اليمامة شرق الجزيرة، وظهر في اليمن الأسود العنسي، وتبع هذا وذاك آلاف مؤلّفة؛ قبلية وعصبية، وجهل، وشك، وكِبر، وسفه، تبع مسيلمة ما يزيد على الأربعين ألفًا.

هؤلاء مرتدون بالفعل، ومن المؤكد أنهم يتربصون بالمدينة الدوائر، ومن أدرى الصحابة أنهم يعدون العدة لغزو المدينة، ولاستئصال الإسلام من جذوره، هذا خطر داهم، لا شك أن الصحابة كانوا يترقبونه.

المنافقون :
أضف إلى هذا كثرة المنافقين بالمدينة المنورة، نذكر أنه منذ أقل من عامين كانت هناك أعداد ضخمة من المنافقين يسكنون المدينة أيام تبوك، ولا شك أنهم يتزايدون مع زيادة قوة الإسلام، ولا شك أيضًا أنهم ينتظرون الفرصة للانقلاب على الإسلام والمسلمين، وقد أرادوا قتل الرسول r قبل ذلك ولكن فشلوا، وها هو الرسول r قد مات، وهذه مصيبة ضخمة، ولا شك أن سعادتهم بهذه المصيبة كبيرة {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50].

ترى ماذا سيفعل المنافقون؟

سؤال يتردد في أذهان الصحابة، ولا شك.

الفرس والروم :
ثم هل هذا هو كل الشر الذي يتربص بالمدينة؟
أبدًا، كم من الأعداء يتربص وكم من الكارهين يرقب، الفرس دولة عظمى مجاورة، وقد كان بين الرسول r، وبين ملكها كسرى مراسلات يعرض فيها رسول الله r عليه الإسلام، لكن أبى كسرى فارس، بل مزق رسالة رسول الله r، ثم إن رسول الله r قد ضم إلى دولة المسلمين قبل أن يموت منطقة اليمن، وكانت تتبع دولة فارس، ثم إن رسول الله r أدخل في الإسلام حكام اليمن الفارسيين، وأفسد على كسرى فارس هذه المنطقة وأهلها، ترى ماذا سيفعل كسرى فارس بعد هذه المصيبة التي حلت على المسلمين؟

أتراه يعيد الكرة في احتلال اليمن، أم يفكر فيما هو أبعد من ذلك ويغزو المدينة ومكة؟

أسئلة بلا إجابة.

الروم الدولة العظمى الأخرى على الساحة العالمية في ذلك الزمان، تحتل كامل الشام وآسيا الصغرى، بالإضافة إلى شرق أوربا بأكمله، دولة ضخمة مهولة، على رأسها قيصر الروم هرقل، دولة الروم العظمى لها تاريخ مع دولة الإسلام الناشئة في المدينة، أرسل رسول الله r رسالة إلى هرقل يدعوه للإسلام، وهرقل قد مال قلبه للإسلام، لكن منعه قومه، ودفعوه إلى الكفر برسول الله r، ليس هذا فقط، بل دفعوه أيضًا إلى تحريض قبائل غسان العربية في الشام على المسلمين، ومن ثم قُتل بعض رسل الإسلام المبعوثين إلى تلك المناطق..

وغرق بذلك هرقل في مستنقع الكفر، وهكذا بطانة السوء، ومن رضي ببطانة السوء، المهم أنه نتيجة هذا الإعراض عن الرسالة، وهذا التحرش بالمسلمين، نتجت موقعتان بين المسلمين والروم، نتجت سرية مؤتة في سنة 8 من الهجرة، وهذه كانت سرية عجيبة ثبت فيها المسلمون بثلاثة آلاف مقاتل أمام مائتي ألف من الروم المقاتلين، وقتل من المسلمين زعماؤهم الثلاثة، ثم استطاع خالد بن الوليد t بتكتيك رائع أن ينسحب بجيشه دون هزيمة من الروم، بل عند التحليل الصادق للمعركة يثبت فرار الروم، وخشيتهم من الجيش الإسلامي، وما حدث من فرار لبعض المسلمين حتى وصلوا إلى المدينة في فرارهم لم يكن إلا طائفة محدودة، لكن بصرف النظر عن كل شيء، فقد تراءى للروم ثبات المسلمين، وخطورتهم، وعلموا أن بأسهم شديد، وقتالهم شرس..

