المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما هي علوم البلاغة الثلاثة؟


ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:48 AM
علوم البلاغة الثلاثة



تنقسم البلاغة إلى ثلاثة علوم هي:

الأول: علم المعاني.

الثاني: علم البيان.

الثالث: علم البديع.

وسوف نتناول هذه العلوم الثلاثة بالتفصيل – بإذن الله – في المقالات المخصصة لها على الموقع.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:52 AM
1)علوم البلاغة http://www.hadielislam.com/arabic/templates/images/main/arrow_history.gif علم المعاني


(الإيجاز.. والإطناب.. والمساواة)


تمهيد


(الإيجاز): هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل، مع وفائها بالغرض المقصود ورعاية الإبانة والإفصاح فيها.

و (الإطناب): زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.

و (المساواة): تساوي اللفظ والمعنى، فيما لم يكن داع للإيجاز والإطناب.

كما أنه إذا لم تف العبارة بالغرض سمّي: (إخلالاً).

وإذا زاد على الغرض بدون داع سمّي: (تطويلاً)

فمثال الإيجاز، قوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199)

ومثال الإطناب، قوله تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طـه:18)

ومثال المساواة، قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} (الاسراء: من الآية13).

ومثال الإخلاء، قول اليشكري:

والعيش خير في الــظلا ل النوك ممّـن عـاش كدّاً

أراد: أن العيش الرغد حال الحمق، أفضل من العيش النكد في ظلال العقل، وهذا إخلال.

ومثال التطويل، قول ابن مالك:

كذا إذا عاد عليه مضمر ممـــا به عنه مبيناً يخبر


=============

(1) الإيجاز


الإِيجاز لغة: اختصار الكلام وتقليل ألفاظه مع بلاغته، يقالُ لغة: أوجز الكلامَ إذا جعله قصيراً ينتهي من نطقه بسرعة.

ويقال: كلامٌ وجيز، أي: خفيفٌ قصير. ويقال: أوْجَزَ في صَلاتِه إذا خفَّفها ولم يُطِلْ فيها.

فالمادّة تدور حول التخفيف والتقصير.

الإِيجاز في اصطلاح البلاغيين: هو التعبير عن المراد بكلامٍ قصير ناقص عن الألفاظ التي يُؤَدَّى بها عادةً في متعارف الناس، مع وفاء بالدّلالة على المقصود.

أو نقول: هو صياغة كلام قصير يدلُّ على معنىً كثير وافٍ بالمقصود.

ويكون ذلك عن طريق اختيار كلمات أو تعبيرات لها دلالات كثيرات: كالأمثال والكليّات من الكلمات.

أو عن طريق استخدام مجاز الحذف، لتقليل الكلمات المنطوقة، وتكون القرينة دالة على الحذف .

أو عن طريق استخدام ما بني على الإِيجاز في كلام العرب: كالحصر، والعطف، والضمير، والتثنية، والجمع، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وألفاظ العموم، وغير ذلك.

فإذا لم يكن الكلام وافياً بالدّلالة على المقصود كان الإِيجاز فيه إيجازاً مُخِلاًّ، وذلك إذا كان الإيجاز فيه تقصير في المعنى.


أقسام الإيجاز

القسم الأول: "إِيجَازُ الْقِصَر" وهو الإِيجاز الذي لاَ يُعْتَمَدُ فيه على استخدام الحذفِ.

القسم الثاني: "إيجازُ الْحَذْف" وهو الإِيجاز الذي يكون قِصَرُ الكلام فيه بسبب حذف بعض الكلام اكتفاءًا بدلالة القرائِن على ما حُذف.


( أ )إيجاز الْقِصَر



هو الذي تكون فيه العبارات ألفاظُها قليلة، ومعانيها غزيرة، دون أن يكون فيها ما يدُلُّ على كلام مطويّ محذوف من اللّفظ، مُشارٍ إليه بقرينة من قرائن المقال، أو قرائن الحال، أو الاقتضاء العقلي..

مثل قوله تعالى : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: من الآية179) من أبْدع وأتْقَنِ "إيجَازِ الْقِصَر" الذي لا حَذْف فيه، إنّما فيه حُسْنُ انتقاء الكلمات، مع إتقان الصياغة، فهي على قِصَرِها وقلّةِ ألفاظها تَدُلُّ على معنىً كثيرٍ جِدّاً.

ومثل قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199).



( ب ) إيجاز الحذف


سبق بيان أنّ "إيجاز الحذف" هو الإِيجاز الذي كونُ قِصَرُ الكلام فيه بسب استخدام حذف بعضه، اكتفاءً بدلالة القرائن على ما حُذِف.

إنّ من طبيعة البلغاء والمتحدّثين الأذكياء أن يَحْذِفوا من كلامهم ما يَرَوْن المتَلَقِّيَ له قادراً على إدْراكه بيُسْرٍ وسُهُولة، أو بشيء من التفكير والتأمُّل إذا كان أهلاً لذلك.

والسبب في هذا أنّ الإِسراف في الكلام لا يَليق برَزَانَةِ ورَصَانةِ أهل العقل والفكر الحصيف، بل هو من صفات الثرثارين وأهل الطيش والخفّة، وهو في الغالب من طبائع النساء.

فوائد الإيجاز بالحذف:



الفائدة الأولى: الاختصار اقتصاداً في التعبير، وذلك عند تحقق المعنى المراد لدى المتلَقِّي.

ومنه حذف المبتدأ إذا كان الخبر من الصفات التي لا تصلُحُ إلاَّ لله عزّ وجلّ، وككْون المحذوف ذكره وحذفه سواء.

الفائدة الثانية: إذا كان الوقت لا يتسع لذكر النحذوف ، أو أنّ الاشتغال بالتصريح به يُفضي إلى تفويت أمْرٍ مُهِمّ.

وتظهر هذه الفائدة كثيراً في باب "التحذير والإِغراء" ومنه ما في قول الله عزّ وجلّ المشتمل على قول صالح عليه السلام لقومه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}. (الشمس:11-13)

فحذَّرَّهُمْ أن يَمَسُّوا نَاقَةَ الله، فحذَف فِعْلَ التحذير فقال: "نَاقةَ الله" والتقدير: ذَرُوا نَاقَةَ الله.

وأغراهم بأن يحافظوا على شروط سُقْيَاها، فحذف فِعْلَ الإِغراء فقال: "وسُقْيَاها" والتقدير: الزموا سقياها، أو الزموا شروط سقياها.

الفائدة الثالثة: التفخيم والتعظيم، أو التهويل ونحو ذلك، بسبب ما يُحْدِثُه الحذف في نفس المتلقّي من الإِبهام الذي قد يجعل نَفْسَه تقدّر ما شاءت دون حدود.

كحذف جواب الشرط في قول الله عزّ وجلّ: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر:73).

وتقدير الجواب: لَرَأَوْا شيئاً عظيماً جدّاً تعجز عباراتهم عن وصفه.

الفائدة الرابعة: التخفيف على النُّطْق لكثرة دَوَرَانه في الكلام على الألسنة.

وهذه الفائدة تظهر في حذف أداة النداء، وحذف النون من فعل "يكُن" المجزوم، وحذف ياء المتكلم، وحذف مثل ياء "يَسْرِي" كما قال تعالى: {واللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} وحذف آخر المرخّم في النداء، ونحو ذلك.

الفائدة الخامسة: صيانة المحذوف عن الذكر تشريفاً له.

الفائدة السادسة: صيانة اللّسان عن ذكره فيحذَفُ تحقيراً له وامتهاناً.

الفائدة السابعة: إرادة العموم، مثل قولنا في الفاتحة خطاباً لربِّنا: {وَإيَّاكَ نَسْتَعين} أي: في أمور دنيانا وأُمور أخرانا.

الفائدة الثامنة: مراعاة التَّناظُر في الفاصلة، مثل قول الله عزّ وجلّ : {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضحى:1-3).

أي: وما قَلاَكَ.

الفائدة التاسعة: إرادة تحريك النَّفْس وشَغْلِهَا بالإِبهام الذي يتبعه البيان، حتى يكون البيان أوقع وأثبت في النفس.

مثل قول الله عزّ وجلّ : {...وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}.

أي: ولو شاء هدايتكُمْ لسلبكُمُ الاختيار ولجعلكم مجبورين، وإذن لهداكم أجمعين.

قالوا: إنّ مفعول المشيئة والإِرادة بعد الشرط لا يذكر غالباً إلاَّ إذا كان غريباً أو عظيماً.


شروط الحذف:



ذكروا شروطاً سبعة لجواز الحذف، منها ما هو بلاغيّ، ومنها ما يدور في فَلَكِ الصناعة النحويّة، ولكِنْ لم يتّضِحْ منها بلاغيّاً غير شرطين:

الشرط الأول: أنْ لا يُؤَدّيَ الحذْفُ إلى الجهل بالمقصود، فَيُشْتَرطُ أنْ يُوجَدَ دليلٌ يدلُّ علَى المحذوف، وقد يُعَبَّرُ عنه بالقرائن الدالة.

الشرط الثاني: أنْ لا يَكُونَ المحذوف مُؤكِّداً للمذكُور، إذْ الحذْفُ منافٍ للتأكيد.

والدليل الدّالُّ على المحذوف:

(1) إمَّا أنْ يكون من قرائن المقال الموجودةِ في السِّيَاق.

(2) وإمَّا أن يكون من قرائن الحال.

(3) وإمّا أن يكون من المفاهيم الفكرية والاقتضاءات العقليَّة، واللّوازم الذهنيّة.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ في عرض لقطة من أحداث يوم الدّين: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً...} [النحل:30].

أي: قالوا: أنْزَلَ رَبُّنَا خَيْراً. إنّ إجابتهم تقتصر على ذكر المفعول به فقط، وهو لفظُ "خيراً" وقد دلَّت قرينة المقال في سباقه على المحذوف.



أنواع الحذف:

الحذف ينقسم إلى خمسة أقسام.

القسم الأول: الاقتطاع.

القسم الثاني: الاكتفاء.

القسم الثالث: التضمين.

القسم الرابع: الاحتباك.

القسم الخامس: الاختزال.



أولاً : (الاقتطاع)



الاقتطاع: هو حذف بعض حروف الكلمة أو ما هو بمثابة الكلمة الواحدة وذلك لأغراض هي:

1- تخفيفاً على مخارج الحروف.

2- أو لداعي السرعة.

3- أو لأجل القافية في الشعر، أو الفاصلة في النثر.

4- أو التجبُّبِ في النداء، أو نحو ذلك من دواعي بلاغية.

* فمنه حذف نون فعل "يكون" المجزوم، كما جاء في قول الله عزّ : {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} (القيامة:39-37).

الأصل: "ألَمْ يَكُنْ" فَحُذِفَت النُّونُ تخفيفاً، وربّما لأغراضٍ أخرى تتصل بأعداد الحروف، أو لغير ذلك.

* ومنه حذف إحدى التاءَيْن المتوالِيَتَيْن في الفعل الوارد على وزن "تَتَفعل" كما جاء في قول الله عزّ وجلّ : {ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ( الأنعاه:152).

تَذَكَّرُون: أصلُها تَتَذكَّرون، فَحُذِفْت إحدى التّاءَيْن تخفيفاً.

* ومنه حذف التاء من استطاع على غير قياس، كما جاء في قول الله عزّ وجلّ: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} ( الكهف:82).

بعد أن قال له قبل هذا: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} (الكهف: 78).

ولعلّه أشار أخيراً بفعل "تَسْطعْ" إلى طبيعة موسى عليه السلام التي تقلُّ فيها استطاعة الصبر، فناسبها تقليل حروف الكلمة.

* ومنه الترخيم في النداء، كما جاء في قول امرئ القيس:


أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلي

أي: أَفَاطِمَةُ.

* ومنه حذف آخر الكلمة لمراعاة التناسب في الفواصل، كما جاء في قول الله عزّ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ( الفجر:1-4).

يَسْرِ: أصْلُها يَسْرِي، فَحُذِفَ آخر حرف فيها لمراعاة الفاصلة.

* ومنه حذف ياء المتكلم، كما جاء في قول الله عزّ وجلّ: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ( القمر:16).

ونُذُرِ: أي: ونُذُرِي، فَحُذِفَتْ ياء المتكلم لمراعاة التناظر في الفواصل.



ثانيا : (الاكتفاء)



الاكتفاء: هو أن يقتضي المقام ذِكْرَ شيئَيْنِ بَيْنَهُمَا تَلازُمٌ وارتباط، فَيُكْتَفَى بأَحَدِهما عن الآخر لنكتةٍ بلاغيّة.

ويختصُّ غالباً بالارتباط العطفي.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ : {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} ( النحل:81).

ففي قوله تَعَالَى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} إيجازٌ بالحذف، على سبيل الاكتفاء، إذِ التَّقْدير: تقيكُمُ الْحَرَّ والْبَرْدَ.

قالوا: وخُصَّ الحرُّ بالذكْرِ لأَنَّ المخاطَبين الأَوَّلِينَ كانوا عَرباً، وبلادُهُمْ حارَّة، والوقاية من الحرّ هي الأهم لدى معظمهم.

أقول: إنَّ من أساليب القرآن تَجْزِئَةَ العناصر الفكريّة على النصوص، وقد جاء فيه الامتنان بالدفء في قوله تعالى في سورة (النحل) أيضاً:

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}.

فتكامل النصّان في الدَّلاَلة على الوقاية من الحرّ والبرد.

ثالثاً: ( التضمين )

التّضمين: هو تضمين كلمة معنى كلمة أُخْرى، وجَعْلُ الكلام بعدها مَبْنيّاً على الكلمة غير المذكورة، كالتعدية بالحرف المناسب لمعناها، فتكون الجملة بهذا التضمين بقوّة جملتين، دلَّ على إحداهما الكلمة المذكورة التي حُذِف ما يَتَعلَّقُ بها، ويُقَدَّرُ معناه ذهْناً، ودَلَّ على الأَخْرَى الكلمةُ التي جاءتْ بعدها المتعلّقةُ بالكلمةِ المحذوفةِ الْمُلاحَظِ مَعْنَاها ذهْناً.

ولدى تَحْلِيل التضمين يظهر لنا أنّه صنف من أصناف الحذفِ الّذِي يُتْرَكُ في اللَّفظ ما يَدُلُّ عليه.

فالفعلُ المذكور يَدُلُّ بحسب تَعْدِيَتِهِ العربيَّةِ على معموله المحذوف، والمعمول المذكور مع قرائن النصّ يدُلُّ على عامِلِه المحذوف، ويَنْتُجُ عن ذلك أداءٌ مُوجَزٌ بليغ، اعتمد على أسلوبٍ بيانِيٍّ ذكيّ.

ولا بُدّ أن نُدْرِك أنَّ مثل هذا الإِجراء البيانيّ لا يستقيم بين كلِّ فعلَيْنِ أو ما يَعْمَلُ عمَلَهُما، حتَّى يُطَبَّقَ بغباء، سواءٌ استقام الآداءُ البيانيّ أمْ لم يستَقِم، بل يحتاج من البليغ رؤيَةً فَنّيَّةً بَيَانيَّة، يَصِلُ بها إلَى أنَّهُ لو استخدم هذا الأسلوب في جُمْلَتِه لأدركه الْبُلَغَاءُ والأَذكياء، دون إعنات ذهْنِيّ، ويُدْرِكُه الآخَرُون بالتَّدَبُّر والتأمُّل.

فمثلاً: أُرِيدُ أنْ أقولَ: جَلَسْتُ عَلى فِراشي، وأَمَلْتُ جِسْمِيَ إلى مُتَّكَئِي، فأخْتَصرُ الكلام فأقُولُ: جَلَسْتُ إلى مُتَّكَئِي.

ومثل هذا الإِيجاز القائم على الحذف والإِيصال، أُسْلوبٌ ينهجُه بُلَغاءُ الْعَرب، وتقدير الكلام: جَلَسْتُ مائلاً إلى مُتَّكَئِي.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ : {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}(الإِنسان:5-6).

إنّ فعل: "يَشْرَبُ" يُعَدَّى لغةً بحرف "مِنْ" لكنّه جاء في النّصّ هنا متعدّياً بحرف "الباء" فَلِماذا؟

بالتأمُّل يظهر لنا أنّ فِعْلَ "يشرب" ضُمِّنَ معنَى فِعْلِ: "يتلَذّذ" أو "يَرْتَوِي" الذي يُعَدَّى بحرف "الباء" فَعُدّي تعديته، والتقدير:

عيناً يَشْرَبُ منها مُتَلذّذاً بها عبادُ الله، فأغنى "يَشْرَبُ بها" عن عبارة: يشربُ منها ويتلّذذ بما يشرب عباد الله.

الفعلُ المذكور دلَّ على معناه بصريح العبارة، وحرف الجرّ "الباء" دلَّ على الفعل المحذوف الذي ضُمِّنَ الْفِعْلُ المذكور معناه، فأغنت جُمْلةٌ عن جُمْلَتَيْن، وعبارةٌ عن عبارتين، وهذا من روائع الإِيجار في القرآن المجيد.



رابعاً : ( الاحتباك )

الاحتباك: هو أن يُحْذَفَ من الأوائل ما جاء نظيره أو مقابلة في الأواخر، ويُحْذَفَ من الأواخر ما جاء نظيره أو مقابلة في الأوائل.

ومأخذ هذه التسمية من الْحَبْك، وهو الشدّ والإِحكام، وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فَحَبْكُ الثوب هو سَدُّ ما بين خيوطه من الْفُرَج وشَدُّهُ وإحكامه إحكاماً يمنع عنه الْخَلَل، مع الْحُسْنِ والرونق.

وبيان أخذ هذه التسمية من حَبْكِ الثوب أنّ مواضع الحذف من الكلام شُبِّهَتْ بالْفُرَجِ بين الخيوط، فلمّا أدْركها المتدبر البصير بصياغة الكلام، الماهر بإحكام روابطه، وأدْرك مقابلاتها، تنبّه إلى ملء الفُرَج بأمثال مقابلاتها، كما يفعل الحائل حينما يُجْري حبكاً مُحْكماً في الثوب الذي ينسجه.

يقال لغة: حبَكَ الثوبَ، وحَبّكَه، واحْتَبَكَهُ إذا أجاد نسجه وأتقنه، وحَبكَ الحبْلَ، إذا شدَّ فتله. وحبَكَ الثوب، إذا ثنَى طرفَه وخاطه.

أمثلة:

قول الله عزَّ وجلَّ :

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذالِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} (آل عمران:13).

نُلاحظ في هذه الآية حَذْفاً مِنَ الأَوَائل لدلالة ما في الأواخر، وحذْفاً من الأواخِرِ لِدَلاَلَةِ مَا فِي الأوائل، وهذا من بدائع القرآن وإيجازه الرائع.

إنّ إبراز المحاذيف يتطلّب منا أن نقول:

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ} مُؤْمِنَةٌ {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ} فئة {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} تُقَاتِلُ فِي سبيل الطّاغوت {يَرَوْنَهُمْ...} إلى آخره.

فتحقّق "الاحتباك" بدلالة ما في الأوائل على المحذوف من الأواخر، ودلالة ما في الأواخر على المحذوف من الأوائل.


خامسا: ( الاختزال )

الاختزال: هو كلُّ حذف في الكلام لا يدخل في واحد من الأقسام الأربعة السابقة "الاقتطاع - الاكتفاء - التضمين - الاحتباك".

وقد تتبّع البلاغيون والنحويّون والمفسّرون هذا الحذف المسمّى بالاختزال فوجدوا أنَّهُ يَشْمَلُ حذف الاسم، والفعل، والحرف، وحذف جملةٍ، أو عدّةِ جملٍ، وحذفَ كلام طويل في قصّةٍ ذات أحداث كثيرة.

وتتبعوا الأمثلة بالتفصيل فوجدوا أمثلةً من كلّ ما يلي:

(1) حذف المضاف، وهو كثير جدّاً في القرآن، حتّى عَدَّ "ابن جنّي" منه زُهاءَ ألف موضع.
(2) حذف المضاف إليه.
(3) حذف المبتدأ.
(4) حذف الخبر.
(5) حذف الموصوف.
(6) حذف الصفة.
(7) حذف المعطوف عليه.
(8) حذف المعطوف مع العاطف.
(9) حذف المبدَلِ منه.
(10) حذف الفاعل.
(11) حذف المفعول به.
(12) حذف الحال.
(13) حذف المنَادى.
(14) حذف العائد.
(15) حذف الموصول.
(16) حذف الفعل.
(17) حذف الحرف.
(18) حذف أكثر من كلمة، وقد تَبْلغ جملاً كثيرة، وأحداثاً طويلةً من قصة.

يقول الشيخ عبد الرحمن الميداني (http://www.hadielislam.com/articles/article.php?a=21841&back=aHR0cDovL3d3dy5oYWRpZWxpc2xhbS5jb20vYXJ0aWNsZ XMvYXJ0aWNsZXMucGhwP21vZD1zdWJjYXRlZ29yeSZjPTI5NDY =): " وإذْ يطول بي هنا ذكر الأمثلة مع شرحها وتحليلها، فإني اقتصر الآن على طائفة يسيرة منها، وأُحِيلُ القارئ على ما فَصَّلْتُ في القاعدة الرابعة عشرة، من كتاب: "قواعد التدبُّر الأمثل لكتاب الله عزَّ وجلَّ" وعلى كتاب "الإِشارة إلى الإِيجاز في بعض أنواع المجاز" للشيخ "عزّ الدين بن عبد السلام (http://www.hadielislam.com/articles/article.php?a=21839&back=aHR0cDovL3d3dy5oYWRpZWxpc2xhbS5jb20vYXJ0aWNsZ XMvYXJ0aWNsZXMucGhwP21vZD1zdWJjYXRlZ29yeSZjPTIwNzQ =)" وعلى ما جاء في كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام، في الباب الخامس منه، فقد فصل في أواخره القول في الحذف".

أقول: إنّ المهمّ في الدراسة البلاغيّة لظاهرة "الحذف" اكتشاف الداعي البلاغي له في الكلام، والتنبيهُ عليه.

أمثلة:

(1)قول الله عزَّ وجلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...} (المائدة:3).

أي: حُرِّمَ عليكم أَكْلُ هذِهِ المذكورات، وهذا من حذف الاسم المضاف.

(2) وقول الله عزَّ وجلَّ بشأن الروم إذْ غُلِبوا من قبل الفرس وبيان أنهم سَيَغْلِبُون:
{لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ...} (الروم:4).

أي: للَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلِ الْغَلَبِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَلَبِ، وهذا من حذف المضاف إليه.

==============


(2) الإطناب

قبل الحديث عن الإطناب نتحدث أولاً عن أقسام الزيادة في الكلام :

ينقسم الزائد على أصل المراد إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الإطناب، وهو تأدية المعنى بعبارة أكثر منه لغرض مّا.

2 ـ التطويل، وهو تأدية المعنى بعبارة أكثر بلا فائدة، مع كون الزيادة في الكلام غير متعيّنة نحو قول العبادي:

وقدّدت الأديم لراهِشيه وألفى قولها كذباً ومَينا

فإن (الكذب) و(المين) يمعنى واحد، ولا يتعيّن الزائد منها، لصلاحية كل منهما لذلك.

3 - الحشو، وهو تأدية المعنى بعبارة أكثر بلا فائدة، مع كون الزيادة متعيّنة في الكلام غير مفسدة للمعنى نحو قول الشاعر:

واعلم علم الــيوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

فإنّ كلمة (قبله) زائدة لوضوح أن الأمس قبل اليوم.

تقسم الإِطناب:

ينقسم الإِطناب إلى قسمين: إطناب بالبسط، وإطناب بالزيادة:

أمّا القسم الأول: وهو "الإِطناب بالْبَسْط" فيكون بتكثير الجمل وبسط المعاني، واستعمالِ كلامٍ طويل يُغْنِي عنه كَلامٌ قصير، دون أنْ تكون فيه ألفاظ زائدة.

أمثلة:

قول الله عزّ وجلّ :

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة:164).

في هذه الآية إطنابٌ بالبسط، لتوجيه الأنظار لآيات كونيَّة دالاَّتٍ على طائفةٍ من صفات الله عزّ وجلّ، منها شمول علمه، وعظيم قدرته، وكمالُ إرادته، وجليلُ حكمته وإتقانه وإبداعه لمخلوقاته، وعنايته بعباده.

وهذا البسط آتٍ من ذكر طائفة مفصّلة من آياته في كونه، كلُّ واحدة منها تدلُّ على كلٍّ هذه الصفات، فذكرها هو من البسط في إقامة الأدلّة دون زيادةٍ في الألفاظ لدى ذكر كلّ آية منها.

مثل قول الله عزّ وجلّ :

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ }(غافر: من الآية7).

إنّ عبارة {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وَصْفاً للملائكةِ الذين يَحْمِلُون العرش، وللملائكة الذينَ من حول العرش من الإِطناب بالبسط، وذلك لأنَّ إيمانهم معلوم من نصوص سابقة التنزيل، ومن كونهم يُسبّحون بحَمْدِ رَبِّهم.

والغرض البلاغيّ من هذا الإِطناب إظهار شرف الإِيمان، والترغيبُ فيه، والإِشارة إلى أنّ تسبيحهم بحمد ربِّهم ثمرةٌ من ثمراتِ إيمانهم، وليس تسبيحاً جَبْرِياً كتسبيح السماوات والأرض والشجر والجماد، إذن فهم يملكون جهازاً يُفَكّر، وجهازاً يؤمن بالإِرادة.

وأمّا القسم الثاني: وهو "الإِطناب بالزيادة" فيكون بزيادةٍ في الألفاظ على أصل المعنى الذي يُرادُ بيانه لتحقيق فائدةٍ ما.

فمنه قول الله عزّ وجلّ : {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}(القدر:4).

إنّ عبارَة: {والرُّوح} وهو جبريل عليه السلام من الإِطناب بالزيادة، لأنّ جبريل داخلٌ في عموم الملائكة، ولكنّها زيادة ذاتُ فائدة، إذ الغرضُ من تخصيصه بالذكر بعد دخوله في عموم الملائكة الإِشعارُ بتكريمِهِ وتعظيمِ شأنه، حتَّى كأنَّهُ جنْسٌ خاصٌّ يُعْطَفُ على الملائكة.


أقسام الإطناب:

1 ـ ذكر الخاص بعد العام، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}(البقرة:238)

2 ـ ذكر العام بعد الخاص، قال تعالى: {ربَّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات}(نوح:28).

3 ـ توضيح الكلام المبهم بما يفسِّره، قال تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}(الحجر:66).

4 ـ التوشيع، وهو أن يؤتى بمثنى يفسّره مفردان، كقوله (عليه السلام): العلم علمان: (علم الأديان وعلم الأبدان).

5 ـ التكرير وهو ذكر الجملة أو الكلمة مرّتين أو ثلاث مرّات فصاعداً، لأغراض:

أ - للتأكيد، كقوله تعالى: {كلاّ سوف تعلمون ثمّ كلاّ سوف تعلمون}(التكاثر:3-4).

ب - لتناسق الـــكلام، فـــلا يضره طــــول الفصل، قـــال تعالى: {إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين}(يوسف:4) بتكرير (رأيت) لئلا يضرّه طول الفصل.

ج - للاستيعاب، كقوله: (ألا فادخلوا رجلاً رجلاً...).

د - لزيادة الترغيب في شيء، كالعفو في قوله تعالى: {إنَّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم} (التغابن:14).

هـ - لاستمالة المخاطب في قبول العظة، كقوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتّبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأنّ الآخرة هي دار القرار)(غافر:38-39) بتكرير (يا قوم).

و - للتنويه بشأن المخاطب، كقوله: (علي رجل رجل رجل...).