ومرت سنة واحدة على مؤتة وجاء ما هو أعظم، حشد المسلمون ثلاثين ألفًا من المقاتلين الأشداء في غزوة تبوك العظيمة سنة 9 من الهجرة، ومع قلة إمكانيات المسلمين المادية من سلاح ومئونة، إلا أن معنويات الجيش كانت مرتفعة جدًّا، وتحركت الجموع الإسلامية إلى مسافات بعيدة جدًّا عن المدينة دون وجل ولا خوف، وفر الجيش الروماني، وأعوانه من نصارى الشام العرب من أمام الجيش الإسلامي، ولا شك أن الرومان سمعوا بأنباء بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والذي جهزه رسول الله r قبل وفاته بقليل حتى يغزو الشام، ويقاتل الروم، والقبائل المناصرة لها، ولا شك أنهم يعلمون أن الجيش الإسلامي ما زال رابضًا في المدينة بعد خبر وفاة رسول الله r، ماذا سيكون رد فعل الرومان، والقبائل المتحالفة معهم أمام هذا الحدث، أتراهم يستغلون الفرصة، ويهاجمون المدينة حيث إن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؟

هل يستغلون انشغال المسلمين بالمصيبة الكبيرة، ويحالفون عددًا أكبر من القبائل، ويحاصرون الجيش الإسلامي في المدينة قبل خروجه؟

أم تراهم سينقلبون على القبائل المسلمة في شمال الجزيرة العربية؟

لا شك أن الروم سيتربصون بالمسلمين، وجذور العلاقة توحي بأن ذلك سيكون قريبًا، كيف يتعامل المسلمون مع هذا التوقع؟

سؤال يحتاج إلى إجابة.

اليهود:
ماذا سيكون رد فعلهم بعد أن يعلموا بهذا الخبر الهام، وفاة الرسول r، جذور العداء تاريخية مع اليهود، ومن أول يوم سمعوا فيه بأمر الرسالة، وهم يكيدون لها، وحاولوا من قبل قتل رسول الله r، وقلوبهم تغلي بالحقد على المسلمين، وكراهيتهم للإسلام والمسلمين ثابتة في كتاب الله، وستظل الكراهية موجودة بين الفريقين إلى يوم القيامة {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82].

اليهود منذ عشر سنوات كانوا من أعظم تجار الجزيرة العربية، كانوا يتاجرون في كل البضائع، وبالذات في السلاح والخمور والربا، وكان لهم سطوة وبأس، وكانت لهم حصون وقلاع، وكانت لهم قبائل وأعوان، وكانت لهم مكانة علمية ودينية؛ لكونهم من أهل الكتاب، ثم جاء رسول الله r إلى المدينة، فسحب البساط من تحت أرجلهم، وانتقلت الزعامة الدينية في الأرض إلى المسلمين، ليس هذا فقط، بل دارت حروب ومعارك لا تنسى بينهم وبين المسلمين، كانت الغلبة فيها كلها للمسلمين، في بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وخيبر، وتشتت قوة اليهود، وتفرقت وتحطمت، وها هي السيدة صفية بنت حيي تصبح الآن زوجة لرسول الله r، وأمًّا للمؤمنين وهي التي كانت بنت زعيم اليهود حيي بن أخطب، ها هي الأحقاد تتزايد على المسلمين، وعلى رسول الله r، ثم مات رسول الله r، ماذا سيفعل اليهود الآن؟

لقد تم قتل يهود بني قريظة من قَبل، وأجلا رسول الله r بني قينقاع وبني النضير من المدينة، لكن ما زال هناك يهود خيبر، وهم ليسوا بالقليلين في حصنهم شمال المدينة، أتراهم يدبرون مؤامرة لحرب المسلمين وينقضون عهدهم المبرم مع رسول الله r؟

هذا أمر وارد جدًّا، اشتهر اليهود على مدار تاريخهم منذ أيام أنبيائهم الكرام، ومرورًا بعهد رسول الله r، ثم إلى عهدنا الآن، وإلى يوم القيامة، اشتهروا بنقض العهود، وبالتعامل بالخيانة، والدس، والكيد، والتآمر، اشتهروا في وقت ضعفهم بالذل، والمسكنة، والخنوع، والنفاق، واشتهروا في وقت قوتهم بالإفساد في الأرض، والتدمير والتخريب، إذن فساد اليهود متوقع وخيانتهم قريبة لكن كيف ستكون؟

سؤال لا شك أنه كان يجول في خاطر الصحابة بعد وفاة رسول الله r.

ما أصعب الموقف بعد وفاة رسول الله r، وما أعقده وما أحزنه.

تعالوا نقف وقفة نلتقط فيها الأنفاس، ونعيد ترتيب الأوراق، ونفكر مع الصحابة، مجموعة من الفتن الخطيرة تناوش المدينة فجأة:

أولاً: مات أحب الخلق إلى قلوب الصحابة، وفراقه مصيبة.

ثانيًا: انقطع الوحي بالكلية إلى يوم القيامة.

ثالثاُ: ليس هناك من يقارب رسول الله r في الفضل حتى يستبدله الناس به.

رابعًا: الأسماء المطروحة لخلافة الرسول r كثيرة وكلها عظيمة.

خامسًا: أعداد كبيرة جدًّا، ما دخلت الإسلام إلا منذ سنوات، أو شهور قليلة، وكثير منهم من المؤلّفة قلوبهم ضعيفي الإيمان.

سادسًا: الردة الخطيرة الموجودة في بني حنيفة واليمن.

سابعًا: كثرة المنافقين بالمدينة وتربصهم الدوائر بالمسلمين.

ثامنًا: دولة الفرس المعادية تلتصق حدودها بالدولة الإسلامية من جهة الشرق وقد تغزوها.

تاسعًا: دولة الروم المعادية أيضًا تلتصق حدودها بالدولة الإسلامية من جهة الشمال، وجذور العلاقة توحي بلقاء حربي قريب.

عاشرًا: اليهود في خيبر تغلي قلوبهم كالمرجل وخيانتهم وشيكة.

إذن هذه فتنة ضخمة، الواحدة منها قد تعصف بأمة، بنو إسرائيل لما ظنوا مجرد الظن أن موسى u قد مات، وذلك عندما ذهب لميقات ربه أربعين ليلة ماذا فعلوا؟

عبدوا العجل، وفي وجود هارون النبي u، لكنه لم يكن في قوة موسى، فتمردوا عليه، وتعامل هو بالحكمة معهم، حتى يرجع موسى u، هذا في أربعين ليلة فقط، وليس عندهم يقين في موته، أما رسول الله r ميت بين أظهرهم، والكل يعلم أنه مات، كم من الرجال سيقلدون بني إسرائيل في فعلتهم الشنيعة؟

أمر خطير:

في هذا الموقف المعقد المتشابك والمدينة المنورة كالسفينة الصغيرة، في بحر هائج تتلاطمها الأمواج العاتية، وقد مات قبطانها في الموقف الرهيب الفريد، أين النجاة؟