ز - للترديد حثاً على شيء، كالسخاء في قوله:

قريب مـن الله السخيّ وأنـه قريب من الخير الكثير قريبّ

ح - للتلذّذ بذكره مكرّراً، كقوله:

علي وصي عليّ رضي عليّ تقـي عليّ نقـيّ

ط - للحث على الإجتناب، كقوله: (الحية الحية أهل الدار...).

ي - لإثارة الحزن في نفسه أو المخاطب، كقوله: (أيا مقتول ماذا كان جرمك أيا مقتول...).

ك - للإرشاد إلى الخير، كقوله تعالى: {أولى لك فأولى ثمَّ أولى لك فأولى} ( القيامة: 34-35).

ل - للتهويل بالتكرير، كقوله تعالى: {الحاقّة ما الحاقّة وما أدراك ما الحاقة} (الحاقة:1-3).

6 - الاعتراض، بأن يؤتى في أثناء الكلام بجملة لبيان غرض من الأغراض، منها:

أ ـ الدعاء، كقوله:

أن الثمانين وبُلّغتهـا قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

ب - النداء، كقوله:

كان بـرذون أبـا عصـام زيــد حمـار دق بـاللجـام

ج - التنبيه على شيء، كفضيلة العلم، في قوله:

واعلم ـ فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قُدرا

د - التنزيه، قال تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} (النحل:57).

هـ ـ المبالغة في التأكيد، قال تعالى: {ووصَيّنا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلىَّ المصير} (لقمان :14).

و - الاستعطاف، كقوله:

ووجيب قلب لو رأيت لهيبه ياجـــنّتي لرأيت فيه جهنّما

ز - التهويل، قال تعالى: {وانّه لقسم لو تعلمون عظيم} (الواقعة:76).

7 - الإيغال، بأن يختم الكلام بما يفيد نكتة يتم بدونها المعنى، قال تعالى: {ولله يرزق من يشاء بغير حساب}(النور:38).

8 ـ التذييل، وهو أن يأتي بعد الجملة الأولى بجملة اُخرى تشتمل على معناها وذلك لأحد أمرين:

الأول: التأكيد: وهو إما تأكيد المنطوق، قال تعالى: {وقل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً}(الإسراء:81) وإما تأكيد المفهوم، كقوله:

ولست بمستبق أخـاً لاتلمـــــّه على شعث أيّ الرجال المهذب؟

فقد دلت الجملة الأولى بعدم وجود الرجل الكامل فأكّدها بالجملة الثانية: أي الرجال المهذّب؟

الثاني: التذييل، وهو إما يستقل بمعناه لجريانه مجرى المثل، كقوله:

كـلّكم أروغ مـــن ثــعلب مـا أشبه الليلة بــالبارحـة

أو لا يستقل، لعدم جريانه مجرى المثل، كقوله:

لم يبق جودك لي شيئاً اُؤمّله تركتَني أصحب الدينا بــلا أمل

9- الاحتراس، وهو أن يأتي بكلام يوهم خلاف المقصود فيأتي بما يدفع الوهم، وهو على نحوين:

( أ ) أنه قد يأتي به وسط الكلام، كقوله:

فسقى دياركِ غير مفسده صوبُ الربيع وديمة تهمي

فقد قال: (غيرمفسده) دفعاً لتوهّم الدعاء للمطر عامة حتى المفسد منه.

( ب) وقد يأتي به آخر الكلام، كقوله:

حــليم إذا مــا الحكم زيّن أهله مع الحلم فــي عين العدو مَهيبُ

10 ـ التتميم، وهو زيادة مفعول أو حال أو نحوهما، ليزيد حسن الكلام، كقوله:

دعونا عليهم مــكرهين وإنـما دعاء الفتى المختار للحق أقرب

فـ (مكرهين) يزيد حسن الكلام كما لا يخفى.

11 - تقريب الشيء المستبعد وتأكيده لدى السامع نحو قوله: (رأيته بعيني يفعل كذا) و(سمعته بأذني يقول كذا).

12 - الدلالة على الشمول والإحاطة، قال تعالى: {فخرّ عليهم السقف من فوقهم}(النحل:26) فإنّ السقف لا يخرّ إلاّ من فوق، لكن بذكره (من فوقهم) دلّ على الشمول والإحاطة.

موارد الإطناب:

وهناك موارد يستحسن فيها الإطناب، منها:

1 ـ الصلح بين الأفراد، أو الجماعات، أو العشائر.

2 ـ التهنئة بالشيء.

3 ـ المدح والثناء على أحد.

4 ـ الذمّ والهجاء لاحد.

5 ـ الوعظ والإرشاد.

6 ـ الخطابة في أمر من الامور العامّة.

7 ـ رسائل الولاة إلى الرؤساء والملوك.

8 ـ منشورات الرؤساء إلى الشعب.

=============

( 3) المساواة

المساواة: هي التطابق التام بين المنطوق من الكلام وبين المراد منه دون زيادة ولا نقصان.
أقسام المساواة

(المساواة) هي الأصل في تأدية المعنى المراد، فلا تحتاج إلى علّة، واللازم الإتيان بها حيث لا توجد دواعي الايجاز والإطناب، وهي على قسمين:

1 ـ المساواة مع رعاية الاختصار، وذلك بتأدية المراد في ألفاظ قليلة الأحرف كثيرة المعنى، نحو قوله تعالى: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن:60)

2 ـ المساواة من دون اختصار، وذلك بتأدية المعنى المراد بلا رعاية الإختصار، نحو قوله تعالى: { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور: من الآية21).

وقوله سبحانه: {وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}(البقرة:110).

ونحو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّما الأعمال بالنيّات ولكلّ امرىء ما نوى).

فإن الكلام في هذه الأمثلة لا يستغنى عن لفظ منه، ولو حذفنا منه ولو لفظاً واحداً لاختلّ معناه، وذلك لأنّ اللّفظ فيه على قدر المعنى لا ينقص عنه ولا يزيد عليه.

==========
المصدر:
كتاب البلاغة : المعاني . البيان . البديع . محمّد بن المهدي الحسيني الشيرازي.
كتاب البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها / عبد الرحمن الميداني.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:54 AM
الوصل... و الفصل


(الوصل): عطف جملة على اُخرى بالواو.

و(الفصل): الإتيان بالجملة الثانية بدون العطف.

فمن الوصل قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وكونوا مع الصادقين} ( التوبة: 119).

ومن الفصل قوله تعالى: {ولاتستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالّتي هي أحسن} (فصّلت: 34).

والبلاغة في الوصل أن تكون بالواو، دون سائر العواطف.

ويشترط في العطف بالواو وجود الجامع الحقيقي بين طرفي الإسناد، أو الجامع الذهني.

فالحقيقي نحو: (يقرأ زيد ويقرأ عمرو) فإن القراءة والكتابة متوافقتان، وزيد وعمرو كذلك.

والذهني نحو: (بخل خالد وكرم بكر) فإن االمتضادّين كالبخل والكرم بينهما جامع ذهني، لانتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر.

ولا يجوز أن يقال: ( جاء محمد وذهبت الريح) لعدم الجامع بين محمد والريح، ولا: (قال علي وصاح معاوية) لعدم الجامع بين القول والصياح ـ كذا قالوا ـ.

موارد الوصل

ويقع الوصل في ثلاثة مواضع:

1 ـ إذا اتّحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية، لفظاً ومعنىً، أو معنى فقط، مع المناسبة بينهما، وعدم مقتضى الفصل.

فالخبريتان نحو قوله تعالى: {إنّ الابرار لفي نعيم وإنَّ الفجّار لفي جحيم} (الانفطار: 13ـ14).

والإنشائيتان نحو قوله سبحانه: {واعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً} (النساء: 36).

والمختلفتان نحو قوله تعالى: { إنّي اُشهد الله واشهدوا أنّي بريء ممّا تُشرِكون} (هود: 54).

فالجملة الثانية وإن كانت إنشائية لفظاً، لكنها خبرية معنى.

2 ـ دفع توهّم غير المراد، فإنه إذا اختلفت الجملتان خبراً وإنشاءاً، ولكن كان الفصل موهم خلاف المراد وجب الوصل، كقولك في جواب من قال: (هل جاء زيد): (لا، وأصلحك الله) فإنك لو قلت: (لا أصلحك الله) توهّم الدعاء عليه، والحال أنك تريد الدعاء له.

3 ـ إذا كان للجملة الأولى محل من الإعراب، وقصد مشاركة الثانية لها، قال تعالى: { إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله} (الحج: 25) حيث قُصد اشتراك (يصدّون) لـ (كفروا) في جعله صلة.

موارد الفصل

الأصل في الجمل المتناسقة المتتالية أن تعطف بالواو، تنظيماً للّفظ، لكن قد يعرض ما يوجب الفصل، وهي أمور:

1 ـ أن تكون بين الجملتين اتّحاد تامّ، حتى كأنهما شيء واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، قال تعالى: { أمدكم بما تعلمون أمدّكم بأموال وبنين} (الشعراء: 132-133).

2 ـ أن تكون الجملة الثانية لرفع الإبهام في الجملة الأولى، قال تعالى: { فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدُلّك على شجرة الخلد} (طه: 120).

3 ـ أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى، قال تعالى: { وما هم بمؤمنين يخادعون الله} (البقرة: 8-9).

وهذه الموارد الثلاثة تسمى لما يكون بين الجملتين فيها من الإتّحاد التام بـ: كمال الإتصال.

4 ـ أن يكون بين الجملتين اختلاف تامّ في الخبر والإنشاء أو اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط، قال الشاعر: (وقال رائدهم: ارسوا نُزاولها...).

5 ـ أن لا يكون بين الجملتين مناسبة في المعنى ولا ارتباط، بل كل منهما مستقل، كقوله:

إنّما المرء بأصــغريه كلّ امرىء رهن بما لديه

وهذان الموردان يسميان لما بين الجملتين من الاختلاف التامّ بـ: كمال الانقطاع.

6 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الإتصال، بأن تكون الجملة الثانية واقعة في جواب سؤال يفهم من الجملة الأولى، فتفصل عن الأولى كما يفصل الجواب عن السؤال، قال تعالى: { وما اُبرّىءُ نفسي إنَّ النفسَ لأمّارة بالسوء} (يوسف:53).

7 ـ أن يكون بينهما شبه كمال الإنقطاع، بأن تسبق الجملة جملتان، بينهما وبين الأولى مناسبة، ويفسد المعنى لو عطفت على الثانية، فيترك العطف، دفعاً لتوهّم كونها معطوفة على الثانية، كقوله:

وتظنّ سلمى أنّني أبغي بها بدلاً، أراها في الضلال تهيم

فـ(أراها) يفسد لو عطف على مظنون سلمى ولذا يترك العطف.

8 ـ أن تكون الجملتان متوسطة بين الكمالين مع قيام المانع من العطف، بأن تكون بينهما رابطة قوية، ولكن منع من العطف مانع: وهو عدم قصد التشريك في الحكم، قال تعالى: { وإذا خلوا الى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنَّما نحن مستهزِءون الله يستهزىء بهم} (البقرة:14-15).

فجملة (الله يستهزىء بهم) لا يصح عطفها على جملة (إنّا معكم) لاقتضاء العطف أنه من مقول المنافقين، والحال أنه دعاء عليهم من الله.

كما أنه لا يصح عطفها على جملة (قالوا) لاقتضاء العطف مشاركتها لها في التقييد بالظرف، وأن استهزاء الله بهم مقيّد بحال خلوّهم إلى شياطينهم، والحال أن استهزاء الله غير مقيّد بهذه الحال، ولذا يلزم الفصل دون الوصل.


========
كتاب البلاغة : (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي.


القصر


(القصر) هو الحصر والحبس لغة، قال تعالى: { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} (الرحمن:72)

واصطلاحاً هو: تخصيص شيء بشيء، والشيء الأول هو المقصور، والشيء الثاني هو المقصور عليه.

فلو قلت: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} (آل عمران: من الآية144) قصرت محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرسالة، بمعنى: أنه ليس بشاعر، ولا كاهن، ولا إله لايموت... فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصور، والرسالة مقصور عليها.

ولو قلت: (ما الرسول في آخر الزمان إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم) قصرت الرسالة في آخر الزمان على محمد ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، بمعنى: أن (مسيلمة) و(سجاح) ومن لف لفهم، ليسوا بمرسلين، فالرسالة مقصورة ومحمد مقصور عليها.

طرق القصر

وللقصر طرق كثيرة: كالاتيان بلفظ (فقط) أو (وحده) أو (لاغير) أو (ليس غير) أو توسّط ضمير الفصل، أو تعريف المسند إليه، أو لفظ (القصر) أو (الاختصاص) أو ما يشتق منهما.. أو نحوها ممّا عدّها بعضهم الى أربعة عشر طريقاً.

لكن الأشهر المتداول في كلام العلماء أربعة:

1 ـ القصر بالنفي والاستثناء، قال تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} (آل عمران: من الآية144).

2 ـ القصر بـ (إنّما)، قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: من الآية28).

3 ـ القصر بحروف العطف: (لا) و(بل) (ولكن) كقوله:

عمر الفتى ذكره لا طول مدّته وموته خزيه لا يومه الدانـي

وقوله: (ما الفخر بالنسب بل بالتقوى).

4 ـ القصر بتقديم ما حقه التأخير، قال تعالى: {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} (الفاتحة: 5).

ثم إن المقصور عليه في الأول: هو المذكور بعد أداة الاستثناء، كالرسالة.

وفي الثاني: هو المذكور في آخر الجملة، كالعلماء.

وفي الثالث: هو المذكور ما قبل (لا) وهو: ذكره، وخزيه، والمقابل لما بعدها كقوله: (الفخر بالعلم لا بالمال) والمذكور ما بعد (بل) و(لكن) وهو: بالتقوى، وبالأدب.

وفي الرابع: هو المذكور مقدّماً، كـ (ايّاك).

أمور ترتبط بالقصر:

1 ـ القصر يحدّد المعاني تحديداً كاملاً، ولذا كثيراُ ما يستفاد منه في التعريفات العلمية وغيرها.

2 ـ القصر من ضروب الإيجاز وهو من أهم أركان البلاغة، فجملة القصر تقوم مقام جملتين: مثبتة ومنفية.

3 ـ يفهم من (إنما) حكمان: إثبات للشيء والنفي عن غيره دفعة واحدة، بينما يفهم من العطف الإثبات أوّلاً والنفي ثانياً، أو بالعكس، ففي المثال السابق: الخشية للعلماء دون غيرهم، والفخر للتقوى لا للنسب، مع وضوح الدفعة في الاوّل، والترتّب في الثاني.

4 ـ في النفي والإستثناء يكون النفي بغير (ما) أيضاً، قال تعالى: { إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف: من الآية31).

ويكون الاستثناء بغير (إلا) أيضاً، كقوله:

لم يبق سواك نلوذ به مـما نخشاه من المحن

5 ـ يشترط في كل من (بل) و(لكن) أن تسبق بنفي أو نهي، وأن يكون المعطوف بهما مفرداً، وأن لا تقترن (لكن) بالواو، وفي (لا) أن تسبق بإثبات وأن يكون معطوفها مفرداً وغير داخل في عموم ما قبلها.

6 ـ يدلّ التقديم على القصر بالذوق، بينما الثلاثة الباقية تدلّ على القصر بالوضع أعني: (الأدوات).

7 ـ سبق أنّ الاصل هو أن يتأخّر المعمول عن عامله إلاّ لضرورة، أهمّها إفادة القصر، فإنّ من تتبع كلام البلغاء في تقديم ما من حقّه التأخير، وجدهم يريدون به القصر والتخصيص عادة.

أقسام القصر

للقصر قسمان:

1 ـ حقيقي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحسب الحقيقة والواقع، نحو { لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } (الصافات: من الآية35).

2 ـ إضافي: وهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه لا حقيقة بل بالقياس إلى شيء آخر معيّن، كقول الحطّاب لزميله: (لايوجد في الصحراء إلا حطباً رطباً) فإن النفي ليس لكل شيء حتى الإنسان والحيوان، وإنما للحطب اليابس.

وينقسم القصر الإضافي إلى ثلاثة أقسام:

الأول: قصر الأفراد، وذلك فيما اعتقد المخاطب الشركة، قال تعالى: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (النساء: من الآية171) رداً على من زعم التعدّد.

الثاني: قصر القلب، وذلك فيما اعتقد المخاطب عكس الواقع، كقوله: (وليس النبيّ سوى أحمد...) رداً لأتباع (مسيلمة) و(سجاح).

الثالث: قصر التعيين، وذلك فيما تردّد المخاطب كقوله: (ولم يك للحوض إلا عليّ عليه السلام) لمن تردّد.

وينقسم القصر ـ أعم من الحقيقي والإضافي ـ إلى:

1 ـ قصر الموصوف على الصفة، كما تقدّم في قوله تعالى: {وما محمّد إلاّ رسول} (آل عمران: من الآية144). حيث قصر محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرسالة.

2 - قصر الصفة على الموصوف، كما نقدّم في قوله تعالى: (إياك نعبُد) حيث قصر العبادة في الله تعالى، فلا نعبد سواه.
========
كتاب البلاغة : (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:54 AM
إطلاق الحكم وتقييده


قد يؤتى بكل من (المسند) و(والمسند اليه) مطلقاً، بدون أيّ قيد، نحو: (جواد عالم) وذلك فيما إذا لم يتعلّق غرض بذكر الخصوصيات، وإنما المقصود أصل الكلام.

وقد يؤتى بأحدهما، أو كليهما مقيّداً، لتوقّف الكلام أو مقصود المتكلّم عليه، فلو حذف القيد لكان الكلام كاذباً أو غير مقصود، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ}(الأنبياء:16)

فلو حذف الحال (لاعبين) لكان الكلام كذباً، وقال تعالى: { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} (النور: من الآية35) فلو حذف (يكاد) لفات الغرض المقصود الّذي هو افادة المقاربة.

والتقييد يكون

أ - بالتوابع الخمسة: نعت وتأكيده، وعطف بيان، وعطف نسق ،وبدل، وضمير الفصل.

ب - والمفاعيل الخمسة: المفعول به ، و المفعول له ، و المفعول معه ، والمفعول فيه، و المفعول المطلق.

ج – والنواسخ.

د - وأدوات الشرط.

هـ - والنفي.

و – والحال.

ز - والتمييز.

ح - كما يكون بالظرف.

ط - و بالجار و المجرور.



التقييد بالنعت

أما التقييد بالنعت ـ وهو المعبّر عنه بالصفة ـ فيأتي لأغراض:

1 ـ تخصيص المنعوت بصفة تميزه عما عداه، وهذا يكون في النكرة نحو: (جائني رجل عالم).

2 ـ توضيح المنعوت، وهذا وما بعده يكون في المعرفة، نحو: (قام زيد العالم).

3 ـ تأكيد النعوت، نحو قوله تعالى: { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } (البقرة: من الآية196).

4 ـ مدح المنعوت، نحو قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم}.

5 ـ ذم المنعوت، نحو قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} (المسد:4).

6 ـ الترحّم على المنعوت، قال الشاعر: (أتى الرجل المسكين فليط بعضكم).


التقييد بالتأكيد

وأمّا التقييد بالتأكيد فيأتي لتقريره، ودفع توهّم عدم الشمول، ونحوه، وذلك في موارد:

1 - مجرّد التقرير، نحو قوله : (الله الله يكفي كلّ مشكلة...).

2 - دفع توهّم المجاز، نحو قوله : (أتى الأمير نفسه عند المساء...) لئلاّ يتوهّم أن الآتي أحد خواص الأمير، وإنما عبّر به مجازاً، نحو: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} (الفجر:22)

3 ـ دفع توهّم عدم الشمول، نحو قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (الحجر:30) لئلاً يستبعد سجدة جميع الملائكة مع كثرتهم المخرجة عن العدّ، وتباعد أماكنكم، واختلاف أعمالهم...

4 ـ زيادة التشريف بتكرار المؤكدّ، نحو قوله تعالى: { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: من الآية35).

5 ـ زيادة التحقير والإهانة، نحو قوله : (خبيث أنت أنت ولا سواك...).

التقييد بعطف البيان

وأمّا التقييد بعطف البيان ـ الذي هو لتوضيح المتبوع باسم مختصّ به، سواء كان العطف أجلى من المعطوف، أم حصل الجلاء التام بضميمة أحدهما الى الآخر ـ فيأتي لاغراض:

1 ـ مجرد التوضيح، اذا اقتضى الحال ذلك، نحو قوله: ( محمد الجواد أتاك عبد...).

2 ـ زيادة المدح، نحو قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ}(المائدة: من الآية97).

3 ـ زيادة الذم، نحو قوله : (طحلب الأشتر يطلب العلى...).

4 ـ زيادة الترحّم، نحو قوله : (وزمعة المسكين في آخر الركب...).

فطحلب والأشتر اسمان، وكذا زمعة ومسكين.

التقييد بعطف النسق

وأمّا التقيد بعطف النسق ـ وهو العطف بالحرف ـ فيأتي لأمور أهمّها:

1 ـ تفصيل المسند إليه باختصار، نحو قوله : (جاء محمد وعلي وفاطمة) لم يقل: جاء محمد وجاء علي وجاءت فاطمة.

ثم إنّ حروف العطف الثلاثة: الواو والفاء وثم، وكلها مشتركة في التفصيل مع الاختيار، إلا أن (الواو) لمطلق الجمع، سابقاً كان المعطوف على المعطوف عليه، أو مقارناً، أو لاحقاً.

و(الفاء) للجمع مع الترتيب بتقديم المعطوف عليه على المعطوف مع تراخ ما.

و(ثم) مع تراخ معتد به، هذا في الظاهر، ولكن قد يعدل عنه مع القرينة، كما ذكر في كتب النحو.

2 - رد السامع إلى الصواب مع الاختصار، نحو: (جاء زيد لا عمرو) أو (لم يجئ زيد لكن عمرو).

3 - صرف الحكم من المسند إليه إلى غيره، نحو: (زارني زيد بل عمرو).

4 - الشك من المتكلّم أو التشكيك للسامع نحو : (جاءني زيد أو عمرو).

5 ـ الإبهام على السامع، نحو قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}(سـبأ: من الآية24).

6 ـ الإباحة، نحو قوله : (تعلم فقهاً أو نحواً).

7 ـ التخيير، نحو قوله : (تزوج هنداً أو أُختها).



التقييد بالبدل

وأمّا التقييد بالبدل فيأتي لزيادة التقرير والإيضاح، والبدل على خمسة أقسام:

1 ـ بدل الكلّ، نحو قوله : (جاء الأمير محمد بن علي...).

2 ـ بدل البعض، نحو قوله : (ألحّ رجال الدين أهل التفقّه).

3 ـ بدل الاشتمال،نحو قوله : (الا إنما القرآن أحكامه التي...).

4 ـ بدل البدل، نحو قوله : (حبيبي نجم لامع، شمس مشرق...).

5 ـ بدل الغلط ويقع من البلغاء كغيرهم، إذ البليغ بليغ لا معصوم، وكلامه بليغ وإن

وقع فيه غلط، نحو قوله : (جاء زيد بكر).

التقييد بضمير الفصل

وأمّا التقييد بضمير الفصل فلأغراض:

1 ـ التخصيص وقصر المسند على المسند إليه، نحو قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (التوبة: من الآية104).

2 ـ تمييز الخبر عن الصفة، نحو قوله عليه السلام: (المتّقون هم أهل الفضائل).

التقييد بالمفاعيل الخمسة

وأمّا التقييد بالمفاعيل فيأتي لأغراض:

1 ـ بيان نوع الفعل، نحو قوله : (جلست جلوس المتواضع).

2 ـ بيان عدد الفعل، نحو قوله : (ضربت ضربتين).

3 ـ بيان توكيد الفعل في المطلق، نحو قوله : (أحسنت احساناً).

4 ـ بيان ما وقع عليه الفعل، نحو قوله تعالى: { لَقِيَا غُلاماً } (الكهف: من الآية74).

5 ـ بيان ما وقع فيه الفعل، نحو قوله : (هنا امكث زماناً).

6 ـ بيان ما وقع لأجله الفعل، نحو قوله : (ضرب أخاه تأديباً...).

7 ـ بيان ما وقع مقارناً معه، نحو قوله : (فقلت لها سيري وزوجك بكرة...).

حذف المفاعيل

أمّا حذف المفاعيل فلأغراض:

1 ـ التعميم مع رعاية الاختصار، نحو قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ}(يونس: من الآية25). أي: جميع عباده.

2 ـ الاعتماد على المتقدّم اختصاراً، نحو قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ }(الرعد: من الآية39). أي: ويثبت ما يشاء.

3 ـ اختصار الكلام بدون الأمرين السابقين، للاعتماد على القرينة العقلية، نحو قوله تعالى: {َ يغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ }(آل عمران: من الآية129) أي يغفر الذنوب، فإن الغفران لايكون إلا عن ذنب.

4 ـ استهجان التصريح، نحو قوله : (ما رأيت منّي ولا أبصرت منها، في زمان..) أي العورة.

5 ـ البيان بعد الابهام، لكونه أوقع في النفس، نحو قوله تعالى: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ}(الكهف: من الآية29) أي: فمن شاء الإيمان.

6 ـ المحافظة على السجع، نحو قوله تعالى: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} (الأعلى:10) أي يخشى الله، ولم يذكر لفظ الجلالة لتناسب رؤس الآي.

7 ـ المحافظة على الوزن، قال المتنبّي: (بناها فأعلى، والقنا يقرع القنا...). أي: فأعلاها، لم يذكر المفعول تحفّظاً على الوزن.

8 ـ تعيّن المفعول، فيكون ذكره لغواً، نحو قوله : (رعت شاء قومي، والمعاشب كثرة...) أي عشباً.

9 ـ قصد المتكلّم الفعل فقط، فلا يذكر المفعول كما لا يذكر الفاعل، كقولك: (سرت عاصفة في البلد، فاقتُلع وهُدم)، والمعنى: قلعت العاصفة الأشجار وهدمت الأبنية.

10 ـ قصد المتكلم الفعل والفاعل، نحو قوله تعالى: { وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} (القصص: من الآية23) إذ المقصود وقوع الذود منهما، أما أن المذود إبل أم شاء أم بقر، فليس من محل الكلام.

تقديم المفاعيل

ثم إن الأصل في المفعول وغيره من المعمولات أن يتأخر عن العامل، لكنه قد يعكس فيقدم على العامل لأغراض:

1 ـ التخصيص، نحو قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5).

2 ـ رد المخاطب الى الصواب، في كلام قدّم معموله، فنقدّمه نحن أيضاً موافقة لكلامه، كقوله: (وقال: أعمراً نصرت؟ فقلت مجيب مقاليه: عمراً نصرت).

3 ـ مراعاة السجع، نحو قوله تعالى: {خذوه فغّوه ثم الجحيم صلوه} (الحاقة:31).

4 ـ استعجال التبرّك والتلذّذ بذكره، نحو قوله : (محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم اتبعت وليس عندي...).

5 ـ كون المتقدّم محل الكلام، نحو قوله : (الله اجعل نصب عينيك ولا...).

6 ـ كون المتقدم محط الكلام يدل على الإنكار، كقوله: (أبعد طول التجارب تنخدع بالزخارف)؟

التقييد بالنواسخ

وأمّا التقييد بالنواسخ، وهي(20):

1 ـ الحروف المشبّهة بالفعل.

2 ـ (لا) النافية للجنس.

3 ـ الأفعال الناقصة.

4 ـ أفعال المقاربة.

5 ـ (ما) و(لا) و(ان) المشبّهات بـ (ليس).

6 ـ أفعال القلوب.

فلبيان الأغراض التي تؤديها معاني هذه النواسخ وذلك مثل:

1 ـ التأكيد في (إنّ) و(وأنّ).

2 ـ التشبيه في (كأن).

3 ـ الاستدراك في (لكن).

4 ـ الترجّي في (لعلّ).

5 ـ التمنّي في (ليت).

6 ـ نفي الجنس في (لا).

7 ـ الاستمرار أو حكاية الحال الماضية في (كان).

8 ـ التوقيت بزمن معيّن كالنهار واللّيل والصباح والمساء والضحى في (ظل) و(بات) و(أصبح) و(أمسى) و(أضحى).

9 ـ التوقيت بحالة معينة في (ما دام).

10 ـ الاستمرار مع خصوصية في (ما فتى) و(ما برح) و(ما زال) و(ما انفك).

11 ـ المقاربة في (كاد) و(كرب) و(أوشك) و(عسى).

12 ـ الإنشاء والشروع في (طفق) و(جعل) و(أنشأ) و(أخذ) و(علق).

13 ـ النفي المطلق في (ما) و(لا) و(لات) و(ان).

14 ـ اليقين في (وجد) و(ألفى) و(درى)و(علم).

15 ـ الظن في (خال)و(زعم) و(حسب).

16 ـ التحوّل في (اتخذ)و(جعل) و(صيّر).

وهكذا... وهكذا...


التقييد بالشرط

وأمّا التقييد بالشرط فيأتي لأغراض تؤدّيها معاني أدوات الشرط، ولذا تختلف الأغراض باختلاف معاني الأدوات:

1 ـ الزمن في: (متى) و(أيّان).

2 ـ المكان في (أين) و(أنّى)و(حيثما).

3 ـ الحال في (كيفما).

4 ـ التعليق في (إنْ) و(إذا) و(لو).

لكن مع فرق بينهما:

أمّا (إن) فلما يحتمل وقوعه وعدمه، والأكثر عدم الوقوع، قال تعالى: { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ }(الكهف: من الآية29).

وأما (إذا) فلما يكثر وقوعه ويقطع المتكلّم بتحقّقه مستقبلاً، قال تعالى: { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ }(لأعراف: من الآية131).

وأمّا (لو) فللشرط في الماضي مع القطع بانتفائه، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا }(الانبياء: من الآية22).



التقييد بالنفي

وأمّا التقييد بالنفي فلسلب النسبة على وجه خاص، وذلك حسبب ما تفيده حروف النفي:

1 ـ النفي مطلقاً في (لا).

2 ـ نفي الحال إذا دخلت على المضارع في (ما) و(إن) و(لات).

3 ـ نفي الاستقبال في (لن).

4 ـ نفي الماضي في (لم) و(لمّا)، لكن في (لمّا) ينسحب النفي إلى ما بعد زمان التكلّم، ويختصّ بالمتوقّع، فيُقابل(لمّا) في النفي (قد) في الاثبات، ويكون منفيّها قريباً من الحال، نحو قوله تعالى: { وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات: من الآية14).

ويقيد المسند بالنفي لكون الكلام بدونه لا يستقيم، نحو قوله تعالى: { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ}(الذريات: من الآية57), فإنّ المقصود في هذا المورد نفي الإرادة لا إثباتها.

التقييد بالحال

وأمّا التقييد بالحال فيأتي لبيان هيئة صاحب الحال وتقييد عاملها.

نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} (الأنبياء:16)
ونحو قوله سبحانه: { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى }(النساء: من الآية43) فإنّ المقصود: نفي الخلق لاعباً، ونفي الصلاة في السكر، لا مطلقاً.

التقييد بالتمييز

وأمّا التقييد بالتمييز فيأتي لبيان الإبهام الواقع في ذات أو صفة، نحو: (منوان عسلاً) و(طاب زيد نفساً) فإن محل الفائدة هو القيد وبدونه لا يتم المقصود.

التقييد بالظرف ونحوه

وأمّا التقييد بالظرف والجار والمجرور فيأتي لبيان كون المقصود من الكلام ذلك، حتى أنه لو لم يقيّد لفات المقصود

نحو قوله تعالى: { لا رَيْبَ فِيهِ}(البقرة: من الآية2)

ونحو قوله سبحانه: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى }(صّ: من الآية25).

تقديم ما حقّه التأخير

ثم إن الأصل تقدّم العامل على المعمول، وتقدّم بعض المفردات كالفاعل على البعض الآخر كالمفعول.

لكن ربما يقدم ما حقه التأخير لأغراض:

1 ـ التخصيص.

2 ـ الاهتمام.

3 ـ التبرّك.

4 ـ التلذّذ.

5 ـ مراعاة الفاصلة أو الوزن، وغير ذلك.


==========
كتاب البلاغة : (المعاني . البياني . البديع) للشيرازي.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:55 AM
المسند تعريفه وعوارضه


(المسند): هو المحكوم به، فعلاً كان، أم خبراً، أم نحوهما.

ويعرضه الذكر والحذف، والتعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وغيرها.

ذكر المسند وحذفه:

أما ذكره فلأغراض، أهمها:

1 ـ كونه الأصلي ولا داعي للعدول عنه، قال تعالى: { آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} (النمل: من الآية59).

2 ـ اذا ضعف التعويل على دلالة القرينة فيجب الذكر، كقوله: (خير مال المرء ما أنفقه...).

3 ـ ضعف تنبه السامع، نحو: (زيدٌ قائم و عمرو قائم).

4 ـ الردّ على المخاطب، فيكون الذكر أحسن، قال تعالى حكاية عن منكر البعث: { مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}(يّـس: من الآية78)؟! فردّه الله تعالى: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}(يّـس: من الآية79).

5 ـ إفادة التجدّد بإتيان الفعل، كقوله: (يحمد الله كل عبد فقيه...).

6 ـ إفادة الثبوت والدوام بإتيان الاسم، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}(الأنعام: من الآية73).

وأمّا حذفه فلأمور، أهمّها:

1 ـ الإحتراز عن العبث، لقرينة مذكورة، قال تعالى: { أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } (التوبة: من الآية3) أي رسوله بريءٌ أيضاً.

2 ـ الإحتراز عن العبث، لقرينة مقدّرة، كما لو قيل لك: (ما صنع بالكبش؟) فتقول: (الكبش) ـ مع الإشارة إليه ـ مذبوحاً، فإنّ المراد: ذُبح الكبش.

3 ـ ضيق المقام عن الإطالة، كقوله:

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
أي: نحن بما عندنا راضون.

4 ـ إتباع الإستعمال الوارد، قال تعالى: { لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} (سـبأ: من الآية31) أي: لولا أنتم موجودون.

تعريف المسند وتنكيره:

وأمّا تعريفه فلأمور:

1 ـ إفادة السامع حكماً معلوماً على أمر معلوم، وذلك يفيد النسبة المجهولة، فمن عرف زيداً بشخصه، وعرف أنّ له صديقاً، ولكن لم يعرف أنّ زيداً هو صديقه، قيل له: (زيد صديقك) وهذا يفيد النسبة، وإن لم يفد الخبر ـ لكونه معلوماً -.

2 ـ قصر المسند على المسند إليه حقيقة، كقوله: (عليّ عليه السلام أمير المؤمنين صريحة...).

3 ـ قصر المسند على المسند إليه ادّعاءً، كقوله: (وأخو كليب عالم الأنساب...).

وأمّا تنكيره، فلأنّ الأصل في المسند أن يكون نكرة، لإفادة العلم بشيء مجهول، لكن قد يرجّحها أمور:

1 ـ إرداة عدم العهد والحصر، كقوله: (مجاهد عبد، وسلمى أمة...).

2 ـ إرادة التفخيم، قال تعالى: { هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: من الآية2) بناءً على كونه خبراً.

3 ـ إرادة التحقير، كقوله: (وما هندة شيئاً، ولكن رجالها...).

4 ـ إتباع المسند اليه في التنكير، كقوله: (رجل عالم وآخر فقيه...).

تقديم المسند وتأخيره:

وأمّا تأخيره عن المسند إليه، فلأنّ الأصل في المسند التأخير، لأنه حكم على شيء، والمحكوم عليه مقدم طبعاً.
لكن قد يتقدّم لأمور:

1 ـ كونه عاملاً نحو: (جاء زيد).

2 ـ كونه ممّا له الصدارة في الكلام نحو: (أين زيد؟).

3 ـ التخصيص بالمسند اليه، قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الشورى: من الآية49).

4 ـ التنبيه على أنه خبر لا صفة ـ من بدء الكلام ـ كقوله يصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

لـه هــمم لامـنتهى لكبارهـا وهمّتـه الصغرى أجلّ من الدهر

له راحة لو أنّ معشار جودها على البرّ كان البرّ أندى من البحر

فلو قال: (همم له) أو (راحة له) توهم بادي الأمر أنّ (همم) أو (راحة) صفة.

5 ـ التشويق للمتأخّر، إذا كان المقدّم مشوّقاً له، قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران:190)
6 ـ التفاؤل، كقوله:

سعدت بغرّة وجهك الأيام وتــزيّنت بلقائك الأعوام

7 ـ التطيّر، كقوله: (شاهت بلقياك الوجوه وإنّما...).

8 ـ قصر المسند إليه على المسند، قال تعالى: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } (الكافرون:6) أي دينكم مقصور عليكم وديني مقصور عليّ.

9 ـ المساءاة، كقوله:

ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدواً له ما مـن صداقته بدّ

10 ـ تعجيل التعجّب، أو التعظيم، أو المدح، أو الذمّ، أو الترحّم، أو الدعاء، أو الإغراء، أو المسرّة، أو ما أشبه ذلك.

كقوله: (ومعجب كل فتى بوالده...).

وقوله: (عظيم أنت يا ربّ الفصاحة...).

وقوله: (كريم علاء الدين عند الملمات...).

وقوله: (بئس أخو القوم الذي أن يحضر...).

وقوله: (ومسكين أبوه لدى المجاعة...).

وقوله: (بخير رجعت من السفر...).

وقوله: (أسير العدل أنت أبا ظليم...).

وقوله: (لله درّك).

أقسام المسند:

المسند إما مفرد وإمّا جملة، والمفرد على قسمين:

1 ـ فعل، نحو: (قام زيد).

2 ـ اسم، نحو: (زيد أسد).

والجملة على ثلاثة أقسام:

1 ـ اسمية، نحو: (زيد أبوه منطلق).

2 ـ فعلية، نحو: (زيد يصلّي).

3 ـ ظرفية، إما جاراً أو مجروراً، نحو: (محمد في الدار)، أو لا، نحو: (عليّ عندك).

أقسام الجملة:

ثم إن الجملة على ثلاثة أقسام:

1 ـ السببية، وهي ما تكون من متعلقات المسند إليه، نحو: (حسين انتصر ابنه).

2 ـ المؤكدة، وهي ما تكون مؤكدة للحكم، نحو: (جعفر يفقه) لتكرر الإسناد.

3 ـ المخصصة، وهي ما تكون مخصصة للحكم بالمسند إليه، نحو: (أنا سعيتُ في حاجتك) أي: الساعي فيها أنا وحدي لا غير.

تقسيم المسند:

ثم المسند إما جامد وإمّا مشتق:

1 ـ فالجامد، هو الذي لايؤوّل بالمشتق، ولايكون مشتقّاً، نحو: (فارقليطا اسم).

2 ـ والمشتق، نحو: (حسان شاعر)، ويلحق به المؤوّل، نحو: (جعفر أسد) أي شجاع.

=========
كتاب البلاغة : (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:56 AM
المسند إليه


(المسند إليه): هو الذي يعتمد عليه الفعل وشبهه، فاعلاً أم نائباً، أم غيرهما.

وتعرضه حالات، من ذكر وحذف، وتعريف وتنكير، وتقديم وتأخير، وغيرها.

والأصل ذكر المسند إليه، لتوقّف فهم الكلام عليه، لكنه قد يجوز حذفه لوجود قرينة تدل عليه، وحينئذ فالراجح ذكره لأمور:

1 ـ زيادة التقرير والإيضاح، كقوله تعالى: { أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة:5) فإن ذكر (اُولئك) لزيادة الايضاح.

2 ـ ضعف القرينة، أو ضعف فهم السامع عن إدراكها، كقوله تعالى: { وما أدراك ما هيه نار حامية}(القارعة:10-11) فإن ذكر (النار) انما هو لاحتمال ضعف القرينة أو ضعف ادراك سامعها.

3 ـ الرد على المخاطب، كقوله تعالى: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (النساء: من الآية171) رداً على من زعموا أنه أكثر.

4 ـ التلذّذ بذكر المحبوب، كقوله: (حبيبتي هي بدر، حبيبتي هي شمس...).

5 ـ التعريض بغباوة السامع، كقولك: (زيد قال كذا) في جواب: (ماذا قال زيد؟).

6 ـ التسجيل على السامع حتى لا يتمكّن من الإنكار، كقولك: (نعم، زيد سرق) في جواب أبيه: (هل زيد ابني سرق)؟‍

7 ـ التعجّب، فيما كان الحكم عجيباً: كقولك: (علي عليه السلام أخمد نار بدر) في جواب: (هل عليّ عليه السلام أخمد نار بدر)؟

8 ـ التعظيم، كقولك: (جاء أمير المؤمنين) في جواب (هل جاء أمير المؤمنين؟)

9 ـ الإهانة، كقولك: (جاء السارق) في جواب: (هل جاء السارق)؟

10 ـ بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب، كقوله تعالى: { قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طـه:18)

حذف المسند إليه:

حذف (المسند إليه) خلاف الأصل كما عرفت، لكن إذا كانت هناك قرينة، وكان في حذفه غرض رجّح حذفه، وأهم الأغراض:

1 ـ الإحتراز عن العبث ـ بناءً على الظاهر ـ كقوله: (زيد أتى ثم ذهب) ولم يقل (زيد ذهب).

2 ـ إخفاء الأمر عن الحاضرين غير المخاطب، كقولك: (جاء) في جواب (ما فعل)؟ تريد أحد المجرمين.

3 ـ سهولة الإنكار حيث تمس الحاجة إليه، كقولك: (زنديق) حيث يعرفه المخاطب.

4 ـ الحذر من فوات الفرصة، كقولك: (غزال) لتنبيه الصيّاد، فإن قلت: (هذا غزال) فات خلف جبل مثلاً.

5 ـ اختبار تنبه السامع عند القرينة أو مقدار تنبهّه له، كقولك: (خاتم النبييّن) أي (محمدّ صلى الله عليه وآله وسلم).

6 ـ تضجّر المتكلّم بسبب، فلا يحب التطويل، كقوله: (قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل) ولم يقل: (أنا عليل) تضجّراً من علّته.

7 ـ المحافظة على السجع، كقولك: (زيد طاب، ثم آب) ولا تقول: (آب هو).

8 ـ المحافظة على القافية، كقوله:

قد كـان بـالإحسان أحرى أحمد لأنـه فـي كـل حـال يحـم
لم يقل: يحمد هو، تحفّظاً على القافية.

9 ـ المحافظة على الوزن، كقوله:

على أنّني راض بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علّـى ولا ليـا

أي: لا شيء عليَّ، فإنه لو ذكره اختلّ الوزن.

10 ـ كون المسند معلوماً معيّناّ، كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (الرعد:9)

11 ـ اتباع الاستعمال الوارد على تركه، كقولهم: (رمية من غير رام) أي هذه رمية.

12 ـ إيهام حفظه عن لسانك، لأنه أجلّ من أن يذكر، كقوله: (صاحب كل منقبة..) يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لأنه لا يليق أن يذكر لخسّته، كقوله تعالى: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} (البقرة:18)

13 ـ تكثير الفائدة لكثرة الاحتمالات، كقوله تعالى: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف: من الآية18). أي أمري صبر جميل، أو عملي، أو نحو ذلك.

14 ـ كون المسند معيّناً للعهد به، نحو قوله تعالى: { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (صّ: من الآية32) أي الشمس.

ما ينبغي للمسند إليه:

(المسند إليه) ينبغي أن يكون معرفة، لأن الكلام إنما يؤتى به للإستفادة، ولا يستفاد من الحكم على النكرة، إلا في ظروف نادرة.

وتعريف (المسند إليه) يكون بالإضمار، والعَلَمية، والإشارة، والموصولية، وال، والإضافة، وقد يعرف بالنداء.

المسند إليه مضمراً:

أما تعريف المسند إليه بالإضمار فهو لأغراض أهمّها:

1- كون الحديث في مقام التكلّم، كقوله: (أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي...).

2- أو في مقام الخطاب، كقوله: (وأنت الذي في رحمة الله تطمع...).

3- أو في مقام الغيبة، كقوله تعالى: { هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ } (الحشر: من الآية23)

ولا بدّ من تقدّم ذكر مرجع الضمير وذلك:

1- إمّا لفظاً، كقوله تعالى: { فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} (لأعراف: من الآية87).

2- وإمّا معنىً، كقوله تعالى: { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: من الآية8). أي العدل المفهوم من قوله: (اعدلوا).

3- وإمّا حكماً، كقوله تعالى: { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} (النساء: من الآية11)أي أبوي الميّت، المفهوم من السياق.

ثم أن الأصل في الخطاب أن يكون لمعيّن مشاهد.

وقد يأتي لغير المعيّن إذا قصد التعميم، كقوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (السجدة: من الآية12) .

كما أنه قد يأتي لغير المشاهد، إذا نزّل منزلته، نحو (لا اله إلا أنت) لكون الله تعالى مع كل أحد.

تأخير مرجع الضمير أو حذفه:

وربما يترك ذكر مرجع ضمير الغائب مقدماً عليه، فيؤخّر المرجع، أو لا يذكر أصلاً، لأغراض أهمّها:

1- إرادة تمكين الكلام فـــي ذهن السامـــع، لأنه إذا سمع الضميـــر تشوّق إلى معرفة مرجعه، كقوله تعالى: (قل هو الله أحد).( الإخلاص :1)

2- ادّعاء حضور مرجع الضمير في الذهن، فلا يحتاج إلى ذكر مرجعه، كقوله: (ذكرتني والليل مرخى الستور...) أي المحبوبة.

وهذا القسم من الكلام يسمّى: بـ (الإضمار في مقام الإظهار).

وقد يعكس الكلام فيوضع الظاهر مقام المضمر ويسمّى بـ: (الإظهار في مقام الإضمار) وذلك لأغراض أهمّها:

1 - إلقاء المهابة في ذهن السامع، كقول الوالي: (الأمير يأمر بكذا).

2 - تمكين المعنى في نفس المخاطب، كقوله: (هو ربّي وليس ندّ لربّي...).

3 - التلذّذ بالتكرار، كقوله:

(أمّر على الديار ديار ليلى)..

إلى:

(وما حبّ الديار شغفن قلبي).

4 - إثارة الحسرة والحزن، كقوله:

قد فارقتني زوجتي فراقاً وزوجتي لا تبتغي الطلاقا

5 - الاستعطاف، كقوله: (إلهي عبدك العاصي أتاكا...) لم يقل: (أنا).

المسند إليه علماً:

وأما تعريف المسند إليه بالعلمية فهو ليمتاز عما عداه باسمه الخاص، قال تعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (البقرة: من الآية257).

وقد يعرض له إضافة إلى إمتيازه وجه مرجّح آخر، وأهم الوجوه:

1 ـ المدح، فيما إذا كان الاسم مشعراً بذلك، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } (الفتح: من الآية29).

2 ـ الذمّ والإهانة، قال تعالى: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر} (إبراهيم: من الآية22) .

3 ـ التفاؤل كقوله: (جاء سعد فاتبعته سعود...).

4 ـ التشاؤم، كقوله: (وإذ أتت شوهاء نحوك فاستعذ...).

5 ـ التبرّك، بذكره، كقوله: (فليحكم القرآن في أبنائنا).

6 ـ التلذّذ باسمه، كقوله:

تالله ياظبيــات القاع قلن لنا ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر

7 ـ الكناية عن ذمّ يصلح العَلَم له، لكون المراد كان معنى هذا اللفظ قبل وضعه علماً، كقوله: (وأبر الحتوف إذا تعرّض نحوهم...) كناية عن الحتف المتوجّه إليهم.

8 ـ التسجيل على السامع لئلا ينكر، كقوله: (أفهل علمت بأن أحمد قد أتى)؟

9 ـ طلب الإقرار بصريح الاسم، كقوله: ( قل: هل دريت بأن يوسف حاكم)؟

المسند إليه معرفاً بالإشارة:

وأما تعريف المسند إليه باسم الإشارة فهو لأمور:

1 ـ أن لا يكون طريق لاحضاره إلا باسم الإشارة، لجهل السامع باسمه وبصفاته، كقوله: (جاءني هذا) مشيراً إلى زيد، حيث لا يمكنك احضاره باسمه أو صفته في ذهن المخاطب.

2 ـ بيان حاله في القرب، قال تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (يّـس:63).

3 ـ بيان حاله في التوسّط، كقوله: (ذاك شيخي ومرجعي وعمادي...).

4 ـ بيان حاله في البعد، قال تعالى: { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (قّ: من الآية42)..

5 ـ تعظيمه بالقرب، قال تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (الاسراء: من الآية9).

6 ـ تعظيمه بالبُعد، كقوله: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً } (البقرة: من الآية2).

7 ـ تحقيره بالقرب، قال تعالى: { لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} (الانبياء: من الآية99).

8 ـ تحقيره بالبُعد، قال تعالى: { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} (الماعون:2)

9 ـ اظهار الاستغراب كقوله:

كم عاقل عاقل اعيت مـذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقـا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصيّر العالم النحرير زنـديـقاً10 - تمييز المشار إليه أحسن تمييز، كقوله:

هذا الّذي أحمد المختار والده بجدّه أنـبياء الله قـد ختمـوا

11 - التعريض بغباوة المخاطب ايماءاً إلى أنه لا يعرف إلا المحسوس، كقوله:

أولئك آبـائي فــجئني بـمثلهم إذا جـمعتنا يـا جـريـر المجامع

12 - إفادة أن المشار اليه حقيق بما يذكر له من الأوصاف، قال تعالى:

{ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة:5) , بعد ذكر أنهم : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(البقرة: من الآية3).

المسند إليه موصولاً:

وأمّا تعريف المسند إليه بالموصول فهو لأمور:

1 - أن لا يكون طريق لإحضاره في ذهن المخاطب إلا بإتيانه موصولاً، كقولك: (الذي هاجم الأعداء كان مقداماً) إذا لم يعرف المخاطب أي شيء منه، وكذا اذا لم يعرف اسمه المتكلّم.

2 - التشويق لكون مضمون الصلة أمراً غريباً، كقوله:

والذي حارت البريّة فيه حيوان مستحدث من جماد

3 - التنبيه على خطأ المخاطب، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } (لأعراف: من الآية194).

4 - التنبيه على خطأ غير المخاطب، كقوله:

مـن أخذوه جـوشنـاً مـن شـرّ الاعـداء لهم

5 - إرادة إخفاء المسند إليه بخصوصياته، كقوله:

مـا حـدث فـي دارنـا ليست عن الصبر أمرّ

6 - تعظيم شأن المسند اليه، كقوله:

إنّ الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعــائمـه أعـزّ وأطول

7 ـ التهويل، قال تعالى: { فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} (طـه: من الآية78).

8 ـ استهجان التصريح بالإسم، قال تعالى: { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} (يوسف: من الآية23).

9 ـ الإشارة إلى النحو الذي يبنى عليه الخبر، من خير وشرّ، ومدح وقدح، قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ }(الطور: من الآية21).

10 ـ التوبيخ، كقوله:

افيقوا أمن كان يـحسن دائـماً إليكم؟ فهل هذا جزاء المفضل؟

11- الاستغراق، كقوله: (الّذين يزورونك أكرمهم).

12- الإبهام، قال تعالى: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (الانفطار:5)
المسند إليه مضافاً:

وأمّا تعريف المسند إليه بالإضافة فهو لأمور:

1 ـ أنه أخصر طريق لإحضاره في ذهن المخاطب، كقوله: (زرتُ والدك)؟

2 ـ تعذّر التعداد، كقوله تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } (الرحمن:26)

3 ـ تعسّر التعداد، كقوله: (زارني أصدقائي) لمن أصدقاؤه كثيرون.

4 ـ الخروج عن تبعة تقديم بعض على بعض، كقوله: (جاء أمراء الجيش).

5 ـ تعظيم المضاف، كقوله: (خادم السلطان يبغي مطلباً) تعظيماً للخادم بأنه خادم السلطان.

6 ـ تعظيم المضاف اليه، كقوله:

إذا ما رأيت الكسائي فقل صنيعك أضحى أمير البلاد

تعظيماً للكسائي بأن صنيعه صار أميراً.

7 ـ تعظيم غيرهما نحو: (أخو السلطان صهري) تعظيماً للمتكلّم بأن أخ السلطان صهره..

8 ـ تحقير المضاف، نحو: (ابن الجَبان حاضر).

9 ـ تحقير المضاف اليه، نحو: (عبد زيد خائن).

10 ـ تحقير غيرهما، نحو: (أخو اللصّ عندك).

11 ـ الإختصار لضيق المقام، كقوله: ( هواي من الركب اليمانين مصعد) فلفظ (هواي) أخصر من (الذي أهواه).

12 ـ الإستهزاء، كقوله: (علمك النافع لاعلم جميع العلماء).

المسند إليه معرّفاً باللام:

وأمّا تعريف المسند إليه بـ (أل) سَواء العهدية أم الجنسية، فلأغراض:

أما (ال) العهدية، فإنها تدخل على المسند إليه للإشارة الى معهود لدى المخاطب، والعهد على ثلاثة أقسام:

1 ـ العهد الذكري، وهو ما تقدم فيه ذكر المسند إليه صريحاً، قال تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ }(المزمل: الآية15-16) فإن (الرسول) تقدّم ذكره صريحاً، لكن المثال ليس للمسند إليه، إذ الرسول مفعول في المقام، وانما المثال المطابق قوله:

أتاني شخصاً لابساً ثـوب سؤدد وما الشخص إلا من كرام الأقارب

2 ـ العهد الذهني، وهو ما تقدم فيه ذكر المسند إليه تلويحاً، قال تعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }(آل عمران: من الآية36) فإنه لم يسبق ذكر (الذكر) صريحاً، وإنّما أشير إليه في قوله: { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً }(آل عمران: من الآية35) فإنّ (ما) يراد منه الذكر، لانه القابل لخدمة المسجد.

3 ـ العهد الحضوري، وهو ما كان المسند إليه حاضراً بذاته، قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}(المائدة: من الآية3) فإن (اليوم) وهو يوم الغدير ـ الذي أكمل الله تعالى دينه بولاية أمير االمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ كان حاضراً، ومثله ما بمنزلة الحاضر، نحو: هل انعقد المجلس؟ فيما كان المجلس في شرف الانعقاد.

وأما (ال) الجنسية فإنها تدخل على المسند إليه لبيان الحقيقة، وهي على أربعة أقسام:

1 ـ لام الجنس، وهي تدخل على الأجناس، للإشارة الى الحقيقة، من دون نظر إلى العموم والخصوص، نحو (الإنسان حيوان ناطق) فإن المراد أن هذا الجنس متّصف بكونه حيواناً ناطقاً.

2 ـ لام الحقيقة، وهي تدخل على الأجناس، للإشارة إلى فرد مبهم، قال تعالى: { وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} (يوسف: من الآية13) فالمقصود: فرد من الذئب، ويعامل مع مدخولها معاملة النكرة، لكونه بمعناها.

3 ـ لام الاستغراق الحقيقي، وهي تدخل على الاجناس، للإشارة الى عمومها لكل فرد صالح لأن يكون داخلاً في الجنس ـ بحسب اللغة ـ قال تعالى: { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (الأنعام: من الآية73) أي كلّ غيب وكلّ شهادة.

4 ـ لام الاستغراق العرفي، وهي تدخل على الاجناس، للإشارة إلى عمومها لجميع الأفراد، لكن عرفاً لا حقيقة، نحو: (جمع الأمير الصاغة) فإن المراد صاغة بلده أو مملكته لا صاغة الدنيا.

واعلم أن بعض هذه الأمثلة ليست مما نحن فيه، وإنما المقصود أصل المثال، لا كونه في المسند اليه.

المسند اليه معرّفاً بالنداء:

وأما تعريف المسند إليه بحرف النداء فهو لأغراض:

1- إذا لم يعرف المتكلّم للمخاطب عنواناً خاصاً، نحو: (يا رجل).

2 ـ إذا اريد إغراء المخاطب لأمر، نحو (يا فقير) و(يا مظلوم) و(يا شجاع) إذا أريد رغبته في طلب الغنى، أو إثارته على الظالم، أو تشجيعه على اقتحام المصاعب.

3 ـ اذا أريد الإشارة الى وجه النداء، نحو: (يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي).

4 ـ التحقير، نحو: (يا رجل عافاك الله).

تنكير المسند إليه:

سبق أنّه ينبغي أن يكون المسند إليه معرفة، ولكن قد يؤتى به نكرة لأغراض:

1 - إذا لم يعلم المتكلم بجهة من جهات التعريف، حقيقة أو ادعاءاً، كقوله: (جاء رجل يسأل عنك).

2 - إخفاء الأمر كقوله: (اتّهمك رجل) يخفي اسمه حتى لايكون شغباً.

3 - قصد الإفراد، قال تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} (يّـس: من الآية20) أي: رجل واحد

4 - قصد النوعيّة، نحو: (لكل داء دواء).

5 ـ التعظيم، قال تعالى: { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } (البقرة: من الآية7) أي: غشاوة عظيمة.

6 ـ التحقير، قال تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ} (الانبياء: من الآية46).

7 ـ التكثير، قال تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } (فاطر: من الآية4).

8 ـ التقليل، قال تعالى: { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} (التوبة: من الآية72) أي: رضوان قليل أكبر من نعيم الجنّة ـ على بعض التفاسيرـ.

تقديم المسند اليه:

الأصل في (المسند إليه) التقديم، لأنه محكوم عليه والحكم مؤخّر، وقد يرجّح تقديمه ـ علاوة على ذلك ـ لأغراض أهمها:

1 ـ تعجيل المسرّة، كقوله: (عطاؤك ممنوح ورزقك مضمون).

2 ـ تعجيل المسائة، كقوله: (السجن موطنه والقبر عاقبته).

3 ـ التشويق إلى الخبر إذا كان المبتدأ غريباً، كقوله:

والذي حـرت الـبريّة فيه حيوان مستحدث من جماد

4 ـ التلذّذ بالمسند إليه، كقوله: (حبيبي شمس للمعالي وزورق...).

5 ـ التبرّك بالتقديم، كقوله: (محمّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رسول حقّ...).

6 ـ كون المقدم محلّ الإنكار، كقوله: (لعب وشيب، إنّ ذا لعجيب)؟!

7 ـ التدرّج في الحسن أو القبح أو ما شاكلهما، كقوله: (أصحيح ومفصح وبليغ)؟ فالصحّة مقدّمة على الفصاحة، وهي على البلاغة.

وقوله: (نظرة فابتسامة فسلام...).

وقوله: (نواة ثم زرع ثم نخل...).

8 ـ مراعاة الترتيب الوجودي، قال تعالى: { لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}(البقرة: من الآية255).

9 ـ النص على مقدار النفي، وإنه جميع الأفراد أو بعضها، لأنه:

إذا كان المنفي جميع الأفراد، قدموا أداة العموم على أداة النفي، فيقال:

(كل صدوق لا يكذب) ويسمى هذا بـ: (عموم السلب).

وإذا كان المنفي بعض الأفراد، قدموا أداة السلب على أداة العموم، فيقال:

(ما كل سوداء تمرة) ويسمى هذا بـ: (سلب العموم).

نعم هذه القاعدة غير مطردة، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان: من الآية18). والمراد عموم السلب.

10- إفادة التخصيص إذا كان المسند مسبوقاً بنفي وكان المسند فعلاً، نحو: (ما أنا قلت هذا) والمراد: إني لم أقل، لكن غيري قال، فالنفي مختص بالمتكلم.

=======
كتاب البلاغة : (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:57 AM
الإنشاء


الإنشاء لغة: هو الإيجاد.

وفي الاصطلاح: ما لا يحتمل صدقاً ولا كذباً، كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء وغيرها، فإنك إذا قلت: (اللّهم ارحمني) لا يصح أن يقال لك: صادق أو كاذب، نعم يصح ذلك بالنسبة الى الخبر الضمني المستفاد من الكلام، وهو أنك طالب للمغفرة.

أقسام الإنشاء:

والإنشاء ينقسم إلى (طلبي) و(غير طلبي).

الإنشاء غير الطلبي:

ما لايستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب، وهو على أقسام:

1 ـ المدح والذم، ويكونان بـ (نعم) و(حبذا) و(ساء) و(بئس) و(لاحبذا)، نحو: (نعم الرجل زيد) و(وبئست المرأة هند).

2 ـ العقود، سواء كانت بلفظ الماضي، نحو: (بعت) و(وهبت) أم بغيره، نحو: (امرأتي طالق) و(عبدي حرّ).

3 ـ القَسَم، سواء كان بالواو أو بغيرها، نحو: (والله) و( لعمرك).

4 ـ التعجّب، ويأتي قياساً بصيغة (ما أفعله) و(أفعل به) نحو): (ما أحسن عليّاً ) و(أكرم بالحسين) وسماعاً بغيرهما، نحو: (كيف تكفرون بالله) (البقرة: 28).

5 ـ الرجاء، ويأتي بـ (عسى) و(حرى) و(اخلولق) نحو: (فعسى الله أن يأتي بالفتح)(المائدة :52).

الإنشاء الطلبي:

والإنشاء الطلبي: هو الذي يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب ـ حسب اعتقاد المتكلم ـ وهو المبحوث عنه في علم المعاني لما فيه من اللطائف البلاغيّة، وأنواعه خمسة:

الأمر , والنهي , والاستفهام , والتمني , والنداء.

===============

( أ) الأمر



الأمر: وهو طلب حصول الفعل من المخاطب على سبيل الاستعلاء، وهو إمّا:

1 - بفعل الأمر نحو: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ }(الاسراء: من الآية78).

2 - أو بالمضارع المجزوم بلام الأمر نحو: { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}(البقرة: من الآية282)), ومثله الجملة نحو: (يعيد الصلاة).

3 - أو باسم فعل الامر نحو: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } (المائدة: من الآية105).

4 - أو بالمصدر النائب عن فعل الأمر: نحو: (ذهاباً الى بيت الله).

قالوا: وقد تخرج صيغة الأمر: عن معناها الأصلي ـ المتقدم ـ فيراد منها أحد المعاني الآتية بالقرينة، لكن الظاهر أنها مستعملة في معناها، وإنما تختلف الدواعي، وتحقيقه في الأصول .

1 ـ الدعاء، نحو: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}(الاحقاف: من الآية15) و(النمل: من الآية19).

2 ـ الالتماس، نحو: (اذهب الى الدار) تقوله لمن يساويك.

3 ـ الإرشاد، نحو: { إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ }(البقرة: من الآية282) .

4 ـ التهديد، نحو: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(فصلت: من الآية40).

5 ـ التعجيز، نحو: { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} (البقرة: من الآية23).

6 ـ الإباحة، نحو: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ }(البقرة: من الآية187).

7 ـ التسوية، نحو: (اصبروا أو لا تصبروا).

8 ـ الإكرام، نحو: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} (الحجر:46)

9 ـ الإمتنان، نحو: { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} (النحل: من الآية114).

10 ـ الإهانة، نحو:{ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} (الاسراء:50).

11 ـ الدوام، نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6)

12 ـ التمنّي، كقوله: (ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي..).

13 ـ الاعتبار، نحو: { انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}(الأنعام: من الآية99).

14 ـ الإذن، نحو قولك: (ادخل) لمن طرق الباب.

15 ـ التكوين، نحو قوله تعالى: (كن فيكون).

16 ـ التخيير، نحو: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ }(النساء: من الآية3).

17 ـ التأديب، نحو: (كل ما بين يديك) لمن يأكل من الاطراف.

18 ـ التعجّب، نحو: { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}(الاسراء: من الآية48).

وضع الخبر موضع الإنشاء:

يوضع الخبر موضع الإنشاء لأغراض:

1 ـ التفاؤل، كقوله: (عافاك ربّك من بليتّك التي...) وكقوله: (وفّقك الله) و(أصلحك الله).

2 ـ الإحتراز عن إتيان الشيء بصورة الأمر، تأدباً ونحوه، كقوله: (ينظر سيّدي إلى مقالي..).

3 ـ التنبيه على سهولة الأمر لتوفّر شروطه، كقوله: (تأخذون بنواصي القوم وتنزلونهم من صياصيهم...).

4 ـ المبالغة في الطلب تأكيداً، كقوله: (لا تضربون وجوه الناس بالعمد..) لم يقل: (لا تضربوا) مبالغة في النهي حتّى كأنّهم امتثلوا النهي فأخبر عن امتثالهم.

5 ـ إظهار الرغبة في الشيء، كقوله: (شفّعني الله محمداً وآله).

وضع الإنشاء موضع الخبر:

وقد ينعكس الأمر فيوضع الإنشاء موضع الخبر لأغراض:

1 ـ إظهار العناية بالشيء والإهتمام به، كقوله تعالى: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (لأعراف: من الآية29) والأصل: وإقامة وجوهكم.. لكنه لعظيم خطر الصلاة اُوتي في صورة الانشاء.

2 ـ التأدب بالنسبة إلى عظيم لئلا يساويه غيره في سوق الكلام، كقوله تعالى: { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (هود: من الآية54) لم يقل: وأشهدكم.. لئلا يتشابه الاستشهادان.


==============

( ب) النهي



النهي: هو طلب المتكلم من المخاطب الكف عن الفعل، على سبيل الاستعلاء.

وهو إما:

1 ـ بصيغة المضارع المدخول عليها ال (لا )، كقوله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } (البقرة: من الآية188).

2 ـ أو بالجملة الدالة على ذلك، كقولك: (حرام أن تفعل كذا).

قالوا: وقد يستفاد من النهي معان أخرى مجازاً بالقرينة، على ما يلي:

1 - الدعاء كقوله تعالى: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: من الآية286).

2 - الالتماس، كقولك لأخيك: (لا تفعل خلاف رضاي).

3 - الإرشاد كقوله تعالى: { لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } (المائدة: من الآية101).

4 - الدوام، كقوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ }(ابراهيم: من الآية42).

5 - بيان العاقبة، كقوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} (آل عمران: من الآية169).

6 - التيئيس، كقوله تعالى: { لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (التوبة: من الآية66).

7 - التمنّي، كقولك: (يا شمس لا تغربي).

8 - التهديد، كقولك لولدك مهدداً: (لا تذهب إلى مجالس البطالين)

9 - الكراهة، نحو : (لا تشتم الريحان في يوم الصوم).

10 - التوبيخ، كقوله: (لا تنه عن خلق وتأتي مثله).

11 - الايناس، كقوله تعالى: (لا تحزن).

12 - التحقير، كقوله: (دع المكارم لا ترحل لبغيتها..).

===============

( ج) الاستفهام



الاستفهام : وهو طلب الفهم، فيما يكون المستفهم عنه مجهولاً لدى المتكلّم، وقد يكون لغير ذلك كما سيأتي، ويقع الاستفهام بهذه الأدوات:

1 ـ الهمزة كقوله تعالى: { أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ } (مريم: من الآية46).

2 ـ هل، كقوله تعالى: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة: من الآية91).

3 ـ ما، كقوله تعالى: { أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النمل: من الآية84).

4 ـ من، كقوله تعالى: { مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا} (الانبياء: من الآية59).

5 ـ أيّان، كقوله تعالى: {يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} (الذريات:12) .

6 ـ أين، كقوله تعالى: { أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} (الأنعام: من الآية22).

7 ـ كيف، كقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} (البقرة: من الآية28).

8 ـ أنّى، كقوله تعالى: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} (البقرة: من الآية259).

9 ـ كم، كقوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} (المؤمنون:112).

10 ـ أيّ، كقوله تعالى: {أيّ الفريقين خير مقاماً} (مريم:73).


أقسام أدوات الاستفهام

تنقسم أدوات الاستفهام إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ ما يطلب به التصوّر.

2 ـ ما يطلب به التصديق.

3 ـ ما يطلب به التصوّر مرة، والتصديق أخرى.

والتصوّر، هو إدراك المفرد، بمعنى أن لا يكون هناك نسبة، فـ (زيد) و(عمرو) و(القرآن) و(الله).. ونحوها كلّها مفرد، فهي تصورات.

والتصديق: هو إدراك النسبة، أي نسبة الفعل الى فاعله أو المبتدأ إلى خبره، فـ(زيد قائم) و(الله عالم) و(محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي).. ونحوها كلها نسبة، فهي تصديقات.

وجملة القول:

إن العلم إن كان إذاعاناً للنسبة فتصديق، وإلا فتصورّ.

والتصديق كما يكون في الإثبات، نحو (محمد عادل) كذلك يكون في النفي، نحو (خالد فاسق).

همزة الاستفهام:

من أدوات الاستفهام الهمزة، وهي مشتركة، فتأتي تارة لطلب التصور، وأخرى لطلب التصديق.

1- أما ما كان لطلب التصوّر، فيلي الهمزة المسئوول عنه، والسؤال حينئذٍ عن المفرد لا النسبة بمعنى: أن السائل يعلم بالنسبة، وإنما لا يعلم شيئاً من أطرافها.

مثلاً يعلم: أنه وقع فعل ما، لكن لا يعرف المسند، أو المسند اليه، أو المفعول، أو الحال، أو الظرف، أو الصفة.. أو نحوها.

ففي نحو: (ضرب زيدٌ عمراً، الفاسق، راكباً، في الصحراء) يقع المجهول بعد همزة الاستفهام.

فتقول في الجهل بالفعل: (أضربه أم قتله)؟

وتقول في الجهل بالفاعل: (أزيد الضارب أم بكر)؟

وتقول في الجهل بالمفعول: (أعمراً المضروب أم محمداً)

وتقول في الجهل بالصفة: (أعمرا الفاسق أم التاجر)؟

وتقول في الجهل بالحال: (أراكباً كان زيد أم راجلاً)؟

وتقول فيي الجهل بالظرف: (أفي الصحراء أم في البلد)؟
وهكذا..

وقد علم من هذه الأمثلة: أن النسبة معلومة، وإنما المجهول مفرد من المفردات.

2 ـ وأما ما كان لطلب التصديق، فالهمزة تدخل على الجملة، والسؤال يقع عن النسبة، كقولك: (أجاء زيدٌ؟) فيما لم تعلم بالمجيء.

ثم إن الغالب أن يؤتى للهمزة التي لطلب التصور بمعادل، كما عرفت في الأمثلة: من معادلة (أم) للهمزة.

بخلاف طلب التصديق فلا يؤتى للهمزة بمعادل، كما تقدم في المثال.

ثم إن جواب الهمزة التي لطلب التصور: تعيين أحد الشقين:

فتقول في السؤال الاول: (ضربه).

وتقول في السؤال الثاني: (زيدٌ).

وتقول في السؤال الثالث: (عمراً).
وهكذا...

بخلاف الهمزة التي لطلب التصديق، فالجواب: (نعم) أو (لا).

هل الاستفهامية:

من أدوات الاستفهام: هل، وهي مختصة بطلب التصديق، فيراد بها معرفة وقوع النسبة وعدم وقوعها، ولذا لا يذكر معها معادل، كما يكون جوابها: (نعم) أو (لا).

تقول: (هل قام زيد)؟

والجواب: (نعم) أو: (لا).

وتنقسم هل الى:

1 ـ بسيطة، وهي أن يكون المستفهم عنه بها: وجود الشيء وعدمه، كما تقول: (هل العنقاء موجودة)؟

2 ـ مركبة، وهي أن يكون المستفهم عنه بها: صفة زائدة على الوجود، كما تقول: (هل الخفاش يبصر)؟

ما الاستفهامية:

بقية أدوات الاستفهام موضوعة لطلب التصوّر فقط، فيقع السؤال عن معناها.

1 ـ فـ (ما): موضوعة للاستفهام عن غير العقلاء، ويطلب بها أحد أمور ثلاثة:

الأول: إيضاح الاسم، مثلاً يقال: (ما الفدوكس)؟ فيقال في الجواب: (أسد).

الثاني: بيان حقيقة الشيء، مثلاً يقال: (ما الأسد)؟ فيقال في الجواب: (حيوان مفترس).

الثالث: بيان صفة الشيء، مثلاً يقال: (ما الحيوان)؟ فيقال في الجواب: (حساس متحرك بالارادة).

وهنا نكتة لا بأس بالتنبيه عليها، وهي: أن السؤال عن شيء حسب ترتيبه العقلي هكذا:

أ ـ السؤال بـ (ما) الشارحة، تقول: (ما هي الذكاء)؟ فيقال: (الشمس).

ب- السؤال بـ (هل) البسيطة، تقول: (هل الشمس موجودة)؟ فيقال: (نعم).

ج- السؤال بـ (ما) الحقيقية، تقول (ماهي الشمس)؟ فيقال: (جرم علوي مضيء..).

د- السؤال بـ (هل المركبة)، تقول: (هل الشمس أصل الكون)؟ فيقال: (لا).

وذلك لأن الإنسان يطلب أولاً معنى اللفظ، ثم وجوده، ثم حقيقته، ثم صفاته وخصوصياته.

2 ـ و(من): موضوعة للاستفهام عن العقلاء، كقوله تعالى: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ } (الأنبياء:59) وقد ينعكس، فتستعمل (ما) للعاقل، و(من) لغيره.

3 ـ و(متى): موضوعه للاستفهام عن الزمان، مستقبلاً كان أم ماضياً، نحو: متى هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم

4 ـ و(أيّان): موضوعة للاستفهام عن زمان المستقبل فقط، قال تعالى: { يسئل أيّان يوم القيامة} (القيامة:6).

5 ـ و(كيف): موضـــوعــــة للاستفـــهام عن الحال، قــــال تعالى: {فكيف اذا جئنا من كل أُمَّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}(النساء:41).

6 ـ و(أين): موضوعة للاستفهام عن المكان، قال تعالى: { أين شركاؤكم} (الآنعام:22).

7 ـ و(أتّى): موضوعة الاستفهام، وتأتي بمعنى:

أ ـ كيف، كقوله تعالى: {أنّى يُحيي هذه الله بعد موتها} (البقرة:259).

ب - وبمعنى من أين، كقوله تعالى: {يا مريم أنّى لكِ هذا} (آل عمران:37).

ج- وبمعنى متى، تقول: (زره أنّى شئت؟).

8 ـ و(كم): موضوعة للاستفهام عن عدد مبهم، كقوله تعالى: { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} (المؤمنون:112)

9 ـ و(أيّ) موضوعة للإستفهام عن تمييز أحد المتشاركين في أمر يعمهما: شخصاً، أو زماناً أو مكاناً، أو حالاً، أو عدداً، عاقلاً أو غيره، قال تعالى: { أيُّ الفريقين خير مقاماً} (مريم:73).

خروج أدوات الإستفهام من معانيها:

قالوا: وقد تخرج ألفاظ الاستفهام عن معناها الأصلي: وهو طلب الفهم من الجهل، فيستفهم بها عن الشيء مع االعلم به لأغراض أخرى، وأهمها أمور:

1 - الأمر، كقوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} (المائدة:91)أي انتهوا.

2 - النهي، كقوله تعالى: {أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه} (التوبة:13). أي لا تخشوهم.

3 - التسوية، كقوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} (البقرة:6).

4 - النفي، كقوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (الرحمن:60).

5 - الإنكار، كقوله تعالى:{أغير الله تدعون} (الأنعام:40).

6 - التشويق، كقوله تعالى:{هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} (الصف:10).

7 - الاستئناس، كقوله تعالى: { وما تلك بيمينك يا موسى} (طه :17).

8 - التقرير، كقوله تعالى: { ألم نشرح لك صدرك} (الشرح:1).

9 - التهويل، كقوله تعالى: {وما أدراك ما الحاقة} (الحاقة:2).

10 - الاستبعاد، كقوله تعالى: { أنّى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين}(الدخان:13).

11 - التعظيم كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة:255).

12 - التحقير، كقوله تعالى: { أهذا الذي يذكر آلهتكم} (الأنبياء:36).

13 ـ التعجّب، كقوله تعالى: : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام} (الفرقان :7).

14 ـ التهكّم، كقوله تعالى: { أصلاتك تأمرك أن نترك ما كان يعبد آباؤنا} (هود:87).

15 - الوعيد، كقوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربّك بعاد} (الفجر:6).

16 - الاستبطاء، كقوله تعالى: {متى نصر الله} (البقرة:214).

17 - التنبيه على الخطأ، كقوله تعالى:{ أتستبدلون الّذي هو أدنى بالذّي هو خير} (البقرة:61).

18 - التنبيه على ضلال الطريق، كقوله تعالى: {فأين تذهبون} (التكوير:26).

19 - التحسّر، كقوله تعالى: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني الى النار} (غافر:41).

20 - التكثير، كقوله: (أهذا الخلق يحشر في القيامة).

================

( د) التمنّي



التمني: هو طلب المحبوب الذي لا يرجى حصوله، لاستحالته عقلاً أو شرعاً أو عادة، كقولك: (ليت الشباب لنا يعود) و (ليت السواك كان واجباً) وقوله تعالى: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون} (القصص:79).

والفرق بين التمنّي والترجّي ـ كما ذكروا ـ: أن التمنّي يأتي فيما لا يرجى حصوله، ممكناً كان أم ممتنعاً، والترجّي فيما يرجى حصوله.

ويستعمل للترجّي ـ غالباً ـ (عسى) و(لعلّ) قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} (المائدة:52), وقال سبحانه: { لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمراً} (الطلاق: 1).

قالوا: وللتمنّي أدوات أخرى تستعمل فيه مجازاً، مثل:

(هل): قال تعالى: { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا} (الأعراف:53).

و (لو): قال تعالى: { فلو أن لنا كرَّةً فنكون من المؤمنين} (الشعراء:102).

و (لعلّ) كقول الشاعر:


أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلّـــي إلى من قد هويت أطير

وقد ينعكس فيؤتى بـ (ليت) مكان (لعل)، قال تعالى: {يا ليتني اتّخذتُ مع الرسول سبيلاً}(الفرقان :27) للتندّم، وقال الشاعر:


فيا ليت ما بيني وبين أحبّتـــي من البعد ما بيني وبين المصائب

================

( هـ) النداء



النداء : وهو طلب توجّه المخاطب الى المتكلّم بحرف يفيد معنى: (أنادي).

وحروف النداء:

1 ـ الهمزة: قال الشاعر: (أسكّان نعمان الاراك تيقّنوا...).

2 ـ يا: قال تعالى: { ياأيّها النبي اتّق الله...}(الأحزاب:1).

3 ـ أيّ: قال الشاعر: (أيها السائل عنهم وعني...).

4 ـ أ: كقوله: (أسيد القوم أنّي لست متّكلاً...).

5 ـ أي: كقوله: (أي ربّ قوّ المسلمين فإنهم...).

6 ـ أيا: كقوله: (أيا من لست أنساه...).

7 ـ هيا: كقوله: (... ويقول من فرح: هيا ربّا).

8 ـ وا: كقوله: (فوا عجباً كم يدّعي الفضلَ ناقص...).

ثم أنهم اختلفوا في هذه الحروف، والمرجحّ: أن (الهمزة) و(أيّ) لنداء القريب، والباقي لنداء البعيد.

وقد يجعل للقريب سائر الأدوات إشارة إلى انحطاط مرتبته فلا يليق بالتكلّم معه عن قريب، أو ارتفاع مرتبته فشأنه أجلّ من أن يتكلّم عن قرب، أو لكونه كالبعيد، كالنائم والغافل..

كما أنه ربما يجعل للبعيد أدوات القريب، إشارة إلى أنه في نفس المتكلّم فهو كالقريب، أو لتنزيل القرب المعنوي منزلة القرب المكاني..

استخدام النداء لأغراض اُخر:

قالوا: وربما يؤتى بحرف النداء لغرض آخر، وأهم الأغراض:

1 ـ الإستغاثة، كقوله: (يا لقومي ويا لأمثال قومي..).

2 ـ الإغراء، كقوله: (يا من رُميت ألا تنهض إلى الثار...).

3 ـ الندبة، كقوله: (يا حسيناً قتلته الأشقياء...).

4 ـ الزجر، كقوله: (أفؤادي متى المتاب؟...).

5 ـ التعجّب، كقوله: (يا أيّها المجنون كيف تفلسف؟...).

6 ـ التضجّر وإظهار الحزن، كقوله: (أيا منزل الاحباب أين الاحبّة؟...).

7 ـ التذكّر، كقوله: (ذكرتك يا معهد المسلمين...).

8 ـ الاختصاص، وهو كالنداء من غير ياء، فيؤتى بالضمير ثم باسم ظاهر يبيّنه، نحو قوله تعالى: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أنّه حميد مجيد}(هود:73) .

ونحو قوله (صلى الله عليه آله وسلم): (إنّا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم).

==============
كتاب البلاغة : (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 10:58 AM
الخبر


(أ ) الخبر


الكلام إما خبر وإما إنشاء، ولنتكلم الآن عن الخبر:

والخبر: هو ما يحتمل الصدق والكذب، نحو: محمد جالس، فإن كان هذا الكلام مطابقاً للواقع، بأن كان محمد جالساً، كان الكلام صدقاً، وإن لم يكن مطابقاً للواقع، بأن لم يكن محمد جالساً، كان كذباً.

والغالب في الخبر أن يلقى لأحد أمرين:

1- إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنه الخبر وذلك فيما إذا كان المخاطب جاهلاً، كقولك: (الله ربنا) للطبيعي. وهذا القسم يسمى: (فائدة الخبر).

2 ـ إفادة المخاطب أن المتكلم عالم أيضاً وأنه يعلم الخبر، وذلك فيما إذا كان المخاطب عالماً، كقولك: (أنت حفظت القرآن) لمن كان حافظاً للقرآن. ويسمى هذا القسم: (لازم فائدة الخبر).

وقد تأتي بالكلام لأغراض أخرى، غير هذين مثل:

1 ـ الاسترحام، نحو: (إلهي عبدك العاصي أتاك..).

2 ـ إغراء المخاطب بشيء، نحو: (وليس سواءاً عالم وجهول).

3 ـ إظهار الضعف والخشوع، كقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي}(مريم: من الآية4).

4 ـ إظهار التحسر على شيء محبوب، كقوله تعالى: { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى } (آل عمران: من الآية36).

5 ـ إظهار الفرح، كقوله تعالى : {جَاءَ الْحَقُّ } (التوبة: من الآية48).

6 ـ التوبيخ، كقولك: (أنا أعلم فيم أنت!).

7 ـ التحذير، نحو : (أبغض الحلال الطلاق).

8 ـ الفخر، نحو: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

9 ـ المدح، نحو: (فإنك شمس والملوك كواكب..).

10 ـ التذكير بأمر، كالتفاوت بين المراتب، نحو: (لايستوي كسلان ونشيط).


==========

( ب ) أقسام الخبر



ينقسم الخبر من حيث نوع المخاطب إلى:

1- الابتدائي، وهو ما يستعمل حين يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر، كقولك ـ لمن لا يعلم كون القبلة في طرف الجنوب من العراق ـ: (القبلة في العراق نحو الجنوب).

2- الطلبي، وهو ما يستعمل حين يكون المخاطب شاكاً في الخبر، طالباً العلم به، كقولك ـ لمن شك في سقوط حكومة ـ: (الحكومة سقطت). ويستحسن في هذه الحال تأكيد الخبر بمؤكد.

3 ـ الإنكاري، وهو ما يستعمل حين يكون المخاطب منكراً، كقولك للنصراني: (والله محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي). وفي هذه الحال يؤتى بالخبر مؤكداً بالقسم أو حرف التنبيه المؤكد أو نحوهما.

لكن ربما يؤكد الخبر لشرف الحكم، وان لم يكن المخاطب متردداً أو منكراً، كقولك: (إن النجاة في الصدق).

واذا جئنا بالتأكيد على حسب ما ذكرنا، سمي الكلام: مطابقاً لمقتضى الظاهر.
وأما اذا لم نأت بالتأكيد في مورد التأكيد، أو أتينا بالتأكيد في غير مورده، فإن كان هناك اعتبار بلاغي كان حسناً، وإلاّ فلا.

و ينقسم الخبر من حيث نوع الجملة إلى قسمين:

1- الجملة الفعلية، وهي إما مركبّة من فعل وفاعل، نحو: (قال زيد) وإما من فعل ونائب فاعل نحو (ضُرب زيدٌ).

ثمّ إنّها قد تفيد التجدد والحدوث في زمن معيّن، نحو قولهم في البخيل: (يعيش عيشة الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء).

وقد تفيد الاستمرار التجددي شيئاً فشيئاً، كقول المتنبي: (تدبّر شرق الأرض والغرب كفه..) بمعنى أن شأنه المستمر تدبير الممالك.

2- الجملة الاسمية، وهي ما تركبت من مبتدأ وخبر، وهي لا تفيد إلاّ ثبوت شيء لشيء، نحو (زيد شجاع) لكن إذا كان خبر المبتدأ فعلاً، أو كان هناك قرينة، أفادت التجدد أيضاً، نحو: (الكريـــم يفرح بالضيف) وقوله تعالـــى: {وانك لعـــلي خلق عظيم}( القلم: 4).

============
( ج ) العدول عن مقتضى الظاهر



قد ذكروا للعدول عن مقتضى الظاهر لاعتبار بلاغي موارد:

1 ـ تنزيل العالم منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب علمه، فيلقى إليه الخبر كما يلقى الى الجاهل تقول لمن لا يصلي، وهو عالم بوجوب الصلاة: (الصلاة واجبة) من غير تأكيد.

2- تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد السائل، قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}(يوسف: من الآية53) فإن قوله: إن النفس.. أكدت لأنه تقدم ويشير إلى الخبر المقتضي لتردد المخاطب.

3- تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، إذا ظهرت أمارة الإنكار، كقوله:


جاء شقيق عارضاً رمحه إن بني عمّك فيهم رماح

فشقيق لا ينكر رماح بني عمه، ولكن مجيئه واضعاً رمحه على فخذه بالعرض وهو راكب، بمنزلة إنكاره أن لبني عمه رماحاً، فأكد الكلام استهزاءاً به.

4- تنزيل المتردد منزلة الخالي الذهن، كقولك لمن تردد في مجيء الشتاء: (جاء الشتاء).

5- تنزيل المتردد منزلة المنكر، ويدل على ذلك شدة التأكيد، وإلا فلو لم ينزل كان التأكيد الواحد كافياً، كقولك لمن يتردد في مجيء الأمير: (والله إن الامير جاء).

6- تنزيل المنكر منزلة الخالي الذهن، لأن عنده من الدلائل ما لو تأملها ارتدع، قال تعالى‏: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (البقرة: من الآية163).

7- تنزيل المنكر منزلة المتردد، ويظهر بعدم الاعتناء إلى مزيد التأكيد مع اقتضاء المقام ذلك كقولك لمن ينكر نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أشد الانكار: (إن محمداً صلى الله عليه وآله نبي).
وحاصل التقسيم: إن كلاً من المنكر والمتردد والخالي قد ينزّل منزلة غيره لاعتبار بلاغي.

========
كتاب البلاغة: (المعاني . البيان . البديع) للشيرازي .

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:02 AM
2 (http://www.hadielislam.com/arabic/index.php?pg=articles%2Fcategory&id=1767))علوم البلاغة http://www.hadielislam.com/arabic/templates/images/main/arrow_history.gif علم البيان

تعريف (علم البيان)

(البيان) لغة: الكشف والظهور.

واصطلاحاً: اُصول وقواعد عن طريقها يتم التعبير عن المعنى الواحد بطرق متعدّدة وتراكيب متفاوتة مثل: الحقيقة والمجاز، والتشبيه والكناية..


وهذه الطرق تختلف في التعبير عن هذا المعنى, وتتفاوت في درجة الوضوح:

فالتعبير عن (جود حاتم) ـ مثلاً ـ يمكن أن يكون بهذه الألفاظ: جواد، كثير الرماد، مهزول الفصيل، جبان الكلب، بحر لا ينضب، سحاب ممطر، وغيرها من التراكيب المختلفة في وضوح أو خفاء دلالتها على معنى الجود..

أركان علم البيان

ويجب أن نعرف أن الدلالات ثلاثة:

الدلالة المطابقية : هي الدلالة الوضعيّة للألفاظ : أي ما وضع له اللفظ أصلا من معنى مثل : دلالة كلمة ( رجل) على الإنسان البالغ الذكر وهو دون المرأة.

الدلالة التضمنية و الالتزامية : هي الدلالة العقليّة للألفاظ: أي أن يكون للفظ معنى وهذا المعنى له معنى ملازم له مثل : ( كثير الرماد) فإنه يدل على معنى أخر ملازم له و هو المقصود : أنه كريم.

فإن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له : فمجاز.

وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له : فكناية.

ومن المجاز : ما يبتني على التشبيه.

فيلزم التعرّض للتشبيه قبل التعرّض للمجاز والكناية.

إذن: فعلم البيان يعتمد على أركان ثلاثة:

( أ ) التشبيه .

( ب) والمجاز.

( ج ) والكناية.

والحديث عن كل نوع منها – بإذن الله تعالي – في المقالات التالية.

==========
كتاب البلاغة: (المعاني. البيان. البديع ) الشيرازي. ( بتصرف كبير)



أثرُ علمِ البيانِ في تأديةِ المعاني


ظهرَ لك من دراسة علمِ البيان:

أنَّ معنًَّى واحداً يُستطاع أداؤه بأساليبَ عديدة، وطرائق مختلفةٍ، وأنه قد يوضع في صورة رائعةٍ من صور التشبيه أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقليِّ، أو الكناية.

فقد يصف الشاعر إنساناً بالكرم، فيقول:

يريدُ الملوكُ مَدى جَعفَر ... ولا يَصنعون كما يَصنعُ

وكيفَ ينالون غاياتِه ... وهم يَجمعون ولا يَجمعُ

وليسَ بأوسعِهم في الغِنى ... ولكن مَعْروفه أوسع

فما خَلْفَه لامرىءٍ مطلبٌ ... ولا لامرىء دونَه مَطمعُ

بَدِيهَتُهُ مثلُ تدبيرِه ... ..إذا أجبتَه فهو مُستجمِعُ

و هذا كلامٌ بليغٌ جدًّا، مع أنه لم يقصد فيه إلى تشبيه أو مجاز، وقد وصف الشاعرُ فيه ممدوحهَ بالكرم، وأنَّ الملوكَ يريدون أن يبلغوا منزلته، ولكنهم لا يشترونَ الحمد بالمال كما يفعلُ، مع أنه ليس بأغنَى منهم، ولا بأكثرَ مالاً.

وقد يعتمدُ الشاعر عند الوصف بالكرمِ إلى أسلوبٍ آخر، فيقولُ المتنبي:

كالبَحْرِ يَقذِفُ للقَريبِ جَواهِراً جُوداً ويَبْعَثُ للبَعيدِ سَحائِبَا

كالشّمسِ في كَبِدِ السّماءِ وضَوْؤها يَغْشَى البِلادَ مَشارِقاً ومَغارِبَا

فيشبِّهُ الممدوحَ: بالبحر، ويدفعُ بخيالكَ إلى أن يضاهيَ بين الممدوحِ والبحرِ الذي يقذفُ الدرر للقريبِ، ويرسلُ السحائبَ للبعيد، وكذلك يشبهه بالشمس في كبد السماء وضوؤها يملأ مشارق البلاد ومغاربها وهو يريدُ عمومَ نفعهِ للبعيدِ والقريبِ .

أو قول أبي تمام في المعتصم بالله:

هو البحرُ منْ أيِّ النواحي أتيتَهُ فلجتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلهُ

فيدَّعي أنه البحرُ نفسه، وينكرُ التشبيهَ نكراناً يدلَّ على المبالغةٍ، وادعاءِ المماثلة الكاملة.

أو يقول:

علا فلا يستقرُّ المالُ في يده وكيفُ تمسكُ ماءً قنة ُ الجبلِ

فيرسلُ إليكَ التشبيه: من طريقٍ خفيٍّ، ليرتفعَ الكلامُ إلى مرتبةِ أعلى في البلاغة وليجعلَ لك من التشبيهِ الضمنيِّ دليلاً على دعواهُ، فإنه ادَّعى: أنه لعلوِّ منزلته ينحدرُ المالُ من يديه، وأقام على ذلك برهاناً.فقال : وكيف تمسكُ ماءً قُنَةُ الجبلِ ؟.

أو يقول:

جرَى النهْرُ حتى خلتَه منكَ أنعُماً تساقُ بلا ضنٍّ وتعطَي بلا منِّ

فيقلبُ التشبيه زيادةً في المبالغةٍ، وافتناناً في أساليب الإجادة.ويشبِّه ماءَ النهر بنعم الممدوح، بعد أنْ كان المألوفُ، أن تشبَّه النعم، بالنهر الفياضِ .

أو يقول:

كأنه حينَ يعطي المالَ مبتسماً صوْبُ الغمامةِ تهمي وهْيَ تأتلقُ

فيعمد إلى التشبيهِ المركَّب، ويعطيكَ صورةً رائعةً، تمثِّلُ لك حالةَ الممدوح وهو يجود، وابتسامةُ السرور تعلو شفتيه.

أو يقول:

جادَتْ يَدُ الفَتْحِ، والأنْوَاءُ باخِلَةٌ وَذَابَ نائِلُهُ، والغَيْثُ قد جَمَدَا

فيضاهي بين جودِ الممدوحِ والمطر، ويدَّعي أنَّ كرم ممدوحه لا ينقطعُ، إذا انقطعتِ الأنواء، أو جمدَ المطرُ.

أو بقولِ البحتريِّ :

قَدْ قُلتُ للغَيمِ الرُّكَامِ، وَلَجّ في إبْرَاقِهِ، وألَحّ في إرْعَادِهِ

لا تَعْرِضَنّ لِجَعْفَرٍ، مُتَشَبّهاً بَنَدَى يَدَيهِ، فَلستَ مِنْ أنْدَادِهِ

فيصرحُ لك في جلاءٍ، وفي غير خشيةٍ بتفضيل جودِ صاحبه على جود الغيم، ولا يكتفي بهذا، بل تراهُ يَنْهى السَّحابَ في صورة تهديدٍ أن يُحاولَ التشبهَ بممدوحه; لأنه ليس من أمثالهِ ونظائرهِ.

أو بقول المتنبي:

وَأقْبَلَ يَمشِي في البِساطِ فَما درَى إلى البَحرِ يَسعى أمْ إلى البَدْرِ يرْتَقي

يصف حال رسول الروم داخلا على سيف الدولة، فَيَنْزَعُ في وصف الممدوح بالكرم، إلى الاستعارة التصريحية، والاستعارةُ - كما علمتَ - مبنيةٌ على تناسي التشبيهِ، والمبالغةُ فيها أعظمُ، وأثرهُا في النفوس أبلغُ.

أو يقولُ:

دَعوتُ نَدَاهُ دعوةً فأجابَنِي وعَلَّمنِي إحسانُهُ كَيْفَ آمُلهْ

فيُشَبَّهُ نَدى ممدوحهِ وإحسانهِ بإنسانٍ ،ثم يحذف المشبَّه به، ويرمزُ إليه بشيءٍ من لوازمهِ، وهذا ضربٌ آخر من ضروبِ المبالغة ِالتي تساق الاستعارةُ لأجلها.

أو بقول المتنبي:

قَوَاصِدُ كافورٍ نَوَارِكُ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السوَاقِيا

فيرسلُ العبارةَ كأنَّها مَثلٌ، ويصوِّر لك أنَّ من قصد ممدوحَه استغنى عمَّنْ هو دونه، كما أنَّ قاصدَ البحرِ لا يأبهُ للجداول، فيعطيك استعارة تمثيليةً، لها روعةٌ، وفيها جمالٌ، وهي فوق ذلك تحملُ برهاناً على صدق دعواهُ، وتؤيِّدُ الحال الذي يَدَّعيها.

أو يقول المتنبيِّ :

ما زِلْتَ تُتْبِعُ ما تُولي يَداً بيَدٍ حتى ظَنَنْتُ حَياتي مِنْ أياديكَا

فيعدلُ عن التشبيه والاستعارة، إلى المجاز المرسلِ ويطلق كلمةَ يدٍ ويريدُ بها النعمةَ; لأن اليدَ آلةٌ النعم وسببها.

أو يقول:

أعَادَ يَوْمُكَ أيامِي لِنَضْرَتِهَا واقْتَصَّ جودُك مِنْ فَقرِي وإعْسَاري

فيسندُ الفعلَ إلى اليوم، وإلى الجودِ، على طريقة المجاز العقليِّ.

أو يقول أبو النواس:

فما جازَهُ جُودُ ، ولا حَلّ دونَه ولكنْ يصيرُ الجودُ حيثُ يصيرُ

فيأتي بكنايةٍ عن نسبةِ الكرم إليه، بادِّعاء أنَّ الجودَ يسيرُ معه دائماً; لأنه بَدَل أن يحكم بأنه كريمٌ، ادّعى أنَّ الكرم يسيرُ معه أينما سارَ.

ولهذه الكنايةُ من البلاغةِ، والتأثيرِ في النفس، وحسنِ تصويرِ المعنى، فوق ما يجدُه السَّامعُ في غيرها من بعض ضروبِ الكلام.

فأنتَ ترى أنه من المستطاعِ التعبيرُ عن وصف إنسانٍ بالكرمِ بأربعةَ عشرَ أسلوباً كلٌّ: له جمالهُ، وحُسْنهُ، وبَراعتُه، ولو نشاءُ لأتينا بأساليبَ كثيرةٍ أخرى في هذا المعنى; فإنَّ للشعراءِ ورجالِ الأدبِ افتناناً وتوليداً للأساليب والمعاني، لا يكاد ينتهي إلى حدٍّ، ولو أردنا لأوردنا لك ما يقالُ من الأساليب المختلفة المَنَاحِي في صفات أخرى، كالشجاعة، والإباء، والحزم وغيرها، ولكنَّا لم نَقْصِد إلى الإطالة، ونعتقد أنك عند قراءتك الشعر العربىّ والآثار الأدبية، ستجد بنفسك هذا ظاهراً وسَتَدْهَش للمَدَى البعيدِ الذي وصل إليه العقل الإنساني في التصوير البلاغيّ، والإبداع في صوغ الأساليب.

==========

كتاب البلاغة الواضحة: علي الجارم ومصطفى أمين.


الكناية ...و التعريض


أولا: الكناية

(أ ) تعريف الكناية

الكنايةُ : لفظٌ أطلقَ وأريدَ به لازمُ معناهُ مع جوازِ إرادة ذلك المعنَى .

تقولُ العربُ : فلانةٌ بعيدةُ مهوَى القُرط.

انظر في هذا المثال تجد أن ( مهوى القرط ) هو المسافةُ من شحمة الأذن إلى الكتف، وإذا كانت هذه المسافة بعيدة لزم أنْ يكون العنق طويلاً ، فكأن العربي بدل أنْ يقول : "إن هذه المرأة طويلة الجيد أو العنق " اعطانا تعبير جديد يفيد اتصافها بهذه الصفة .
وهذا ما يسمى (الكناية).

( ب) أقسام الكناية

تنقسمُ الكنايةِ باعتبارِ المكنَّى عنه ثلاثةَ أقسامٍ هي:

أ‌- كناية عن صفة:

نحو قول الخنساء في أخيها صخر:

طويلُ النجادِ رفيعُ العمادِ كثيُر الرمادِ إذا ما شتا.

تصف الخنساء أخاها بأنه طويل النجاد ، رفيع العماد ، كثير الرماد .

تريد أنْ تدل بهذه التراكيب على أنه شجاع ، عظيم في قومه ، جواد ، فعدلت عن التصريح بهذه الصفات إلى الإشارة إليها والكناية عنها ؛ لأنه يلزم من طول حمالة السيف طول صاحبه ، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة .

ثم إنه يلزم من كونه رفيع العماد أن يكون عظيم المكانة في قومه وعشيرته .

كما أنه يلزم من كثرة الرماد كثرةُ حرق الحطب، ثم كثرة الطبخ، ثم كثرة الضيوف ، ثم الكرم .

ولما كان كل تركيب من التراكيب السابقة ، وهي : طويل النجاد ، ورفيع العماد ، وكثير الرماد ، كُنيَ به عن صفة لازمة، لمعناه ، كان كلُّ تركيبٍ من هذه وما يشبهه (كناية عن صفة).



ب‌- كناية عن موصوف:

نحو قول الشاعر:

الضَّاربين بكلِّ أبيضَ مخذَمٍ والطاعنينَ مجامعَ الأضغانِ .

ففي هذا المثال أراد الشاعر وصف ممدوحيه بأنهم يطعنون القلوب وقت الحرب فانصرف عن التعبير بالقلوب إلى ما هو أملح وأوقع في النفس وهو " مجامعُ الأضغان " ، لأنَّ القلوب تُفهم منه إذ هي مجتمع الحقد والبغض والحسد وغيرها.

وإذا تأملت هذين التركيبين وهما: " بنت عدنان " و " مجامع الأضغان " رأيت أنَّ كلاً منهما كُني به عن ذات لازمة لمعناه أي كني به عن موصوف، لذلك كان كل منهم (كناية عن موصوف).


ت‌- كناية عن نسبة:

نحو: (المجدُ بين ثوبيكَ والكرمُ ملءَ بُرديكَ) .

انظر في هذا المثال فإن أردت أن تنسب المجد والكرم إلى من تخاطبه ، فعدلت عن نسبتهما إلى ما له اتصال به ، وهو الثوبان والبردانِ .

ويسمَّى هذا المثال وما يشبهه (كنايةٌ عن نسبة) .

وأظهر علامة لهذه الكناية أنْ يصرحَ فيها بالصفة كما رأيت ، أو بما يستلزم الصفة، نحو: في ثوبيه أسدٌ ، فإن هذا المثال كناية عن نسبة الشجاعة.

=========

ثانيا: التعريض

( أ ) تعريف التعريض

التعريض: وهو أن يطلق الكلام ويراد معنى آخر يفهم من السياق تعريضاً بالمخاطب، كقولك للمهذار: (إذا تمّ العقل نقص الكلام)

والتعريض في اللّغة: أن تقول كلاماً لا تُصرّح فيه بمرادكَ منه، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً.

ويُمْكِنُك أن تتهرَّبَ من التزام ما أشرتَ به إذا صِرْت مُحْرَجاً.

يقال لغة: عرّض لي فلانٌ تعريضاً: أي: قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ.

والتعريض في خطبة المرأة: أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يدل على أنه يريد خطبتها دون تصريح.

وقد يكون التعريض بضرب الأمثال وذكر الألغاز .

( ب) أقسام التعريض:

التعريض منه ما هو عملي ومنه ما هو قولي:

أ‌- التعريض العملي:

قد يتوسَّل الإِنسان بالتعريض العملي ليدل على حاله:

فقد يلبس الفقير المحتاج ثياباً مقطّعة، أو مرقّعة، دون أنْ يقول شيئاً، تعريضاً بأنّه من مستحِقّي الزكاة، ويكتفي بدلالة الحال عن دلالة المقال، فيراه المتصدّقون فيدفعون له من زكوات أموالهم.

وكان يأتي بعضُ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ربط كلُّ منهم على بطنه حجراً، تعريضاً بأن الجوع قد بلغ منه مبلغاً شديداً، فيكشف الرسولُ صلى الله عليه وسلم لهم عن بطنه، فيرون أنّه قد ربط حجرين.

وربّما حمل الْعُضْو في حزب من الأحزاب أو منظمة من المنظمات شعار الحزب أو المنظمة، تعريضاً بأنّه عضوٌ في ذلك الحزب، أو تلك المنظمة.

وربّما خرج البخيل من بيته وهو يخلّل أسنانه، تعريضاً بأنّه قد أكَلَ هو وأهله اللَّحم الكثير، وقد يكون الواقع بخلاف ذلك.

ب‌- التعريض القولي:

• فقد يقول الشابّ الراغب في الزواج لوالديه: ابنة عمّي صارت ناضجة ومناسبةً لمن يخطبُها، تعريضاً بأنّه يريد أن يتزوّج ولا مانع لديه من خطبتها له.

• ويقول من يرى نظراتِ كيْدٍ وعداءٍ ممّن هو نِدٌّ له: جاءني اليوم بعض المنافسين وتطاوَلَ عليّ ببعض القول، فسلّطتُ عليه بعض رجالي، فأمطروهُ ضرباً ولَكْماً حتّى غاب عن وعيه، ولمّا علم أهله بأمره جاءوا فحملوهُ مريضاً يئنُّ من الألم، تعريضاً للمخاطب بأنّه إذا أراد التطاول عليه أنزل به مثل ذلك، فهو ذو عزوة وأنصار وقُدْرَة.

• ويقول طالب وظيفة ذات راتب في الدولة، بحضور من يملك توظيفه، أو باستطاعته أن يتوسط له لدى من يملك توظيفه:

أنا لا عمل عندي أكسب منه مالاً، وعندي من المؤهلات كذا، وعندي أسرة من خمسة أشخاص أنا مسؤول عن إعالتهم، تعريضاً بأن يوظفه أو يتوسط له.

===========

ثالثا: بلاغة الكناية والتعريض

الكنايةُ مَظهرٌ من مظاهر البلاغةِ، وغايةٌ لا يصل إليها إلا من لطف طبعُه، وصفتْ قريحتُه، والسرُّ في بلاغتها أنها في صور كثيرةٍ تعطيك الحقيقةَ، مصحوبةً بدليلها، والقضيةً وفي طيِّها برْهانها.

نحو قول البحتري في المديح:

يَغضُّونَ فَضْلَ اللّحظِ مِن حَيثُ ما بدا لهمْ عَنْ مَهيبٍ، في الصّدورِ، مَحبَّبِ

فإنه كنَّى عن إكبار الناس للممدوحِ، وهيبتِهم إياه، بغضِّ الأبصارِ الذي هو في الحقيقة برهانٌ على الهيبة والإجلالِ،وتظهرُ هذه الخاصةُ جليةً في الكناياتِ عن الصفةِ والنسبةِ.

ومن أسباب بلاغةِ الكنايات : أنها تضعُ لكَ المعاني في صورة المحسوساتِ، ولا شكَّ أن َهذه خاصةُ الفنون، فإنَّ المصورَ إذا رسم لك صورةً للأملِ أو لليأسِ، بهرَكَ وجعلكَ ترى ما كنتَ تعجزُ عن التعبير عنه واضحاً ملموساً، فمثلُ كثيرِ الرمادِ في الكناية عن الكرمِ، ورسول ُالشرِّ، في الكنايةِ عن المزاحِ.

وقول البحتريَِّ:

أو ما رأيتَ المجْدَ ألقى رحلَهُ في آل طلحةَ ثمَّ لم ْ يتحوَّلِ

وذلك في الكنايةِ عن نسبةِ الشرف إلى آل طلحةَ.

كلُّ أولئك يبرز لك المعاني في صورة ٍ تشاهدُ، وترتاحُ نفسُك إليها.

ومن خواصِّ الكنايةِ: أنها تمكنُك منْ أنْ تَشْفيَ غلَّتَك منْ خصمِك منْ غيرِ أنْ تجعل َله إليك سبيلاً، ودون أنْ تخدشَ وجهَ الأدب، وهذا النوعُ يسمَّى بالتعريضِ ،ومثالُه قولُ المتنبي في قصيدة، يمدحُ بها كافوراً ويعرضُ بسيفِ الدولة:

فِراقٌ وَمَنْ فَارَقْتُ غَيرُ مُذَمَّمِ وَأَمٌّ وَمَنْ يَمّمْتُ خيرُ مُيَمَّمِ

وَمَا مَنزِلُ اللّذّاتِ عِندي بمَنْزِلٍ إذا لم أُبَجَّلْ عِنْدَهُ وَأُكَرَّمِ

سَجِيّةُ نَفْسٍ مَا تَزَالُ مُليحَةً منَ الضّيمِ مَرْمِيّاً بها كلّ مَخْرِمِ

رَحَلْتُ فكَمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ عَلَيّ وَكَمْ بَاكٍ بأجْفانِ ضَيْغَمِ

وَمَا رَبّةُ القُرْطِ المَليحِ مَكانُهُ بأجزَعَ مِنْ رَبّ الحُسَامِ المُصَمِّمِ

فَلَوْ كانَ ما بي مِنْ حَبيبٍ مُقَنَّعٍ عَذَرْتُ وَلكنْ من حَبيبٍ مُعَمَّمِ

رَمَى وَاتّقى رَميي وَمن دونِ ما اتّقى هوًى كاسرٌ كفّي وقوْسي وَأسهُمي

إذا ساءَ فِعْلُ المرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَقَ مَا يَعتَادُهُ من تَوَهُّمِ

فإنه كنَّى عن سيف الدولة، أولا: بالحبيبِ المعمم، ثم وصفه بالغدرِ الذي يدعي أنه من شيمةِ النساءِ، ثم لامه على مبادهته بالعدوانِ، ثم رماه بالجبنِ لأنه يرمي ويتقي الرمي بالاستتارِ خلف غيره، على أنَّ المتنبي لا يجازيه على الشرِّ بمثله، لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوًى قديماً، يكسرُ كفه وقوسه، وأسهمه، إذا حاول النضالّ، ثم وصفه بأنه سيءُ الظنِّ بأصدقائهِ لأنه سيءُ الفعل، كثيرُ الأوهام والظنون، حتى ليظنَّ أنَّ الناس جميعاً مثلَه في سوءِ الفعل، وضعفِ الوفاء، فانظر كيف نالَ المتنبي من هذا.


ومن أوضح مميزات الكنايةِ التعبيرُ عن القبيح بما تسيغُ الآذانَ سماعُه، وأمثلة ذلك كثيرة جداً في القرآن الكريم، وكلام العربِ فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسنُ ذكره إلا بالكنايةِ، وكانوا لشدة نخوتهِِم يكنونَ عن المرأة بالبيضةِ والشاةِ.

ومن بدائع الكنايات قولُ بعض العرب:

أَلاَ يا نَخْلةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللّهِ السّلامُ

فإنه كنَّى بالنخلةِ، عن المرأة التي يحبُّها.

ولعل هذا المقدار كاف في بيان خصائص الكناية وإظهار ما تضمنته من بلاغة وجمال ..

===========

كتاب البلاغة الواضحة: علي الجارم ومصطفى أمين.
البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها / عبد الرحمن حبنكة الميداني.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:04 AM
المجاز


أولآً: تعريف المجاز.

المَجَازُ اللّغَويُّ: هُوَ اللفظُ المُسْتعْمَلُ في غير ما وُضِعَ لَه لِعَلاقة مع قَرينةٍ مانِعةٍ مِنْ إِرادَةِ المعْنَى الحقيقي.

والعَلاقةُ بَيْنَ الْمَعْنَى الحقيقي والمعنى المجازيِّ قدْ تكونُ المُشَابَهةَ، وقد تكونُ غيرَها، والقَرينَةُ قد تكونُ لفظيةً وقد تكونُ حَالِيَّةً.

وهذا ما سوف نتناوله بالشرح و التفصيل من خلال الأمثلة الآتية:

المثال الأول:

قال ابنُ العَمِيد في الغزل:

قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ ... نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي

قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِنْ عجَبٍ ... شَمْسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ

انظر إِلى الشطر الأَخير في البيتين السابقين، تجد أنَّ كلمة "الشمسِ " استعملت في معنيين:

أحدُهما المعنى الحقيقي للشمس التي تعرفها، وهي التي تظهر في المشرق صبحاً وتختفي عند الغروب مساءً.

والثاني إنسانٌ وضاءُ الوجه يشبه الشمسَ في التلأْلؤ، وهذا المعنى غير حقيقي.

وإِذا تأملتَ رأيتَ أنَّ هناك صِلَةً وعلاقةً بين المعنى الأصليِّ للشمس والمعنى العارضِ الذي اسْتُعْمِلَتْ فيه. وهذه العلاقة هي المشابهةُ، لأَنَّ الشخص الوضيءَ الوجه يُشْبِه الشمس في الإِشراق.

ولا يمكن أن يلتبس عليك الأَمر فتَفْهَم منْ "شمس تظللني" المعنى الحقيقي للشمس، لأَنَّ الشمس الحقيقية لا تُظَلِّل، فكلمة تظللني إِذا تمنع من إِرادة المعنى الحقيقي، ولهذا تسمَّى قرينةً دالةً على أَنَّ المعنى المقصودَ هو المعنى الجديدُ العارضُ.

المثال الثاني:

قال البحتريُّ يَصِف مبارزة الفَتْح بن خاقان لأسد:

فلَمْ أرَ ضِرْغَامَينِ أصْدَقَ منكُمَا عرَاكاً إذا الهَيّابَةُ النّكسُ كَذّبَا

هِزَبْرٌ مَشَى يَبغي هِزَبْراً، وأغلَبٌ منَ القَوْمِ يَغشَى بَاسلَ الوَجهِ أغلَبَا

إذا تأَملت البيت الثاني للبحتريِّ رأَيت أنَّ كلمة "هِزَبْرًا" الثانية يراد بها الأَسد الحقيقي، وأنَّ كلمة "هزبر" الأُولى يراد بها الممدوحُ الشجاعُ، وهذا معنى غير حقيقي.

ورأيت أنَّ العلاقة بين المعنى الحقيقي للأسد والمعنى العارض هي المشابهةُ في الشجاعة.

وأنَّ القرينة المانعةَ من إرادة المعنى الحقيقي للأَسد هي أنَّ الحال المفهومةَ من سياق الكلام تدلُّ على أنَّ المقصود المعنى العارض.

ومثل ذلك يقال في "أغْلب من القَوْم" و "باسِل الوَجْه أغْلبا" فإِن الثانية تدلُّ على المعنى الأصلي للأسد، والأولى تدل على المعنى العارض وهو الرجلُ الشجاع والعلاقة المشابهةُ، والقرينةُ المانعة من إرادة المعنى الأَصلي هنا لفظيةٌ وهي "من القوم".

المثال الثالث:

قال المتنبي وقد سقط مطرٌ على سيف الدولة :

لِعَيْني كُلَّ يَومٍ مِنْكَ حَظُّ … …تَحَيَّرُ مِنْهُ فِي أمْرٍ عُجابِ

حِمَالةُ ذَا الحُسَام عِلى حُسامٍ … …وَمَوْقِعُ ذَا السَّحَابِ على سَحَابِ

تستطيعُ بعد هذا البيان أنْ تدرك في البيت الثاني للمتنبي أنَّ كلمة "حسام" الثانية استعملتْ في غير معناها الحقيقي لعلاقة المشابهة في تَحمُّل الأَخطار.

والقرينةُ تُفهم منَ المقام فهي حالِيةٌ، ومثل ذلك كلمة "سحاب" الأَخيرة فإِنها استعملتْ لتدلَّ على سيف الدولة لعلاقة المشابهةِ بينه وبين السحابِ في الكرم، والقرينةُ حالِيَّةٌ أيضاً.

المثال الرابع:

قال البحتريُّ:

إذا العَينُ رَاحتْ وَهيَ عَينٌ على الجَوَى، فَلَيْسَ بسِرٍّ ما تُسِرُّ الأضَالِعُ

بيتُ البحتري هذا معناه أنَّ عين الإنسان إِذا أصبحت بسبب بكائها جاسوساً على ما في النفس من وجْدٍ وحُزْن؛ فإنَّ ما تَنْطَوِي عليه النفسُ منهما لا يكون سرًّا مكتوماً؛ فأَنت ترى أنَّ كلمة "العين" الأولى استعملت في معناها الحقيقي وأنَّ كلمة "عين" الثانية استعملت في الجاسوسِ وهو غير معناها الأصلي، ولكنْ لأَنَّ العين جزءٌ من الجاسوس وبها يَعْملُ، أطلقَها وأراد الكلَّ شأنَ العرب في إِطلاق الجزء وإِرادة الكلِّ.

وأَنت ترَى أنَّ العلاقة بين العين والجاسوس ليست المشابهةَ وإنما هي الجزئيةُ.

والقرينةُ "على الجوى" فهي لفظيَّةٌ.

ويتَّضحُ منْ كل ما ذكرنا أنَّ الكلماتِ: (شمسٌ، وهِزَبْرٌ، وأغْلبُ، وحُسامٌ، وسحابٌ، وعينٌ) ، استُعملت في غير معناها الحقيقي لعلاقةٍ وارتباطٍ بين المعنى الحقيقي والمعنى العارضِ وتسمَّى كلُّ كلمة من هذه( مجازاً لغويًّا).

===========

ثانيا: أقسام المجاز:

ينقسم المجاز إلى قسمين هما :

1 ـ لغويّ، وهواستعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة ـ أي مناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ـ ويكون الاستعمال لقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، وهي قد تكون:

لفظيّة، وقد تكون حاليّة، وكلّما أطلق المجاز، انصرف إلى هذا المجاز وهو المجاز اللغوي.

2 ـ عقلي، وهو يجري في الإسناد، بمعنى أن يكون الإسناد إلى غير من هو له، نحو:

(شفى الطبيب المريض) فإن الشفاء من الله تعالى، فإسناده إلى الطبيب مجاز، ويتمّ ذلك بوجود علاقة مع قرينة مانعة من جريان الإسناد إلى من هو له.

=============

( أ ) المجاز العقلي

المجاز العقلي: وهو الذي يجري في الإسناد، بمعنى أن يكون الإسناد إلى غير من هو له، ويتمّ ذلك بوجود علاقة مع قرينة مانعة من جريان الإسناد إلى من هو له نحو:

(شفى الطبيب المريض) فإن الشفاء من الله تعالى، فإسناده إلى الطبيب مجاز،والعلاقة هنا أن الطبيب سبب للشفاء, والقرينة المانعة من جريان الإسناد إلى الطبيب : أ، الشفاء لا يكون إلا من الله تعالى.

أقسام المجاز العقلي:

المجاز العقلي على قسمين:

الأول: المجاز في الإسناد، وهو إسناد الفعل أو ما في معنى الفعل إلى غير من هو له، وهو على أقسام، أشهرها:

أ‌- الإسناد إلى الزمان، كقوله: (من سرّه زمن سائته أزمان) فإن إسناد المسرّة والإساءة إلى الزمان مجاز، إذ المسيء هو بعض الطواريء العارضة فيه، لا الزمان نفسه.

ب‌- الإسناد إلى المكان، نحو قوله تعالى: {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} (الأنعام :6) فإنّ إسناد الجري إلى الأنهار مجاز، باعتبار مائها.

ت‌- الإسناد إلى السبب، كقوله: (بنى الأمير المدينة) فإنّ الأمير سبب بناء المدينة لا إنّه بناها بنفسه.

ث‌- الإسناد إلى المصدر، كقوله: (سيذكرني قومي إذا جَدَّ جِدّهم) فإنّ الفعل (جَدَّ) أُسند إلى المصدر: (جِدّهم ) مجازاً، لأنّ الفاعل الأصلي هو الجادّ.

الثاني: المجاز في النسبة غير الإسنادية، وأشهرها النسبة الإضافيّة نحو:

أ‌- (جَرْيُ الأنهار) فإنّ نسبة الجري إلى النهر مجاز باعتبار الإضافة إلى المكان.

ب‌- (صومُ النهار) فإنّ نسبة الصوم إلى النهار مجاز باعتبار الإضافة إلى الزمان.

ت‌- (غُرابُ البَين) فإنّه مجاز باعتبار الإضافة إلى السبب.

ث‌- (اجتهاد الجِدّ) مجاز باعتبار الإضافة إلى المصدر.


===========

( ب) المجاز المرسل

المجازُ الْمُرسَلُ : كلمةٌ اسْتُعْمِلَتْ في غَيْر مَعناها الأَصْليِّ لعلاقةٍ غير المشابهةِ مَعَ قرينةٍ مانعةٍ من إِرادةِ المعنَى الأصْليِّ .

انظر إلى هذا المثال:

( يَلْبَسُ المصريونَ القطنَ الذي تُنتِجُهُ بلادُهم).

فكلمة (القطنَ) لا يراد بها معناها الأصلي الذي وضع له, ولكن يراد بها ( نسيجٌ) كان قطن , و العلاقة هنا اعتبار ما كان عليه النسيج و هو القطن, و القرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هنا هي : أنه لا يعقل أن يرتدي المصريون القطن قبل تحوله إلى نسيج. وهذا هو المجاز المرسل.

علاقات المجاز المرسل:

مِنْ عَلاقات المجاز المُرْسَل:

1. السَّببيَّةُ : نحو قول المتنبيّ :

لَهُ أيَادٍ إليّ سَابِقَةٌ أعُدّ مِنْهَا وَلا أُعَدّدُهَا

انظر إلى الكلمة "أيادٍ" في قول المتنبي؛ أَتظن أنه أَراد بها الأيدي الحقيقية؟ لا. إِنه يريد بها النّعم، فكلمة أَياد هنا مجازٌ، ولكن هل ترى بين الأَيدي والنعم مشابهة؟ لا. فما العلاقة إِذا بعد أَنْ عرفت أَنَّ لكل مجازٍ علاقةً، وأَنَّ العربيَّ لا يُرسل كلمةً في غير معناها إِلا بعد وجود صلة وعلاقة بين المعنيين؟.
تأَملْ تجد أَنَّ اليد الحقيقية هي التي تمنح النعم فهي سببٌ فيها، فالعلاقة إِذًا السببيةُ، وهذا كثير شائع في لغة العرب.

2. المسَبَّبيَّةُ: نحو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ} (غافر:13).

انظر إلى قوله تعالى: {ويُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السماءِ رزْقاً}؛ الرزق لا ينزلُ من السماءِ ولكنَّ الذي ينزل مطرٌ ينشأُ عنه النبات الذي منه طعامُنا ورزقُنا، فالرزق مسَّببٌ عن المطر، فهو مجاز علاقته المسببةُ.

3. الجُزئيةُ: نحو قول الشاعر:

كَمْ بَعَثنَا الْجَيْشَ جرَّا رًا وَأَرْسَلْنا الْعُيُونَا

أَمَّا كلمة "العيون" في البيت فالمراد بها الجواسيسُ، ومنَ الهيِّن أن تفهم أنَّ استعمالها في ذلك مجازيٌّ، والعلاقة أنَّ العين جزءٌ من الجاسوس ولها شأنٌ كبير فيه، فأُطلق الجزء وأريد الكل: ولذلك يقال : إِنَّ العلاقة هنا الجزئيةُ.

4. الكليَّةُ: نحو قوله تعالى: {وإِنِّي كُلَّما دَعَوتُهُمْ لِتغفِر لهُمْ جَعَلُوا أصَابِعَهُمْ في آذَانهمْ}(نوح:7) .

إذا نظرت في هذه الآية رأيت أنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يضع إِصبعَهُ كلها في أُذنه، وأنَّ الأصابع في الآية الكريمة أُطلقتْ وأُريد أطرافُها فهي مجاز علاقته الكليةُ.

5. اعْتبَارُ ما كانَ : نحو قوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (النساء:2) .

تأمل قوله تعالى: {وآتُوا الْيتَامى أمْوَالَهم} تجد أَنَّ اليتيمَ في اللغة هو الصغير الذي مات أبوه، فهل تظن أنَّ الله سبحانه يأمر بإعطاءِ اليتامَى الصغار أموال آبائهم؟ هذا غير معقول، بل الواقع أن الله يأْمر بإعطاء الأموال منْ وصلوا سِنَّ الرُّشد بعد أن كانوا يتامَى، فكلمة اليتامى هنا مجاز لأنها استعملتْ في الراشدين والعلاقةُ اعتبار ما كانَ.

6. اعتبارُ ما يكونُ : نحو قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} (نوح:27).

انظر إلى قوله تعالى: {ولا يلِدُوا إِلاَّ فاجرا كفارا} تجدْ أنَّ فاجرًا وكفارًا مجازان لأنَّ المولود حين يولد لا يكون فاجرًا ولا كفارًا، ولكنه قد يكونُ كذلك بعد الطفولة، فأُطْلِقَ المولود الفاجر وأريد به الرَّجلُ الفاجرُ والعلاقة اعتبارُ ما يكون.

7. المَحَليَِّّةُ: نحو قوله تعالى: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) } (العلق:17-18)

انظر إلى قوله تعالى: { فلْيَدْعُ نادِيهُ } تجد الأَمر هنا للسخريةِ والاستخفافِ، فإِننا نعرف أنَّ معنَى النادي مكانُ الاجتماع، ولكنَّ المقصود به في الآية الكريمة مَنْ في هذا المكان مِنْ عشيرتِهِ ونُصرائه، فهو مجاز أُطلق فيه المحلُّ وأريدَ الحالُّ، فالعلاقة المحليةُ .

8. الحالِّيَّةُ: نحو قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (الإنفطار:13) .

انظر إلى قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيم} , فالنعيم لا يحُلُّ فيه الإنسان لأنه معنًى من المعاني، وإنما يحلُّ في مكانه، فاستعمال النعيم في مكانه مجازٌ أطلق فيه الحالُّ وأريد المحلُّ فعلاقته الحاليةُ.


===========

ثالثاً : بلاغة المجاز المرسل و العقلي

إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدي المعنَى المقصود بإيجاز :

فإذا قلت : " هزمَ القائدُ الجيشَ " أو " قررَ المجلس كذا " كان ذلك أوجزَ من أنْ تقول : " هزمَ جنودُ القائد الجيش " ، أو " قرر أهل المجلس كذا " .

ولا شكَّ أنَّ الإيجاز ضربٌ من ضروب البلاغة .

وهناك مظهر آخر للبلاغة في هذين المجازين هو المهارة في تخير العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازيِّ ، بحيث يكون المجاز مصوراً للمعنى المقصود خير تصوير:

كما في إطلاق العين على الجاسوس.

والأذن على سريع التأثير بالوشاية.

والخفِّ والحافر على الجمال والخيل في المجاز المرسل، وكما في إسناد الشيء إلى سببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقلي، فإن البلاغة توجبُ أنْ يختار السبب القوي والمكان والزمان المختصان.

وإذا دققت النظر رأيت أنَّ أغلب ضروب المجاز المرسل والعقلي لا تخلو من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلاباً .

فإطلاقُ الكلِّ على الجزء مبالغة ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما إذا قلت :

" فلان فٌم " تريد أنه شره يلتقم كلَّ شيء .

أو " فلانٌ أنفٌ " عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف فتبالغ فتجعله كله أنفاً .

ومما يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافيٍّ قوله : " لست أدري أهو في أنفه أمْ أنفهُ فيه " .

============
كتاب البلاغة الواضحة: على الجارم و مصطفى أمين.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:04 AM
الاستعارة


أولاً : تعريف الاستعارة

الاسْتِعارَةُ مِنَ المجاز اللّغَويَّ، وهيَ تَشْبيهٌ حُذِفَ أحَدُ طَرفَيْهِ، فَعلاقتها المشابهةُ دائماً.

ثانيا: أقسام الاستعارة من حيث التصريح بالمشبه به

تنقسم الاستعارة إلى قسمينِ:

(أ) تَصْريحيّةٌ، وهي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ.

نحو قوله تعالى: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم :1).

إذا تأملت هذه الآية لوجدت أنها تضمنت تشبيهين هما :

الأول : تشبيه الضلال بالظلمات.
الثاني : تشبيه الهدى بالنور.

وقد حذف أحد طرفي التشبيه , وهذا ما يسمى بـ(الاستعارة ) .

ونلاحظ هنا أنه قد حذف المشبه وهو( الضلال) و ( الهدى) , وصرح بالمشبه به وهو ( الظلمات ) و ( النور) , وهذا ما يسمى بـ(الاستعارة التصريحية).


(ب) مَكنِيَّةٌ، وهي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهُ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه.

نحو قول الحجَّاجُ في إحْدى خُطَبه:

إني لأرَى رُؤُوساً قد أينَعَتْ وحانَ قِطافُها وإِنّي لَصَاحِبُهَا .

الذي يُفهَم من قول الحجاج أَنه يشبِّه الرؤوس بالثمرات، فأَصلُ الكلام :

(إِني لأرى رؤوساً كالثمراتِ قد أينعت)، ثم حذف المشبّه به فصار( إني لأرى رؤوساً قد أينعتْ)، على تخيُّل أنَّ الرؤوس قد تمثلت في صورة ثمارٍ، ورُمزَ للمشبَّه به المحذوف بشيء من لوازمه وهو( أينعتْ)، ولما كان المشبَّه به في هذه الاستعارةُ محْتجَباً سميتِ ( استعارة ًمكنيةً).

فمن خلال الأمثلة السابقة نفهم أن الاستعارة عبارة عن تشبيه حذف أحد طرفيه :

فإن كان المحذوف هو المشبه , وصرح بالمشبه به كانت الاستعارة تصريحية.

وإن كان المحذوف هو المشبه به , وذكر شيء من لوازمه كانت الاستعارة مكنية.

===============

ثالثا : أقسام الاستعارة من حيث ألفاظها

تنقسم الاستعارة من حيث ألفاظها إلى أصلية و تبعية:

(أ ) تَكُونُ الاستعارةُ أَصْلِيّةً إِذا كان اللفظُ الذي جَرَتْ فيه اسماً جامدًا.

نحو قول المتنبي يَصِف قَلماً:

يَمُجُّ ظَلاماً في نَهارٍ لِسانُهُ وَيُفْهِمُ عمّنْ قالَ ما ليسَ يُسمَعُ

ففي هذا البيت شُبِّهَ القلمُ (وهو مَرْجعُ الضمير في لسانه) بإنسانٍ ثم حذفَ المشبَّه به ورُمزَ إِليه بشيءٍ من لوازمه وهو اللسانُ، فالاستعارة مكنيةٌ.

وشُبِّهَ المدادُ بالظلام بجامعِ السواد واستعيرَ اللفظ الدالُّ على المشبَّه به للمشبَّه على سبيل الاستعارة التصريحية، وشبِّهَ الورقُ بالنهار بجامعِ البياض ثم استعيرَ اللفظُ الدالُّ على المشبَّه به للمشبَّه على سبيل الاستعارة التصريحية.

وإذا تأملتَ ألفاظ الاستعارة السابقة وهي ( ظلام , نهار, لسان) رأيتها جامدةً غيرَ مشتقةٍ. ويسمَّى هذا النوع من الاستعارةِ بالاستعارةِ الأَصليةِ.

(ب) تكون الاستعارةُ تَبَعِيّةً إِذا كانَ اللفظُ الذي جَرَتْ فيه مُشْتَقًّا أَوْ فِعْلا.

نحو قوله تعالى :{وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (الأعراف :154) .

تجدْ في هذه الآية القرآنية استعارةً تصريحيةً، وفي إجرائها نقول: شبِّهَ انتهاءُ الغضبِ بالسكوتِ بجامع الهدوءِ في كلًّ، ثم استعيرَ اللفظُ الدالُّ على المشبَّه به وهو السكوتُ للمشبَّه وهو انتهاءُ الغضبِ, ثم اشتقَّ من السكوتِ بمعنى انتهاءِ الغضب سكتَ بمعنى انتهى.

وإذا تأملت الآية وجدت أنَّ ألفاظ الاستعارة هنا مشتقةٌ لا جامدةٌ وهي ( السكوت, الغضب)، ويسمَّى هذا النوعُ من الاستعارة بالاستعارةِ التبعيةِ، لأنَّ جريانِها في المشتقِّ كان تابعاً لجريانها في المصدر.

ويتضح من تحليل الأمثلة السابقة :

أن الاستعارة إذا كانت ألفاظها جامدة كانت الاستعارة أصلية.

و أن الاستعارة إذا كانت ألفاظها مشتقة كانت الاستعارة تبعية.
=============

رابعاً : الاستعارة المرشحة و المجردة و المطلقة.

( أ) الاستعارة المُرَشَّحَةُ: ما ذُكِرَ معها مُلائم المشبَّهِ بهِ.

نحو قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ...} (البقرة :16).

ففي الآية استعارة تصريحية في "اشتروا " بمعنى اختاروا.

وقد استوفت الاستعارة قرينتَها وهي "الضلالة".

وإِذا تأملتَ الاستعارة رأيت أنها قد ذكِر معها شيءٌ يلائم المشبَّه به، وهذا الشيءُ هو "فما ربحت تجارتهم" , لذلك تسمى (استعارة مرشحة).


( ب ) الاستعارةُ المجرَّدَةُ: ما ذكِرَ معها مُلائمُ المشبَّهِ.

نحو : (كانَ فُلانٌ أكْتَبَ الناس إِذا شَربَ قلمُهُ منْ دَوَاتِه أوْ غَنَّى فوْقَ قِرْطاسهِ).

إذا تأملت هذا المثال وجدته يشتمل على استعارة مكنيةٍ هي:

"القلم" الذي شُبِّه بالإنسان أيضاً .

وقد تمَّتْ للاستعاة قرينتُها:

وهي إثباتُ الشرب والغناء للقلم.

وإذا تأملت هذه الاستعارة وجدتها اشتملت على ما يلائم المشبَّه وهو "دواتُه قرطاسه"، لذلك تسمى (استعارة مجردة).

( ت) الاستعارُة الْمُطْلَقة: ما خَلَتْ منْ مُلائماتِ المشبَّهِ به أو المشبَّه.

نحو قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ }( الحاقة :11).

ففي الآية استعارة تصريحية في "طغى" بمعنى زاد.

وقد استوفت الاستعارة قرينتَها وهي "الماءُ".

وإِذا تأملت هذه الاستعارةَ رأيتها خاليةً مما يلائمُ المشبَّه به أو المشبَّه, لذلك تسمى ( استعارة مطلقة).

=============

خامساً : الاستعارة التمثيلية

الاستعارةُ التمثيلية: تركيبٌ استُعْمِلَ في غير ما وُضِعَ له لِعلاَقَةِ المشابَهةِ مَعَ قَرينَةٍ مَانِعةٍ مِنْ إِرادةِ مَعْناهُ الأَصْليِّ.

التوضيح:

* عادَ السَّيْفُ إلى قِرَابهِ، وَحلَّ اللَّيْثُ منيعَ غابه.
(المجاهدُ عاد إِلى وطنه بعد سفر)

حينما عاد الرجلُ العامل إِلى وطنه لم يَعُدْ سيفٌ حقيقيٌّ إِلى قرابه، ولم يَنزِل أَسَدٌ حقيقيٌّ إِلى عرِينه، وإِذًا كلُّ تركيب من هذين لم يستعمل في حقيقته، فيكون استعماله في عوْدة الرجل العامل إِلى بلده مجازًا والقرينةُ حالِيَّةُ.

فما العلاقة بين الحالين يا ترى، حالِ رجوع الغريبِ إلى وطنه، وحال رجوع السيف إِلى قِرَابه؟

العلاقةُ المشابهةُ؛ فإِنَّ حال الرجل الذي نزل عن الأَوطان عاملا مجِدًّا ماضياً في الأُمور ثم رجوعَه إِلى وطنه بعد طول الكدِّ، تشْبهُ حال السيف الذي استُلَّ للحرب والجِلاد حتَّى إِذا ظفِر بالنصر عاد إِلى غِمْده.

ومثل ذلك يقال في: "وحلَّ الليثُ مَنِيع غابهِ".

فمن المثال السابق رأينا أن الاستعارة التمثيلية عبارة عن تركيب استعمل في غير معناه الأصلي لعلاقة هي المشابهة , وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي .

أمثلة مع التحليل:

المثال الأول:

قال المتنبي:

وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ يَجِدْ مُرًّا بهِ الْمَاءَ الزُّلالا

(لمن لم يرزقِ الذَّوْق لفِهْم الشعر الرائعِ)

بيتُ المتنبي يدلُّ وضْعه الحقيقيُّ على أَنَّ المريض الذي يصاب بمرارة في فمه إذا شربَ الماءَ العذبَ وجده مُرًّا، ولكنه لم يستعمله في هذا المعنى بل استعمله فيمنْ يَعيبون شِعْرَه لعيْب في ذوقهم الشعريِّ. وضعْف في إدراكهم الأدبيِّ، فهذا التركيبُ مجازٌ قرينتُه حالِيَّةٌ، وعلاقتُه المشابهة، والمشبَّه هنا حال المُولَعين بذمِّه والمشبَّه به حالُ المريض الذي يجد الماءَ الزلال مرًّا.


المثال الثاني:

قَطَعَتْ جَهيزَةُ قَوْلَ كلِّ خَطيبِ.

(لمن يأْتي بالقول الفَصْلِ)

هذا المثال مَثلٌ عربيٌ، أَصلُهُ أنَّ قوماً اجتمعوا للتشاور والخطابة في الصلح بين حييْن قَتلَ رجلٌ من أَحدهما رجلاً من الحيِّ الآخر، وإنهم لكذلك إذا بجاريةٍ تُدْعَى جَهيزةَ أَقبلت فأَنبأَتهم أَنَّ أَولياءَ المقتولِ ظَفِرُوا بالقاتل فقتلوهُ، فقال قائل منهم: "قَطَعَتْ جَهيزَةُ قَوْلَ كلِّ خَطِيب"، وهو تركيب يُتَمَثلُ به في كل موطن يؤتَى فيه بالقول الفصل.

فأَنتَ ترى في كل مثال من الأمثلة السابقة أنَّ تركيباً استعمل في غير معناه الحقيقي، وأنَّ العلاقة بين معناه المجازيِّ ومعناه الحقيقيِّ هي المشابهةُ. وكلُّ تركيب من هذا النوع يُسمَّى استعارةً تمثيليةً .

===========

سادساً : بلاغة الاستعارة

عندما تحدثنا عن بلاغة التشبيه قلنا : إنَّ بلاغة التشبيه آتيةٌ من ناحيتين:

الأُولى : تأْليف أَلفاظه.

والثانية : ابتكار مشبَّه به بعيد عن الأَذهان، لا يجول إِلا في نفس أديب وهب الله له استعدادًا سليماً في تعرُّف وجوه الشَّبه الدقيقة بين الأَشياء، وأودعه قدْرةً على ربط المعاني وتوليدِ بعضها من بعض إلى مدًى بعيدٍ لا يكاد ينتهي.

وسرُّ بلاغة الاستعارة لا يتعدَّى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ، أنَّ تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحمْلك عمدًا على تخيُّل صورة جديدة تُنْسيك رَوْعَتُها ما تضمَّنه الكلام من تشبيه خفي مستور.

انظر إِلى قول البحتريِّ في الفتح بن خاقان:

يَسمُو بكَفٍّ، على العافينَ، حانيَةٍ تَهمي، وَطَرْفٍ إلى العَلياءِ طَمّاحِ

ألست ترى كفَّه وقد تمثَّلتْ في صورة سحابةٍ هتَّانة تصُبُّ وبلها على العافين السائلين، وأنَّ هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأذْهلتْكَ عما اختبأَ في الكلام من تشبيه؟

وإذا سمعتَ قوله في رثاء المتوكل وقد قُتلَ غيلةً :

صَرِيعٌ تَقَاضَاهُ السّيُوفُ حُشَاشَةً يَجُودُ بها، والمَوْتُ حُمْرٌ أظافرُهْ

فهل تستطيع أن تُبعِد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورةُ حيوان مفترس ضرِّجتْ أظافره بدماءِ قتلاه؟

لهذا كانت الاستعارةُ أبلغَ من التشبيه البليغ؛ لأنه وإِن بني على ادعاءِ أنَّ المشبَّه والمشبَّه به سواءٌ لا يزال فيه التشبيه ملحوظاً بخلاف الاستعارة فالتشبيهُ فيها مَنْسيٌّ مجحُودٌ؛ ومن ذلك يظهر لك أنَّ الاستعارة المرشحةَ أبلغُ من المطْلَقَةِ، وأنَّ المطلقة أبلغُ منَ المجردة.

أمَّا بلاغةُ الاستعارة من حيثُ الابتكارُ ورَوْعَة الخيال، وما تحدثه من أثرٍ في نفوس سامعيها، فمجالٌ فسيحٌ للإبداع، وميدانٌ لتسابق المجيدين من فُرسان الكلام.

انظر إلى قوله عزَّ شأْنه في وصف النار: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ( الملك :8) ، ترتسم أمامك النار في صورة مخلوقِ ضَخْمٍ بطَّاشٍ مكفهرِّ الوجه عابسٍ يغلي صدرُه حقدًا وغيظاً.

ثم انظر إلى قول أبى العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة:

أتتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقادَةً إلَيْهِ تُجَرِّرُ أذْيالَها

تجد أنَّ الخِلافة غادةٌ هيفاءُ مُدَلَّلَة ملولٌ فُتن الناس بها جميعاً، وهي تأْبى عليهم وتصدُّ إِعراضاً، ولكنها تأْتي للمهدي طائعة في دلال وجمال تجرُّ أَذيالها تيهاً وخفرًا.

هذه صورة لا شك رائعة أَبْدع أَبو العتاهية تصويرها، وستبقى حُلوة في الأسماع حبيبةً إِلى النفوس ما بقي الزمان.

ثم اسمع قول البارودي:

إِذَا اسْتَلَّ مِنْهُمْ سَيِّدٌ غَرْبَ سَيْفِهِ تفزَّعتِ الأفلاكُ ، والتفَتَ الدَهرُ

وخبرني عما تحسُّ وعما ينتابك من هول مما تسمع، وقل لنا :كيف خطرت في نفسك صورة الأَجرام السماوية العظيمة حيَّةً حساسة تَرتعِد فَزَعاً وَوَهَلا، وكيف تصورتَ الدهر وهو يلتفتُ دهشاً وذهولاً؟

ثم اسمع قوله في منفاه وهو نهْبُ اليأْس والأمل:

أَسْمَعُ فِي قَلْبِي دَبِيبَ الْمُنَى وألمحُ الشُّبهة َ فى خاطِرِى

تجد أَنه رسم لك صورة للأمل يتمَشى في النفس تمشيًّا مُحَسًّا يسمعه بأْذنه. وأنَّ الظنون والهواجس صار لها جسم يراه بعينه؛ هل رأَيت إِبداعاً فوق هذا في تصويره الشك والأمل يتجاذبان؟ وهل رأيت ما كان للاستعارة البارعة من الأَثر في هذا الإِبداع؟

ثم انظر قول الشريف الرضي في الودَاع :

نَسرِقُ الدّمعَ في الجُيوبِ حَياءً وَبِنَا مَا بِنَا مِنَ الإشفَاقِ

هو يسرق الدمع حتى لا يُوصمَ بالضعف والخَور ساعةَ الوداع، وقد كان يستطيع أن يقول: "نَستُر الدمع في الجيوب حياءً"؛ ولكنه يريد أن يسمو إِلى نهاية المُرْتقَى في سحر البيان، فإنَّ الكلمة "نسْرِقُ" ترسُم في خيالك صورةً لشدة خوفه أَنْ يظهر فيه أثرٌ للضعف، ولمهارته وسرعته في إِخفاء الدمع عن عيون الرقباء.

===========
كتاب البلاغة الواضحة : علي الجارم و مصطفى أمين.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:05 AM
التشبيه


أولا (تعريف التشبيه)

التشْبيه : بَيان أَن شَيْئا أَو أشْياء شاركَت غيرها في صفة أو أَكثر، بأَداة هي الكاف أَو نحوها ملفوظةً أَو ملحوظةً.

نحو قول المَعَرِّيُّ في الْمَديح:

أَنْتَ كالشَّمْس في الضِّياءِ وإِن جا وَزْتَ كيوانَ فِى عُلُوّ المكان.

عَرفَ الشاعِرُ أَن مَمْدُوحَه وَ ضِيءٌ الوجهِ مُتَلألئُ الطلعة، فأَراد أن يأْتي له بمَثِيل تَقْوَى فيه الصفةُ، وهي الضياء والإشراقُ فلم يجد أقوى من الشمس، فضاهاه بها، ولبيان المضاهاة أتي بالكاف.

وقال آخرُ:

أَنْتَ كاللَّيْثِ في الشَّجَاعةِ والإقْدام وَالسَّيْفِ في قِراعِ الخُطوب .

رأى الشاعر ممدوحه متصفاً بوصفَيْن، هما الشجاعة ومصارعة الشدائد، فَبحَث له عن نَظيرَيْن في كلٍّ منهما إِحدى هاتين الصفتين قويةً، فضاهاه بالأسدِ في الأولى، وبالسيف في الثانية، وبيَّن هذه المضاهاة بأَداة هي الكاف.

وقال آخرُ:

كأَنَّ أَخْلاقَكَ فِي لُطْفِها ورقَّةٍ فِيها نَسِيمُ الصَّباحْ

وجَدَ الشاعرُ أخلاق صَدِيقِه دمِثَةً لَطِيفَةً تَرتاحُ لها النفسُ، فَعملَ على أنْ يأْتي لها بنظير تَتَجَلَّى فيه هذه الصَّفة وتَقْوَى، فرأَى أنَّ نسيمَ الصباح كذلك فَعَقَدَ المماثلة بينهما، وبيَّن هذه المماثلة بالحرف "كأن".

وقال آخرُ :

كأَنَّما الْماءُ فِي صفاءٍ وَقَدْ جَرَى ذَائِبُ اللُّجَيْن

عَمِل الشاعِرُ على أَنْ يَجدَ مثيلاً للماء الصافي تَقْوَى فيه صِفَةُ الصفاء، فرأَى أَنَّ الفضة الذائبةَ تَتجلَّى فيها هذه الصفةُ فماثل بينهما، وبيَّن هذه المماثلة بالحرف "كأنَّ".

فأَنتَ ترى في كل بيت من الأبيات الأَربعة أَنَّ شيئاً جُعِلَ مَثِيلَ شيء في صفةٍ مشتركة بينهما، وأَنَّ الذي دلّ على هذه المماثلة أَداةٌ هي الكاف أَو كأَن، وهذا ما يُسَمَّى بالتشبيه.

ثانيًا(أركان التشبيه)

انظر إلى هذا المثال:

( محمد مثل الأسد في الشجاعة)

فنجد كلمة ( محمد) هي ما نريد تشبيهه لذلك تسمى( المشبه).
وكلمة( الأسد) هي ما نريد التشبيه به لذلك تسمى (المشبه به).
وكلمة(مثل) هي أداة التشبيه.
وكلمة(الشجاعة) وهي الصفة التي اشتركت بين المشبه و المشبه به لذلك تسمى(وجه الشبه).

إذن فلا بدَّ للتشبيه من أَركان أَربعة:

1. الشيء الذي يراد تشبيهه ويسمَّى المشبَّه.

2. والشيءَ الذي يُشَبَّه به ويُسمَّى المشبَّه به.

(وهذان يسميان طرفي التشبيه).

3. والصفةُ المشتركة بين الطرفين وتسمَّى وجه الشَّبَه، ويجب أَنْ تكون هذه الصفةُ في المشَبَّه به أَقوى وأَشهَرَ منها في المشبَّه كما رأَيت في الأمثلة.

4. ثم أداةُ التشبيه وهي الكاف وكأَن ونحوهما .

ثالثاً : أقسام التشبيه: من حيث ذكر الأداة ووجه الشبه أو حذفهما



للتشبيه من حيث ذكر الأداة ووجه الشبه أو حذفهما أقسام خمسة:

1. التشبيهُ الْمُرْسَلُ ما ذُكِرَتْ فِيه الأداةُ.

نحو قول الشاعر:

أنا كالماءَ إِنْ رَضيتُ صفاءً وإذَا مَا سَخطتُ كُنتُ لهيبا.

يُشبه الشاعر نفسه في البيت الأَول في حال رضاه بالماء الصافي الهادئ، وفي حال غضبه بالنار الملتهبة، فهو محبوبٌ مخوف .

وانظر إلى هذا المثال تجد أداة التشبيه مذكورة وهي ( الكاف) , والتشبيه الذي تذكر فيه الأداة يسمى ( تشبيه مرسلا)

2. التشبيهُ الْمُؤَكَّد ما حُذِفتْ منهُ الأَداة.

مثال: (الجَوَادُ في السرعة بَرْقٌ خاطِفٌ).

نجده في هذا المثال شُبِّه الجوادُ بالبرق في السرعة، من غير أَن تذكر أداةُ التشبيه ، وذلك لتأكيدِ الادعاء بأَنَّ المشبَّه عينُ المشبَّه به، وهذا النوعُ يسمَّى ( تشبيهاً مؤكدًا).

3. التشبيهُ الْمُجْمل ما حُذِف منه وجهُ الشبهِ.

نحو قول ابنُ المعتزّ:

وكأَنَّ الشمْسَ الْمُنِيرَةَ دِيـ ـنارٌ جَلَتْهُ حَدَائِدُ الضَّرَّابِ.

يشبِّه ابنُ المعتز الشمس عند الشروق بدينار مجلوّ قريب عهده بدار الضرب، ولم يذكر وجه الشبه وهو (الاصفرارُ والبريق)، ويسمَّى هذا النوع من التشبيه، وهو الذي لم يذكرْ فيه وجهُ الشبه ( تشبيهاً مجملاً).


4. التشبيهُ الْمُفَصَّلُ ما ذُكِرَ فيه وجهُ الشبهِ.

نحو : ( الجندي كالأسد في الشجاعة)

نلاحظ في هذا المثال أنه شبه الجندي بالأسد , وقد ذكر وجه الشبه و هو ( الشجاعة) و التشبيه الذي يذكر فيه وجه الشبه يسمى( التشبيه المفصل).

5. التشبيه البليغُ ما حُذِفت منهُ الأَداةُ ووَجهُ الشبه .

نحو قول وقدِ اعْتَزَمَ سيفُ الدولةِ سَفَرًا :

أيْنَ أزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمامُ؟ نَحْنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمامُ .

يسأَلُ المتنبي ممدوحه في تظاهر بالذعر والهلَع قائلا: أين تقصد؟ وكيف ترحل عنا؟ ونحن لا نعيشُ إلا بك، لأَنك كالغمام الذي يحيي الأَرض بعد موتها، ونحن كالنَّبتِ الذي لا حياة له بغير الغمامِ.

وإذا تأَملت هذ التشبيه رأيت أنه من نوع التشبيه المؤكَّد، ولكنه جمع إلى حذف الأداة حذفَ وجه الشَّبه.

وذلك لأَنَّ المتكلم عمد إِلى المبالغة والإِغراق في ادِّعاء أنَّ المشبَّه هو المشبَّه به نفْسُه؛ لذلك أَهملَ الأَداة التي تدلُّ على أَنَّ المشبَّه أَضعفُ في وجه الشبه من المشبَّه به، وأَهملَ ذكرَ وجه الشبه الذي ينمُ عن اشتراك الطرفين في صفة أو صفاتٍ دون غيرها.

ويسمَّى هذا النوع بـ (التشبيه البليغِ)، وهو مظهرٌ من مظاهر البلاغة وميدان فسيحٌ لتسابق المجيدين من الشعراء والكتاب.

رابعا: أقسام التشبيه من حيث نوع وجه الشبه:

ينقسم التشبيه من حيث وجه الشبه إلى قسمين :

تشبيه التمثيل , تشبيه غير التمثيل.

ويُسمَّى التشبيهُ تمثيلاً إِذا كان وجهُ الشَّبه فيهِ صورةً مُنْتَزَعَةً منْ متعددٍ، وغيْرَ تَمْثِيل إِذَا لم يَكُنْ وجْهُ الشَّبَهِ كذلك.

(أ ) تشبيه التمثيل:

نحو قول البُحْتُريُّ:

هُوَ بَحْرُ السّماحِ، والجُودِ، فازْدَدْ مِنْهُ قُرْباً، تَزْدَدْ من الفَقْرِ بُعْدا

وقول امْرُؤُ الْقَيْس :

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ عليَّ بأنواع الهُمومِ ليبتَلي

انظر إلى المثالين السابقين تجد البحتري يشبه ممدوحَه بالبحر في الجود والسماح، وينصح للناس أن يقتربوا منه ليبتعدوا من الفقر.

ويشبه امرؤ القيس الليل في ظلامه وهوْله بموج البحر، وأنَّ هذا الليل أرخَى حُجُبَهُ عليه مصحوبةً بالهموم والأحزان ليختبر صبْرَهُ وقوة احتماله.

وإِذا تأملت وجْه الشبه في كل واحد من هذين التشبيهين رأيتَ أنه صفةٌ أو صفاتٌ اشتركتْ بين شيئين ليس غيرُ، هي هنا :

اشتراك الممدوح والبحر في صفة الجودِ، واشتراكُ الليل وموجِ البحرِ في صفتين هما الظلمةُ والروعةُ.

ويسمَّى وجه الشبه إذا كان كذلك مفردًا، وكونه مفردًا لا يمنع من تعدد الصفات المشتركة، ويسمَّى التشبيهُ الذي يكون وجه الشَّبه فيه كذلك تشبيهاً غير تمثيل.


(ب) تشبيه غير التمثيل:

نحو قول أبو فراس الحمداني:

والماءُ يفصلُ بينَ زهـ رِ الروضِ ، في الشَّطَّينِ، فَصْلا

كَبِسَاطِ وَشْيٍ، جَرّدَتْ أيْدِي القُيُونِ عَلَيْهِ نَصْلاَ

يشبِّهُ أَبو فِراس حال ماء الجدول، وهو يجري بين روضتين على شاطئيه حلَّاهما الزَّهْر ببدائع ألوانه مُنْبثًّا بين الخُضرة الناضرة، بحال سيفٍ لماعٍ لا يزال في بريقِ جدَّته، وقد جرّدَه القُيُونُ على بساطٍ من حريرٍ مُطَرَّزٍ.

أَينَ وجهُ الشبهِ؟ أتظنُّ أَنَّ الشاعر يريد أنْ يَعْقِدَ تشبيهين: الأَولُ تشبيهُ الجدول بالسيفِ، والثاني تشبيهُ الروضة بالبِساط الْمُوَشّى؟ لا، إِنّه لم يرد ذلك، إِنما يريد أَنْ يشبّه صورةً رآها بصورة تخيلها، يريدُ أنْ يشبِّه حال الجدول وهو بين الرياض بحالِ السيف فوق البساط الموشَّى، فوجهُ الشبه هنا صورةٌ لا مفردٌ، وهذه الصورةُ مأخوذةٌ أَو مُنْتَزَعَةٌ من أَشياء عدَّة، والصورة المشتركةُ بين الطرفين هي وجود بياضٍ مستطيلٍ حوله اخضرار فيه أَلوان مختلفةٌ.


ففي هذا التشبيه رأيتَ أنَّ وجهَ الشَّبهِ فيها صورةٌ مكوَّنةٌ من أشياءَ عِدَّةٍ يسمَّى كلُّ تشبيهٍ فيها تمثيلاً.


خامسا: التشبيه الضمني.

التشبيهُ الضِّمنيُّ: تشبيهٌ لا يُوضعُ فيه الْمُشَبَّهُ والمشبَّهُ بهِ في صورةٍ من صُورِ التشبيهِ المعروفةِ ،بَلْ يُلْمَحان فِي الترْكِيبِ.

أي أننا نفهم من الكلام ضمنا وجود تشبيه.

وهذا النوع يُؤْتَى به لِيُفيدَ أن َّالحُكم الذي أُسْنِدَ إلَى المشَبَّهِ مُمكنٌ.

قد يتخذ الكاتبُ أو الشاعر طريقة منَ البلاغة يوحي فيها بالتشبيه منْ غير أنْ يُصرِّحَ بها في صورةٍ من صورهِ المعروفة ، يفعلُ ذلك نُزوعاً إلى الابتكار، وإِقامةِ للدليل على الحكم الذي أَسندهُ إلى المشبَّه، ورغبةً في إخفاءِ التشبيه، لأَنَّ التشبيه كلما دقَّ وخَفيَ كان أبلغَ وأفعل في النفس.

أمثلة مع التحليل:

1- قال أَبو تمّام :

لاَ تُنْكِرِي عَطَلَ الْكَريم مِنَ الْغِنَى فالسَّيْلُ حرْبٌ لِلْمكانِ الْعالِي

في هذا البيت يقول أبو تمام لمنْ يخاطبها: لا تستنكري خلوَّ الرجل الكريم منَ الغنى فإنَّ ذلك ليس عجيباً، لأَن قِمَمَ الجبال وهي أشرفُ الأَماكن وأعلاها لا يستقرُّ فيها ماءُ السيلِ.

ألم تلمح هنا تشبيهاً؟ ألم تر أنه يشبِّهُ ضِمْناً الرجلَ الكريمَ المحرومَ الغِنى بِقمّة الجبل وقد خلت منْ ماء السيل؟ ولكنه لم يضَعْ ذلك صريحاً بل أتى بجملة مستقلةٍ وضمَّنها هذا المعنى في صورة برهانٍ.

2- قال ابن الرومي :

قَدْ يَشِيبُ الْفَتَى وَلَيْسَ عجيباً … أَنْ يُرَى النَّورُ في الْقَضِيبِ الرَّطيبِ

يقول ابن الروميِّ: إنَّ الشابَّ قد يشيبُ ولم تتقدمْ به السنُّ، وإنَّ ذلك ليس بعجيبٍ، فإنَّ الغصنَ الغضَّ الرطب قد يظهرُ فيه الزهر الأَبيضُ.

فابنُ الرومي هنا لم يأْت بتشبيهٍ صريح فإنه لم يقل: إِنَّ الفتى وقد وَخَطَهُ الشيبُ كالغصنِ الرطيب حين إزهاره، ولكنه أتى بذلك ضمنًا.

3- قال أَبو الطيبِ :

مَنْ يَهُنْ يَسهُلِ الهَوانُ عليهِ ما لجرْحٍ بميتٍ إيلامُ

يقول أبو الطيب: إنَّ الذي اعتادَ الهوانَ يسهلُ عليه تحمُّلهُ ولا يتأَلم له، وليس هذا الادعاءُ باطلاً؛ لأَنَّ الميتَ إذا جُرحَ لا يتأَلمُ، وفي ذلك تلميحٌ بالتشبيه في غير صراحةٍ.

ففي الأبياتِ الثلاثة تجِدُ أركانَ التشبيهِ وتَلْمحُهُ ،ولكنك لا تجدُه في صورةٍ من صوره التي عرفتها، وهذا يسمَّى بالتشبيهِ الضمنيِّ.

سادسا: التشبيه المقلوب.

التشبيهُ المقلوبُ : هو جعل المشبَّهِ مشبَّهاً به بادِّعاءِ أَنَّ وجه الشبه فيه أَقوَى وأَظهرُ.

الأمثلة مع التحليل:

قال محمد بن وُهيْب الحمْيَريُّ :

وبَدا الصباحُ كأن غُرَّتهُ وَجهُ الخليفة حينَ يُمْتَدحُ

يقول الحِمْيَرِي: إِنَّ تباشير الصباح تشبه في التلألؤ وجه الخليفة عند سماعه المديح، فأنت ترى هنا أنَّ هذا التشبيه خرج عما كان مستقرًّا في نفسك منْ أنَّ الشيءَ يُشَبَّه دائماً بما هو أَقوَى منه في وجه الشبهِ، إذِ المألوفُ أَنْ يقال إِنَّ الخليفة يشبه الصباحَ، ولكنه عكس وقلب للمبالغة والإغراق بادعاءِ أَنَّ وجهَ الشبه أَقوَى في المشبَّه، وهذا التشبيهُ مظهرٌ من مظاهر الافتنان والإبداع.

وقال البحتريُّ :

كأن سَنَاها بالعَشِيِّ لصبُحها تبَسُّمُ عيسى حين يلفظُ بالوعْدِ

يشبه البحترى برق السحابة الذي استمر لماعاً طوال الليل يتبسم ممدوحه حينما يَعِدُّ بالعطاء، ولا شك أَن لمعان البرق أَقوى من بريق الابتسام، فكان المعهود أن يشبه الابتسام بالبرق كما هي عادة الشعراء، ولكن البحتري قلب التشبيه .


وقال حافظ إبراهيم :

أحِنُّ لهم ودُونَهُمُ فَلاة ٌ كأنَّ فَسِيحَها صَدرُ الحَليمِ

وهنا يشبه حافظ إبراهيم الفلاة بصدر الحليم في الاتساع، وهذا أَيضاً تشبيه مقلوب.

سابعا: أغراض التشبيه :

أَغْرَاضُ التشبيهِ كثيرةٌ منها ما يأْتي:

(أ) بيانُ إِمْكانٍ المشبَّه: وذلك حِينَ يُسْنَدُ إِليْهِ أمْر مُسْتغْرَبٌ لا تزول غرابتُه إلا بذكر شبيهٍ له.

نحو قول البحتريُّ :

دانٍ على أيْدي العُفَاةِ، وَشَاسعٌ عَنْ كُلّ نِدٍّ في العلا، وَضَرِيبِ

كالبَدْرِ أفرَطَ في العُلُوّ، وَضَوْءُهُ للعُصْبَةِ السّارِينَ جِدُّ قَرِيبِ.

وصف البحتريُّ ممدوحَه في البيت الأول بأَنه قريبٌ للمحتاجين، بعيدُ المنزلة، بينه وبين نُظَرَائهِ في الكرم بَوْنٌ شاسعٌ.

ولكنَّ البحتري حينما أَحسَّ أَنه وصف ممدوحَه بوصفين متضادينِ، هما القُربُ والبُعدُ، أَرادَ أَنْ يبينَ لك أَنَّ ذلك ممكنٌ، وأنْ ليس في الأمر تناقضٌ؛ فشبَّه ممدوحَه بالبدرِ الذي هو بعيدٌ في السماء ولكنَّ ضوءَه قريبٌ جدًّا للسائرين بالليل، وهذا أَحدُ أَغراض التشبيه وهو بيان إِمكانِ المشبَّه.

(ب) بيانُ حالِهِ: وذلك حينما يكونُ المشبَّهُ غيرَ معروف الصفةِ قَبْلَ التشبيه فَيُفيدُهُ التشبيهُ الوصفَ.

نحو قول النَّابغة الذُّبْيانيُّ يمدح النعمان بن المنذر:

فإِنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ إِذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهنَّ كَوْكَبُ

فالنَّابغة يُشبِّهُ ممدوحَه بالشمس ويشبِّه غيره من الملوك بالكواكبِ، لأَنَّ سطوةَ الممدوح تَغُضُّ من سطوةِ كل ملكٍ كما تخفِي الشمسُ الكواكبَ، فهو يريد أَنْ يبين حالَ المدوح وحالَ غيره من الملوك، وبيانُ الحال منْ أَغراض التشبيه أَيضاً.

(جـ) بيانُ مقدار حالِهِ: وذلك إذا كان المشبَّهُ معروفَ الصفةِ قَبْلَ التشبيهِ مَعْرفَةً إِجْماليَّةً وكان التشبيه يُبَيِّنُ مقدارَ هذه الصفةِ.

نحو قول المتنبي في وصف أسد :

ما قُوبِلَتْ عَيْناهُ إلاّ ظُنّتَا تَحْتَ الدُّجَى نارَ الفَريقِ حُلُولا

المتنبي هنا يصفُ عيْني الأَسدِ في الظلام بشدةِ الاحمرار والتوقدِ، حتى إِنَّ من يراهما من بُعْدٍ يظنهما ناراً لقومٍ حُلول مقيمين، فلو لم يعْمدِ المتنبي إِلى التشبيه لقال: إِنَّ عَيْنَي الأَسدِ محمرتانِ ولكنه اضْطْرَّ إِلى التشبيه لِيُبَيِّنَ مقدارَ هذا الاحمرار وعِظَمه، وهذا منْ أغراض التشبيه أيضاً.

(د) تَقْريرُ حالِهِ: كما إذا كانَ ما أُسْنِدَ إِلى المشبَّه يحتاج إِلى التثبيت والإِيضاح بالمثال.

نحو قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}(الرعد:14).

أمَّا الآيةُ الكريمة فإنها تتحدث في شأن مَنْ يعْبدونَ الأوثان، وأنهم إذا دعوا آلهتَهم لا يستجيبون لهم، ولا يرجعُ إليهم هذا الدعاءُ بفائدةٍ، وقدْ أرادَ الله جل شأْنه أنْ يُقرِّر هذه الحال ويُثَبتَها في الأَذهانِ، فشبَّهَ هؤلاءِ الوثنيينِ بمن يبسُط كفيهِ إلى الماء ليشربَ فلا يصلُ الماءُ إلى فمه بالبداهة؛ لأنه يَخْرُجُ من خلالِ أصابعه ما دامت كفاهُ مبسوطتينِ.

فالغرضُ منْ هذا التشبيه تقريرُ حال المشبَّهِ، ويأْتي هذا الغرضُ حينما يكون المشبَّهُ أمرًا معنويًّا؛ لأَنَّ النفسَ لا تجزم بالمعنوياتِ جزمَها بالحسيَّات، فهي في حاجةٍ إلى الإقناعِ.


(هـ) تَزْيينُ الْمُشَبَّهِ أو تَقْبيحُهُ.

نحو قول أَبو الحسن الأَنباريِّ في مصلوبٍ :

مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احتِفاءً كَمَدّهِماَ إِلَيْهِمْ بالهباتِ

بيتُ أبي الحسن الأنباري من قصيدةٍ نالتْ شهرةً في الأدب العربي لا لشيءٍ إلا أنها حسّنتْ ما أجمعَ الناسُ على قُبحه والاشمئزازَ منه "وهو الصَّلْبُ" فهو يشبّهُ مدَّ ذراعي المصلوبِ على الخشبة والناسُ حولَه بمدِّ ذراعيهِ بالعطاءِ للسائلينَ أيام حياتهِ.

والغرضُ من هذا التشبيه التزيينُ، وأكثر ما يكون هذا النوع ُفي المديحِ والرثاء والفخر ووصفِ ما تميلُ إليه النفوسُ.

وقال أَعرابي في ذم امرأَته:

وتَفْتَحُ – لا كانتْ – فَماً لَو رَأَيْتَهُ توَهَّمْتَهُ باباً مِنَ النَّار يُفْتَحُ

والأعرابيُّ في البيت الأخيرِ يتحدَّثُ عن امرأته في سُخط وألمٍ، حتى إِنه ليدعو عليها بالحرمانِ منَ الوجود فيقول: "لا كانتْ"، ويشبِّهُ فمها حينما تفتحُه ببابٍ من أبوابِ جهنَّم.

والغرضُ من هذا التشبيه التقبيحُ، وأكثرُ ما يكونُ في الهجاءِ ووصفِ ما تنفِرُ منه النفسُ.

ثامنا: بلاغة التشبيه.

تنْشأُ بلاغةُ التشبيه منْ أنه ينتقل بكَ منَ الشيء نفسِه إلى شيءٍ طريفٍ يشبهه، أو صورةٍ بارعة تمثِّله.

وكلما كان هذا الانتقالُ بعيدًا قليلَ الخطورة بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثيرٍ من الخيال، كان التشبيهُ أروعَ للنفس وأدعَى إلى إعجابها واهتزازها.

فإذا قلتَ: فلانٌُ يُشبه فلاناً في الطول.

أو إِنَّ الأرضَ تشبهُ الكره في الشكل.

أو أَنَّ الجزرَ البريطانية تشبهُ بلادَ اليابان.

لم يكنْ لهذه التشبيهاتِ أثرٌ للبلاغةِ؛ لظهورِ المشابهةِ وعدم احتياج العثور عليها إلى براعةٍ وجهْدٍ أدبيٍّ، ولخلوها منَ الخيال.

وهذا الضربُ منَ التشبيه يُقصَدُ به البيانُ والإيضاح وتقريبُ الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون.

ولكنكَ تأخذكَ رَوْعةُ التشبيه حينما تسمعُ قول المعري يَصِف نجماً:

يُسرِعُ اللّمحَ في احمرارٍ كما تُسرِعُ في اللّمحِ مُقلةُ الغَضبانِ

فإنَّ تشبيهَ لمحات النجم وتأَلقِه مع احمرارِ ضوئه بسرعةِ لمحةِ الغضبان من التشبيهاتِ النادرة التي لا تنقادُ إلا لأَديب.

ومنْ ذلك قولُ الشاعر:

وكأنَ النُّجُومَ بينَ دُجاها سُننٌ لاحَ بينهُنَّ ابتداعُ

فإِنَّ جمال هذا التشبيه جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقه في عقد المشابهة بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهما حالةُ النجوم في رُقْعةِ الليل بحال السُّننِ الدينية الصحيحة متفرقةً بين البدعِ الباطلةٍ.

ولهذا التشبيه روْعةٌ أخرى جاءََت منْ أَنَّ الشاعر تخيّل أنَّ السنن مضيئةٌ لمَّاعةٌ، وأَنَّ البدعَ مظلمةٌ قاتمةٌ.

ومنِ أبدع التشبيهاتِ قولُ المتنبي :

بَليتُ بِلى الأطْلالِ إنْ لم أقِفْ بها وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُّرْبِ خاتمُهْ

يدعو على نفسه بالبلى والفناءِ إِذا هو لم يقفْ بالأَطلال ليذكرَ عهد مَن كانوا بها، ثم أَراد أَنْ يصوِّرَ لك هيئةَ وقوفه فقال: كما يقفُ شحيِحٌ فقد خاتمهُ في التراب.

مَنْ كان يُوفَّقُ إلى تصوير حال الذاهلِ المتحير المحزون المطرقِ برأسه المنتقل منْ مكان إِلى مكان في اضطراب ودهشة بحال شحيحٍ فقد في التراب خاتمًا ثميناً؟ ولو أردنا أن نورد لك أمثلة منْ هذا النوع لطالَ الكلامُ.

هذه هي بلاغةُ التشبيه من حيث مبلَغ طرافته وبُعد مرماهُ ومقدار ما فيه من خيالٍ، أمَّا بلاغته من حيثُ الصورةُ الكلاميةُ التي يوضع فيها أيضًا:

فأقلُّ التشبيهات مرتبةً في البلاغة : ما ذكرتْ أركانُه جميعُها؛ لأنَّ بلاغةَ التشبيه مبنيَّةٌ على ادعاءِ أَنَّ المشبّه عين المشبَّه به، ووجودُ الأداة ووجهِ الشبه معاً يحولان دون هذا الادعاء، فإذا حذفتِ الأَداةُ وحدها، أو وجهُ الشبه وحده، ارتفعت درجةُ التشبيه في البلاغة قليلاً، لأَنَّ حذف أحد هذين يقوي ادعاءَ اتحاد المشبَّه والمشبَّه به بعض التقوية.

وأمَّا أبلغ أنواع التشبيهِ : فالتشبيهُ البليغُ، لأنه مبنيٌّ على ادِّعاء أنَّ المشبَّه والمشبَّه به شيءٌ واحدٌ.

هذا- وقد جرى العربُ والمُحدَثون على تشبيه الجوادِ بالبحر والمطر، والشجاعِ بالأَسد، والوجه الحسن بالشمس والقمر، والشَّهمِ الماضي في الأُمور بالسيف، والعالي المنزلة بالنَّجم، والحليم الرزين بالجبلِ، والأَمانيِّ الكاذبة بالأحلامِ، والوجه الصبيح بالدينار، والشعر الفاحم بالليل، والماء الصافي باللجَيْنِ، والليل بموج البحر، والجيش بالبحر الزاخر، والخيْل بالريح والبرْق، والنجوم بالدرر والأَزهار، والأَسنان بِالبَرْدِ واللؤلؤ، والسفُنِ بالجبال ،والجداولِ بالحيات الملتوية، والشّيْبِ بالنهار ولمْع السيوف، وغُرَّةِ الفرس بالهلال. ويشبهون الجبانَ بالنَّعامة والذُّبابةِ، واللئيم بالثعلب، والطائشَ بالفَراش، والذليلَ بالوتدِ. والقاسي بالحديد والصخر، والبليدَ بالحِمار، والبخِيل بالأرض المُجْدِيَة.

وقد اشتهر رجالٌ من العرب بِخلال محمودةٍ فصاروا فيها أعلاماً فجرَى التشبيهُ بهم:

فيشبه الكريم بحاتم.
والعادل بعُمر.
والحليم بالأحْنَف.
والفصيح بسحْبان.
والخطيب بقُسٍّ .
والشجاع بعْمرو بن مَعْديكرب.
والحكيمُ بلقمان.
والذكيُّ بإياس.

واشتهر آخرين بصفاتٍ ذميمة فجرَى التشبيهُ بهم أَيضاً:

فيشبه العِييُّ بباقِل .
والأحمقُ بهبَنَّقَةَ.
والنادمُ بالكُسعِيّ.
والبخيل بمارد.
والهجَّاءُ بالحُطيّئَة.
والقاسي بالحجاج.

===========
كتاب البلاغة الواضحة: على الجارم و مصطفى أمين.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:12 AM
3)علوم البلاغة http://www.hadielislam.com/arabic/templates/images/main/arrow_history.gif علم البديع

(تعريف علم البديع)


تمهيد

عرفت أن دراسة علم المعاني تُعِينُ على تأْدية الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، مع وفائه بغرض بلاغيٍّ يفْهمُ ضمناً من سياقه وما يُحيط به من قرائن.

وهناك ناحية أخرى من نواحي البلاغة، لا تتناول مباحث علم البيان، ولا تنظر في مسائل علم المعاني، ولكنها دراسة لا تتعدى تزيين الألفاظ أو المعاني بألوان بديعة من الجمال اللفظي أو المعنويِّ، ويسمَّى العلمُ الجامع لهذه المباحث بعلم البديع.

( أ) تعريف علم البديع

(البديع) لغة: هو من بَدَع وأبدع، أي: أوجده لا على مثال سابق.

واصطلاحاً: هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام.

( ب ) أقسام المحسنات

والمحسنات على قسمين:

يشتمل علم البديع على محسِّناتٍ لفظية، وعلى محسِّنات معنوية.

1 ـ المحسنات المعنوية ومنها :

أ‌- التورية.
ب‌- الطباق.
ت‌- المقابلة.
ث‌- حسن التعليل.
ج‌- المذهب الكلامي.
ح‌- اسلوب الحكيم.
خ‌- الافتتان.
د‌- الاستطراد.
ذ‌- الاستخدام.


2 ـ المحسنات اللفظية ومنها:

أ‌- الجناس.
ب‌- السجع.
ت‌- الاقتباس.

وسوف نتحدث في بادئ الأمر عن المحسنات المعنوية , ثم نتبع ذلك بالحديث عن المحسنات اللفظية.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:13 AM
المحسنات المعنوية


( أ ) التورية

التَّوْريَةُ : أَنْ يَذْكُرَ المتكلِّمُ لَفْظاً مُفْردًا له مَعْنَيانِ، قَريبٌ ظاهِر غَيْرُ مُرَادٍ ، وَبَعيدٌ خَفيٌّ هُوَ المُرادُ.

نحو: قول سِرَاجُ الدين الوَرَّاق:

أصُونُ أديمَ وجهي عَن أُنَاس … …لقاءُ الموتِ عِنْدهُم الأديبُ

وَرَبُّ الشعر عندهُمُ بَغِيضٌ … …وَلَوْ وَافَى بهِ لَهُمُ "حبَيبُ"

نجد كلمة "حَبيبٍ" في هذا المثال لها معنيان:

أحدهما: المحبوب وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهنْ بسبب التمهيد له بكلمة "بغيض".

والثاني : اسم أبي تمام الشاعر وهو حبيبُ بنُ أَوْس، وهذا المعنى بعيد. وقد أَراده الشاعر ولكنه تَلطف فَورَّى عنه وستره بالمعنى القريب.

ويسمَّى هذا النوع من البديع تورية.

ونحو : قول نَصِيرُ الدين الحَمَّامي:

أبْيَاتُ شِعْرك كالقُصـ … …ـور ولا قُصُورَ بهَا يَعوقْ

ومنَ العجَائبِ لَفْظُها … …حُرٌّ ومعناها "رَقيقْ "

وكلمة "رقيق" في المثال الثاني لها معنيان:

الأول : قريب متبادر وهو العبد المملوك وسببُ تبادُره إلى الذهن ما سبقه من كلمة "حُرّ".
والثاني : بعيد وهو اللطيف السهل.

وهذا هو الذي يريده الشاعر بعد أَن ستَره في ظل المعنى القريب.

والتورية فنٌّ بَرَعَ فيه شعراء مصر والشام في القرن السابع والثامن من الهجرة، وأَتوْا فيه بالعجيب الرائع الذي يدلُّ على صفاءَ الطبع والقدرة على اللعب بأَساليب الكلام.

==========

( ب ) الطباق

الطِّباقُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْءِ وضِدّه في الكلام، وهوَ نَوْعان:

(أ) طِبَاقُ الإيجاب: وَهُو ما لَمْ يَختَلِفْ فِيهِ الضدَّان إِيجَاباً وَسَلْباً.

* نحو قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رقود..} (الكهف:18).

إذا ما تأملت هذه الآية وجدت أن فيها كلمة ( أيقاظا) و ضدها وهي ( رقود), وهذا هو الجمع بين الشيء وضده , وهو ما يسمى بالطباق.

ولما كان الجمع بين كلمتين متضادتين وكل منهما مثبتة, كان طباق بالإيجاب.

* ونحو قوله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ سَاهِرَة لِعَيْنٍ نَائمة".

إذا ما تأملت هذا الحديث وجدت فيه أيضاً كلمة وضدها وهما : ( ساهرة) و (نائمة)
وهذا ما يسمى طباق الإيجاب.

(ب) طِباَقُ السَّلبِ: وَهُو ما اخْتَلَف فِيه الضِّدان إِيجَاباً وسَلْباً.

* نحو قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ ..} (النساء:108) .

إذا تأملت هذه الآية وجدتها تشتمل على فعلين من مادة واحدة أَحدهما إيجابي وهو (يستخفون) , والآخر سَلبي وهو ( لا يستخفون)، وباختلافهما في الإيجاب والسلب صارا ضدين، وهو ما يسمى طباق السلب.

* ونحو قول الشاعر:

ونُنكِرُ إن شِئنا على النّاسِ قولَهم ولا يُنكِرونَ القولَ حينَ نَقولُ .

انظر إلى هذا البيت تجده مشتمل على فعلين من مادة واحدة أيضاً أحدهما إيجابي وهو( ننكر) والأخر سلبي وهو ( لا ينكرون), وهذا هو الطباق السلبي.

========

( ت ) المقابلة

الْمُقَابَلَة أنْ يُؤْتَى بِمَعْنَيَيْن أوْ أكْثَرَ، ثم يُؤْتَى بمَا يُقَابلُ ذَلِكَ عَلَى التَّرتِيب.

والفرق بين الطباق والمقابلة :

أن الطباق يكون بين كلمة وضدها.
بيما المقابلة تكون بين تركيب أو جملة وما يقابلها في المعنى.

نحو:

قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إِنكم لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَع، وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَع"

نجد في هذا المثال أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين صِفتين من صفات الأَنصار في صدر الكلام وهما الكثرة والفزع، ثم قابل ذلك في آخر الكلام بالقلة والطمع على الترتيب.

وأداءُ الكلام على هذا النحو يسمَّى مقابلةً.

ونحو:

وقال خالد بنُ صَفْوَانَ يَصِفُ رَجُلاً:

(لَيْسَ له صديقٌ في السِّر، وَلا عَدُوٌّ في الْعلانِيَةِ.)

في هذاالمثال قابل خالد بن صفوان الصديق والسرّ بالعدو والعلانية.

وأداءُ الكلام على هذا النحو كما قلنا في المثال الأول يسمَّى مقابلةً.

والمقابلةُ في الكلام من أَسباب حسنه وإيضاح معانيه، على شرط أَن تتاح للمتكلم عفوًا(أي بدون تكلف و اصتناع)، وأَما إِذا تكلفها وجرى وراءها، فإنها تعتقل المعاني وتحسبها، وتحرم الكلام رونق السلاسة والسهولة.

==========

( ث) حسن التعليل

حُسنُ التَّعْلِيل : أنْ يُنْكِرَ الأَديبُ صَرَاحَةً أوْ ضِمْناً عِلَّةَ الشَّيْءِ الْمَعْرُوفَةَ، وَيَأْتي بعلَّةٍ أَدَبيَّةٍ طَريفَةٍ تُنَاسِبُ الغَرَضَ الَّذِي يَقْصِدُ إِلَيْهِ.ً

نحو:

قول المعري في الرثاء:

وَمَا كُلْفَةُ الْبَدْر الْمُنِيرِ قَدِيمَةً …وَلَكِنَّهَا فِي وَجْههِ أَثَرُ اللَّطم.

يرْثي أبو العلاء في هذا البيت ، ويبالغ في أن الحزن على المرثي شَمِل كثيرًا من مظاهر الكون، فهو لذلك يدّعي أَن كلفةَ البدر وهي ما يظهر على وجهه من كدْرة، ليست ناشئة عن سبب طبيعي، وإِنما هي حادثة من اللطم على فراق المرثي.

ونحو:

قول ابن الروميِّ :

أَما ذُكاءُ فَلمْ تَصْفَرَّ إذْ جَنَحَتْ … …إلا لِفُرْقَةِ ذَاكَ الْمَنْظَر الْحَسَن.

يرىَ ابن الرومي في هذا البيت أَنَّ الشمس، لم تَصفَرَّ عند الجنوح إلى المغيب للسبب الكوني المعرون عند العلماء، ولكنها اصفرت مخافة أن تفارق وجه الممدوح.

فأَنت ترى في كل مثال من الأَمثلة السابقة أنِّ الشاعر أَنكر سبب الشيء المعروف والتجأَ إلى علة ابتكرها تناسب الغرض الذي يرمي إليه، ويسمَّى هذا الأُسلوب من الكلام حسن التعليل .

==============

( جـ ) أسلوب الحكيم

قد يخاطبكَ إنسانٌ أو يسألك سائل عن أمر من الأمور وأنت تريد أن تعرض عن الخوض في هذا الحديث, أو تريد ألا تجيب عن هذا السؤال بسبب أن السائل ربما يكون عاجز عن فهم الجواب وتريد أن تصرفه لما هو أنفع له.

ومنها: أنك تخالف من يحدثك في الرأي ولا تريد أن تدخل معه في جدال , وفي تلك الحال وأمثالها تَصرفه في شيءٍ من اللباقة عن الموضوع الذي هو فيه إلى نوع أخر من الحديث تراه أجدر وأولى.

مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ..} (البقرة:189)

تجد أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم سألوه عن الأَهلة، لِمَ تبْدو صغيرةً ثمْ تزداد حتى يتكامل نورها ثم تتضاءل حتى لا تُرى، وهذه مسألة من مسائل علم الفلك يُحتاج في فهمها إِلى دراسة دقيقة طويلة فَصرفهم القرآن الكريم عن هذا ببيان أن الأهلة وسائِل للتوْقيت في المعاملات والعبادات؛ إِشارة منه إلى أن الأَولى بهم أن يسألوه عن هذا, وإِلى أَنَّ البحث في العلوم يجب أن يُرْجأَ قليلاً حتى تتوطد الدول وتَسْتَقِرَّ صخرةُ الإِسلام.

وكقول ابن حجاب:

قُلْتُ ثَقَّلْتُ إذْ أَتَيْتُ مراراً قالَ ثَقَّلْتَ كاهِلِي بالأَيادِي

قلتُ طَوَّلْت قال لا بل تَطَوَّ لتُ وأَبرمتُ قالَ حَبْلَ

فصاحبُ ابن حجاج يقول له قد ثقَّلْتُ عليك بكثرة زياراتي فيصرفه عن رأيه في أدب وظُرْف وينقل كلمته من معناها إلى معنى آخر.

ويقول له: إنك ثقَّلتَ كاهلي مما أَغدقت عليَّ من نِعم ومثل ذلك يقال في البيت الثاني، وهذا النوع من البديع يسمَّى : أُسلوبَ الحكيم.

============

( ح ) المذهب الكلامي

المذهب الكلامي: هو أن يأتي المتكلم بدليل وحجة على صحة دعواه يسلم بها المخاطب, وتكون المقدمات التي سلم بها تؤدي إلى التسليم بالمطلوب.

مثل قوله تعالى : { لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء:2).

فالمقدمة التي سلم بها المخاطب هي الفساد وهو باطل , فكذا يجب التسليم بالمطلوب وهو تعدد الآلهة وهو باطل.

ونحو قوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنت في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} ( الحج:5).

فالمقدمة المسلم بها هي ( الخلق من التراب) , فكذلك يجب التسليم بـ ( البعث).

ونحو قوله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم:27).

فالمقدمة المسلم بها هي( بداية الخلق) , فكذلك يجب التسليم بـ ( إعادة الخلق) .

أي وكل ما هو أهون عليه فهو أدخل تحت الإمكان , فالإعادة ممكنة.

===========

(خ ) الافتتان

الافتتان : هو الجمع بين فنين مختلفين , كالغزل و الحماسة و المدح و الهجاء والتعزية و التهنئة .

كقول عبد الله بن همام السلولي جامعا بين التعزية و التهنئة حين دخل على يزيد وكان قد مات أبوه معاوية , وخلفه هو في الملك :

" آجرك الله على الرزية , وبارك لك في العطية , وأعانك على الرعية , فقد رزئت عظيما , وأعطيت جسيما , فاشكر الله على ما أعطيت, واصبر على ما رزيت , فقد فقدت الخليفة , وأعطيت الخلافة , ففارقت جليلا ووهبت جليلا" .

اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة واشكر حِباء الذي بالملك أضفاك

لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه كما رزئت و لا عقبى كعقباك

وكقول عنترة يخاطب عبلة:

ولقد ذكرتك و الرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم.

فعنترة هنا يجمع بين غرضي الغزل و الحماسة.

=========


( د) الاستطراد

الاستطراد: هو أن يذكر المتكلم غرضا و ينتقل منه إلى غرض أخر يناسب الغرض الأول , ثم يرجع إلى إتمام الغرض الأول.

كقول الشاعر:

وإنا أناس لا نرى الموت سبة إذا ما رأته عامر و سلول

يقرب حب الموت أجالنا لنا وتكرهه أجالهم فتطول

وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيلا

فسياق القصيدة هنا للفخر, واستطرد منه إلى هجو قبيلتي عامر و سلول.

ثم عاد إلى مقامه الأول وهو الفخر بقومه .

ومنه قول الشاعر:

لنا نفوس لنيل المجد عاشقة فإن تسلت أسلناها على الأسل

لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل.

فسياق القصيدة للفخر , واستطرد منه الشاعر إلى غرض الحماسة , ثم عاد ليتم غرضه الأول وهو الفخر.

============

( ذ ) الاستخدام

الاستخدام : هو أن يذكر لفظ له معنيان و يراد أحد هذين المعنيين , ثم يذكر ضمير يعود على هذا اللفظ و يراد به المعنى الأخر.

نحو قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ( البقرة:185) أريد بالشهر الهلال , وبضميره الزمان المعلوم .

ونحو قول معاوية :

إذا نزال السماء بأرض قوم رعيناه و إن كانوا غضابا

أراد بالسماء المطر , وبضميره في " رعيناه" النبات , وكلاهما معنى مجازي للسماء .

ونحو قول البحتري:

فسقي الغضا و الساكنيه وإن هم شبوه بين جوانحي و ضلوعي

الغضا شجر بالبادية, و ضمير ساكنيه راجع إلى الغضا باعتبار المكان وضمير شبوه يعود إليه بمعنى النار الحاصلة من شجر الغضا , وكلاهما مجاز للغضا.

ومما سبق نعرف أن ملخص الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فيراد به أحدهما, ثم بضميره المعنى الأخر كقول الشاعر:

وللغزالة شيء من تلفيه ونورها من ضيا خديه مكتسب.

أراد الشاعر بالغزالة الحيوان المعروف , وبضمير نورها الغزالة بمعنى الشمس.

===========
كتاب جواهر البلاغة: السيد أحمد الهاشمي.
كتاب البلاغة الواضحة: علي الجارم ومصطفى أمين.

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 11:15 AM
المحسنات اللفظية


( أ ) الجناس

الجِنَاسُ أَنْ يَتَشَابَهَ اللفظانِ في النُّطْق وَيَخْتَلِفَا في الْمَعْنى.

نحو قول أبو تمام:

ما مات مِنْ كرمِ الزمان فإِنَّه … …يحْيا لَدى يحْيى بْنِ عبد الله

انظر إلى هذا البيت فيه لفظان متشابهان في النطق وهما ( يحيا) و( يحي) وكلمة يحيا الأولى معناه فعل وهو يعيش , و يحي الثانية علم, فوجدنا اللفظان متشابهان في النطق و قد اختلفا في المعنى وهذا هو (الجناس).

وهو نَوْعانِ:

(أ) تَامٌّ : وهو ما اتَّفَقَ فيه اللفظان في أمورٍ أَربعةٍ هيَ: نَوْعُ الحُروفِ، وشَكلُهَا، وعَدَدُها، وتَرْتيبُها.

نحو قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} (الروم:55).

انظر إلى هذه الآية تجد أَن لفظ "الساعة" مكررٌ مرتين، وأن معناه مرةً يومُ القيامة، ومرة إحدى الساعات الزمانية.

فهما اتفقا في نوع الحروف و شكلها وعددها و ترتيبها , وقد اختلفا في المعنى وهذا ما يسمى ( جناسا تاما).

(ب) غَيْرُ تَامِّ: وهو ما اخْتَلَفَ فيه اللفظان في واحدٍ مِنَ الأمور الْمُتَقَدِّمة.

نحو قوله تعالى: { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)}(الضحى:9-11).

وإذا تأمَّلتَ الكلمتين المتجانستين في هذه الآية وهما (تقْهرْ وتَنْهَرْ) رأيت أنهما اختلفتا في ركن من أَركان الوفاق الأَربعة المتقدمة، ويُسمَّى ما بين كل كلمتين هنا من تجانس (جناساً غير تامٍّ).

والجناسُ في مذهب كثير من أهل الأدب غيرُ محبوب؛ لأَنه يؤدي إلى التعقيد، ويَحول بين البليغ وانطلاق عِنانه في مضمار المعاني اللهم إِلا ما جاءَ منه عفوًا وسَمحَ به الطبعُ من غير تكلفٍ.

===========

( ب ) السجع

السَّجْعُ:َ توَافُقُ الْفَاصِلَتَيْن في الْحَرْفِ الأخِير، وأَفْضَلهُ ما تسَاوَتْ فِقَرُهُ( أي ما كانت الفقرات فيه متساوية).

والفاصلة هي الكلمة الأخيرة منْ كل فقرة ، وتُسكَّن الفاصلةُ دائماً في النثر للوقف.

نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ).

إذا تأملت هذا الحديث وجدت فيه فقرتين , وكل فقرة تنتهي بكلمة تسمى الفاصلة , وكل فاصلة تنتهي بحرف واحد هو الفاء, وهذا ما يسمى (السجع).

ونحو:

( الحُرُّ إذَا وَعَدَ وَفَى، وإِذَا أعَانَ كَفَى، وإِذَا مَلَكَ عَفَا).

فنجد في هذا المثال ثلاث فقرات , تنتهي فواصلها بحرف واحد .

وأَفضلُ السجع ما تساوت فقراته، ولا يحسنُ السجعُ إلا إِذا كان رصين التركيب، سليماً من التكلف، خالياً منَ التكرار في غير فائدة.
كما رأَيت في الأمثلة.

=============

( ت ) الاقتباس

الاقْتِباسُ: تَضْمِينُ النَّثْر أو الشِّعر شَيْئاً مِنَ الْقُرآن الكريم أو الحديثِ الشريفِ مِنْ غَيْر دلالةٍ عَلَى أنَّهُ منهما، ويَجُوز أنْ يُغَيِّرَ في الأَثَر المُقْتَبِس قَليلاً.

ومعنى هذا التعريف أن الأديب قد يأتي في الشعر أو النثر بشيء من القرآن أو الحديث من غير أن يشير إلى أنه اقتبسه , ويجوز له أن يغير قليلا فيما اقتبسه.

نحو قول عبد المؤمن الأصفَهانيُّ :

لا تَغُرَّنَّكَ مِنَ الظَّلَمَةِ كثرُة الجيوش والأَنصار

ْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصَارُإِنما نُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصَارُ.

إذا تأملت هذا البيت وجدت أن الشاعر قد اقتبس الشطر الثاني من القرآن الكريم , وقد ضمَّن الشاعر كلامه هذه الآية الشريفة من غير أن يُصرَّح بأنها من القرآن وغرضه من هذا التضمين أن يسْتعِيرَ من قوتها قوة، وأن يكشف عن مهارته في إِحكام الصلة بين كلامه والكلام الذي أخذه، وهذا النوع يسمَّى اقتباساً.

ونحو قول ابن سناء المُلك:

رَحَلُوا فَلَستُ مُسَائِلاً عَنْ دَارهِمْ … …أنَا بَاخِعٌ نَفْسِي عَلَى آثَارَهِمْ


إذا تأملت هذا البيت وجدت الشاعر قد اقتبس فيه من القرآن الكريم من قوله تعالى : {فلعلك باخع نفسك على آثارهم }, والشاعر لم يصرح بهذا الاقتباس, كما أنه قد غير قليلا فيما اقتبسه كما رأينا وهذا جائز في الاقتباس.

=============
كتاب البلاغة الواضحة : علي الجارم ومصطفى أمين.

سما الامل
17-01-2012, 04:00 PM
جزاك الله خيرا

ريحانة المنتدى
17-01-2012, 07:54 PM
شكرا سما نورت الموضوع