بتحليل الموقف نجد أنه لا نجاة إلا باختيار سريع، وسريع جدًّا، لخليفة يخلف رسول الله r في حكم الدولة الإسلامية، فقدان الخلافة أو ضياع الخلافة كارثة مهولة، الخلافة والخليفة كالخيط ينتظم حبات العقد في عقد واحد جميل، بغير هذا الخيط ستضيع الحبات لا محالة، لا يشفع للحبات هنا كونها جميلة أو براقة، كذلك أمة الإسلام، إذا غاب منصب الخلافة فلن يجتمع المسلمون، ولو كانوا صالحين، فرقة هنا، وفرقة هناك، قبيلة هنا، وقبيلة هناك، دولة هنا، ودولة هناك، وستظل الفرقة في غياب الخلافة، وهذه هي مصيبتنا العظيمة في زماننا الآن، غابت الخلافة، وآخرها كانت الخلافة العثمانية، فتفرق المسلمون، حتى وإن كانت الخلافة ضعيفة، فهي واجبة فالاجتماع على ضعف خير من التفرق على قوة، وهذا أمر عام في كل حياة المسلمين، إذا اجتمعوا على رجل كانت البركة والقوة، وإذا تفرقوا كان الفشل والضعف، ورسول الله r يلفت النظر إلى ذلك حتى في أدق الأمور، روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله r: "إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ".

والصحابة الكرام أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء، وخير القرون في هذه الأمة، يفقهون هذه الحقائق بوضوح، ويعلمون مدى الخطورة المنتظرة لأي تأخير في اختيار هذا الخليفة مهما كان اسمه، لذلك قام الصحابة الكرام بمشروع أحسبه من أرقى، وأجَلّ المشاريع الحضارية في التاريخ، مشروع اختيار الخليفة، والقائد، والربان للسفينة، مع كل الأحزان والهموم، والآلام، لا بد أن تسير الحياة، ولا تتوقف لموت بشر أو زعيم، وإن كان رسول الله r.


 

رد مع اقتباس
قديم 20-06-2011, 02:36 PM   #7


الصورة الرمزية ابو كرم
ابو كرم غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Jul 2010
 أخر زيارة : 09-12-2018 (11:23 PM)
 المشاركات : 12,128 [ + ]
 التقييم :  5099
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
 مزاجي
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkred
شكراً: 1,323
تم شكره 458 مرة في 388 مشاركة
افتراضي رد: أبو بكر الصديق وحب الرسول



بارك الله فيك وفي عملك الطيب هذا

الله يجزيك الخير يارب





 
 توقيع : ابو كرم

تصاميمي


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.




To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.



To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


رد مع اقتباس
إضافة رد
كاتب الموضوع راجية الجنة مشاركات 9 المشاهدات 4632  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع

   
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أين الصديق ؟ االمرشدى دين ودنيا 1 15-10-2015 11:27 AM
الصديق ونصف الصديق الانيق منتدى القصص والروايات 2 17-03-2013 11:22 PM
بركة الطعام في بيت الصديق و وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم زائر قصص الأنبياء عليهم السلام 4 13-02-2012 09:08 PM
هجر الصديق .... كريم خليل منتدى الخواطر 3 27-12-2011 11:29 PM
الصديق الحقيقي ريحانة المنتدى منتدى الخواطر 6 16-11-2011 11:38 AM
   

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
   

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع
Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%83%D8%B1%D9%85-%D9%86%D8%AA Add to My Yahoo! منتديات كرم نت Add to Google! منتديات كرم نت Add to AOL! منتديات كرم نت Add to MSN منتديات كرم نت Subscribe in NewsGator Online منتديات كرم نت
Add to Netvibes منتديات كرم نت Subscribe in Pakeflakes منتديات كرم نت Subscribe in Bloglines منتديات كرم نت Add to Alesti RSS Reader منتديات كرم نت Add to Feedage.com Groups منتديات كرم نت Add to Windows Live منتديات كرم نت
iPing-it منتديات كرم نت Add to Feedage RSS Alerts منتديات كرم نت Add To Fwicki منتديات كرم نت Add to Spoken to You منتديات كرم نت
تصميم الستايل علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb